أم القرى
مكة وبكة وأم القرى والبلدُ الأمين ونحو إثني عشر اسماً آخر كلها تدل على شرف البلدة المباركة التي شيدت في واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم, تحيط بها الجبال الجرداء من كل جانب, وتنحدر سيولها فيه كلما جادت أكف السماء بماء الحياة, الذي يخفف لهيب الحر اللافح وقسوة الصحراء الممتدة في جزيرة العرب.
ولئن كنا نستطيع الاعتماد على هجرة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام إلى ذلك الوادي كمبدأ واضح لتاريخ مكة المكرمة، فإننا لا ننسى أن نذكر أن لمكة ـ كما يشير إلى ذلك كثير من المصادر الإسلامية ـ تاريخاً قبل ذلك هو غير واضح بالنسبة لنا, كما أن لها في كثير من تفاصيل تاريخ ما بعد تلك الهجرة غموضاً لا يقل عن ذلك... ومع ذلك فلملكة في التاريخ القديم ذكريات مضيئة واضحة رافقت أهم معالمها وأعظم أركانها... فمن ينس إسماعيل وأمه هاجر, أو زمزم وقبيلة جرهم, أو قواعد البيت يبنيها إسماعيل وابنه إبراهيم عليهما السلام وأكفهما ترتفع إلى الله بالدعاء.
وأعظم من هذا كله أن مكة هي البلد الذي ارتبط به كل من توجه إلى الله حيثما كان, وكيفما استطاع, إذ لا مناص له من استقبال الكعبة والإحرام في الصلاة باتجاه الكعبة.
وقد سطر القرآن الكريم اسم مكة وخلده مع بعض معالمها: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم }
كما أشار إلى حادثة مهمة في تاريخها وهي قصة الفيل الذي أهلكه الله, وأهلك الحبشة الذين أحضروه لهدم الكعبة { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل...} كما نوه إلى أن مكة بقعة اختصت بالأمن والسلام اللذين يعمان كل داخل فيها { ألم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حوله } كذلك ذكّر سبحانه أهل تلك البلدة بما اعتادوه من رحلتي الصيف والشتاء إلى اليمن والشام { لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف } إلى غير ذلك من الإشارات الكثيرة الصريحة والعابرة والتي تذكر البلد الحرام أو أهله أو عاداتهم أو تاريخهم أو حالتهم وعيشتهم.
أسواق مكة
وإذا كان الذين سطروا تاريخ مكة في مؤلفات وكتب عجزوا عن الإحاطة والاستيفاء وأداء حق مكة من التاريخ والأحداث, لما لها في جعبة التاريخ من مكانة خاصة مميزة, ولما تحتله في قلب كل مسلم من منازل الود والاحترام, فنحن هنا في عجالتنا هذه أعجز وأضعف.
لكن أبرز أدوار مكة في التاريخ الإسلامي بلا شك كان الدور المكي في السيرة النبوية. ذلك الدور الذي شهد فجر النبوة ومولد الرسالة ومنبع الإيمان, بكل ما حفل به من أحداث جسام ملأت صفحات السيرة النبوية العطرة, وثبتت في ذهن كل مسلم, فمكة في ذلك العصر ترددت في جنباتها أصداء الوحي صباحاً ومساء, وشهدت بأم عينيها رجال الإسلام الأوائل: كيف دخلوا في الدين واحتملوا المشاق من أجله, وكانت أوعى من حفظ ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ويتمه ونشأته, صباه, وزواجه وخلوته في غار حراء ونبوته، واختفاءه في دار الأرقم ثلاث سنين ثم جهره وصراعه مع الباطل ثم بعد ذلك هجرته.
وفي ذلك العصر الأهم كانت مكة مركزاً تجارياً هاماً تقصده القوافل بتجاراتها, وتحط في أسواق (عكاظ وذي المجنة ومجاز) رحالها وبضائعها, كما كانت منتدى أدبياً للشعراء العرب وحملة الأخبار من كل جانب وفج، ولم تخل ساحاتها في حين من الأحيان من حاج يفد إلى البيت, أو غريب يلوذ به, أو طَرِب هاج به الشوق إلى ليالي السمر ونفحات الصبابة... ومن هنا ولكونها في قلب جزيرة العرب وفوق قمة مدنها أطلق عليها اسم (أم القرى).
بئر زمزم قديما
وإذا كانت الكعبة المشرفة ببهائها وعظمتها وتأثيرها ـ الذي فتق ألباب الشعراء وأخذ بمجامع قلوب العاشقين ـ أبرز معالم مكة على الإطلاق, فإن العين لا تخطئ أبداً منظر المسجد الحرام الذي يحف بالكعبة بفنائه الواسع ومآذنه الشامخة وقبابه المنسقة ومشاربه الزمزية وأبوابه الكثيرة, ومعالمه التي شاركت في إنشائها وتجميلها وكثرتها كل عصور الإسلام وخلفاؤه وشعوبه, ابتداء من ابن الزبير في أوائل العصر الأموي, وانتهاء بأكبر التوسعات التي جرى تنفيذها حالياً مما لم يسبق له مثيل.
ولقد اشتهرت مكة المكرمة على مر العصور بالنشاط العلمي المكثف في أروقة المسجد الحرام وخارجه, سواء كان على صورة حلقات علمية كما هو الشأن في العصر العباسي وما بعده, أو على صورة مدارس دينية علمية كما بدا ذلك واضحاً في العصور الأخرى, كما رأينا فيها المدرسة الصولتية والرشيدية والفخرية , وكل منها له قصة ونبأ, وقد أثمر ذلك الحشد العلمي في مكة إما في ظهور نوابغ من العلماء كالشافعي وسيفان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجي ومحمد بن عبد الله الأزرقي ـ صاحب أول مؤلف في تاريخ مكة وأخبارها ـ أوفي ظهور أُسَرٍ بأكملها عرفت باشتغال معظم أبنائها بالعلم وتوارثهم ذلك جيلاً بعد جيل كآل ظهيرة القرشي وآل الدحلان وآل القطبي وآل علان وآل باد شاه وآل العجمي وآل المالكي ، وآل الطبري الذين ذكر أن منهم إضافة إلى رجالهم ثلاث نساء شهيرات في عهود مختلفة برزن في العلم والدين.
كسوة الكعبة
ولأهمية مكة دينياً وحضارياً فقد عرج عليها كثير من الرحالة والمسافرون , حتى لا يكاد يوجد رحالة قديم أو حديث إلا وترك في سجل رحلته وصفاً لمكة وأهلها وبعض عاداتهم اللطيفة. فهذا ـ على سبيل المثال ـ ابن بطوطة يصف لنا أخلاق أهلها الحميدة فيسجل أنهم يؤثرون الضعفاء والمنقطعين, وإذا صنع أحدهم وليمة بدأ فيها بإطعام الفقراء ويستدعيهم بلطف.
ويقول: إن أكثر المنقطعين يرابطون بجوار الأفران حيث يطبخ الناس خبزهم, فيقطعون لكل واحد ما قسم له, ولو كانت له خبزة فإنه يعطي نصفها أو ثلثها. وقال ابن بطوطة أيضا : إنه شاهد اليتامى الصغار يقعدون في الأسواق وفي أيديهم القفف، فإذا اشترى الرجل من أهل مكة من السوق حاجة أودعها قفة واحد من هؤلاء الصغار , وأرسله إلى بيته ، ليذهب بعد ذلك الرجل إلى طوافه أو حاجته, ويترك الصغير يذهب إلى بيته دون أن يخونه فيما آمنه.
بل ويمضي ابن بطوطة بقوله: وأهل مكة لهم ظرف ونظافه في الملابس وأكثر لباسهم البياض, فترى ثيابهم ناصعة ساطعة, ويستعملون الطيب كثيراً, ويكتحلون ويكثرون السواك بأعواد الأراك الأخضر، ونساء مكة فائقات الحسن رائعات الجمال ذوات صلاح وعفاف, وهن يكثرن التطيب حتى إن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيبا !!!
ومن لطائف أخبار مكة ما ذكره صاحب بلوغ القرى, عن المكلف بالنظافة في عهد أحد أمراء مكة في أول القرن العاشر العربي, واسمه بركات بن محمد, أنه كان يمر في شوارع مكة وأزقتها, فإذا وجد تحت بيت أحدهم شيئاً من القمامة دعا صاحب البيت وأمر بضربه على رجليه, وأنه فعل ذلك بعدة أشخاص, فأمسك الناس عن إلقاء القمام في الطرق العامة.
ويلفت النظر منذ القديم في مكة المكرمة حرسها الله شدة العناية بإنارة الحرم المقدس. يقول أحمد السباعي في كتابه (تاريخ مكة): وعني العثمانيون في هذا العهد بشئون المسجد فأهدت والدة السلطان عبد الحميد في عام ألف ومئتين ونيف وخمسين للمسجد ستة أعمدة في رأس كل عمود نخلة من معدن أصفر تناط بفروعها المدلاة ستة قناديل, وقد وزعت في أنحاء المسجد. وأنشأ العثمانيون بين الأساطين الأمامية للأروقة عوارض من حديد تناط بها القناديل, وقد أحصى الشيخ حسين باسلامه في كتابه (عمارة المسجد) قناديل المسجد في عموم أروقة الحرم وصُحُنه وأبوابه فكان مجموعها (1422) قنديلاً ما عدا ما جعل في المنائر.
ولئن كانت مكة في واد غير ذي زرع كما وصف القرآن الكريم, فإنها من طرف آخر يجبى اليها ثمرات كل شيء رزقا من الله, ويذكر التاريخ أن جراية القمح التي رسم بها السلطان سليم العثماني مع المبالغ النقدية الوافرة التي ترافقها كانت مصدر خصب وتوسعة لأهل مكة. فقد وصلت تلك الإعاشة لأهل مكة إلى خمسة آلاف أردب صحبة أمير المحمل الرومي مصلح الدين, الذي أحصى سكان مكة ـ غير التجار والعسكر ـ في سجلات للبيوت وعدد أهلها, حتى بلغ من أحصاه اثنى عشر ألف نسمة, وقد خص كل فرد أربع كيلات مع دينار من ذهب. وقد زيدت تلك الجراية زيادة كبيرة في عهد السلطان سليم بن سليمان بما يناسب ازدياد السكان.
أما أوقاف المسلمين على مكة ومسجدها الحرام وأهلها الكرام فهي كثيرة جداً في سائر أنحاء العالم الإسلامي زيادة على ما في مكة نفسها, التي يرى بعض المؤرخين أن أرضها كلها وقفُُ. وهذا يدل على مدى الحب والاحترام للبلد الأمين في قلوب المسلمين, حتى إن كثيراً من المسلمين ـ علماء وتجارا وغيرهم ـ هاجروا من مختلف البلدان والأصقاع, ويمموا شطر مكة للاستيطان بجوار البيت العتيق والتفيؤ بظلاله.
هذه نبذة مختصرة عن البلد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا. فهو الذي تهفو نحوه نفوس المؤمنين أجمعين, ويتجدد الحنين مع إطلالة موسم الحج كل عام, فنرى الناس زرافاف ووحدانا يتسارعون إليه ليكحلوا أعينهم برؤيته, ويتنسموا عبيره الفواح !!!
الشيخ عبد الله نجيب سالم