الإسكندرية
قبل أن يجدد بناءها الإسكندر المقدوني لتنسب إليه فيما بعد كانت تسمى مدينة وقودة. ومنذ جددها الإسكندر المذكور انتقل تخت المملكة من مدينة منف إليها فصارت دار المملكة بديار مصر، ولم تزل على ذلك حتى ظهر دين الإسلام.

ولقد كان الروم وهم آخر أمة ملكت الإسكندرية قبل الإسلام يدركون تماماً أنهم إذا خرجت تلك المدينة من أيديهم فقد خرج ملك مصر بل وملك أفريقية كلها من أيديهم فجمعوا من الجموع مااستطاعوا واستخدموا من الأسلحة كل ماعرفوا في محاولة يائسة منهم لصد المسلمين عنها وكان موقفهم هذا بخلاف موقف المقوقس ملك الإسكندرية العملي وهو قبطي وموقف الأقباد عموماً.. فقد صالح المقوقس عمر بن العاص أمير الجيش الإسلامي الذي حاصر الإسكندرية وفتح له أبواب البلدة حتى إذا بلغ ذلك هرقل ملك الروم سخط أشد السخط وأنكر أشد الإنكار وجعل يقول: لئن ظهرت العرب على الإسكندرية ففي ذلك انقطاع الروم وهلاكهم لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية فأمر بجهازة ومصلحته وجميع مادته ليباشر القتال بنفسه فيها إلا أن موته قبل ذلك لم يمنع الروم من انفاذ حملتهم بقيادة منويل الخصي الذي نقص صلح المقوقس وأغلق أبواب البلدة واستعد للقتال وآذن عمراً بالحرب فخرج عمرو بن العاص بالمسلمين منها حين أمكنه الخروج وخرج معه جماعة من رؤساء القبط وقد أصلحوا لهم الطرق وأقاموا لهم الجسور والأسواق وصارت القبط لهم أعواناً على ما أرادوا من قتال الروم.. ويقال أن المقوقس قال حينها لعمرو: أسالك ثلاثاً قال: ماهن قال: لاتبذل للروم مابذلت لي( أي لاتعطهم الأمان كما فعلت معي) فإني نصحت لهم فاستنشوني ولاتضمن القبط فإن النقض لم يأت من قبلهم وأن تأمر بي إذا مت فادفني في بخنس.
وكان فتح الإسكندرية الثاني بعد حصار دام أشهراً وزفت البشر إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتاب من أمير الجيش جاء فيه: أما بعد فإني فتحت مدينة لا أصف مافيها غير أني أصبت فيها أربعة آلاف بنية بأربعة آلاف حمام وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية وأربعمائة ملهى للملوك.
قصر حريم محمد على بالاسكندرية
ولموقعها الاستراتيجي الهام كثغر من ثغور الإسلام ومركز من مراكز الجهاد ضد الأعداء فيه فقد امتدح الإقامة فيها كثر من السلف الصالح.. قال عبد الله بن مرزوق الصدفي لما نعي لي ابن عمي خالد بن يزيد وكان قد توفي بالإسكندرية لقيني موسى بن علي بن رباح وعبد الله بن لهيعة والليث بن سعد متفرقين كلهم يقول: أليس مات بالإسكندرية فأقول: نعم فيقولون: هو حي عند الله يرزق ويجري عليه أجر رباطه ما قامت الدنيا وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك.
وإذا أردنا أن نعرج على بعض معالم الاسكندرية الشهيرة فلنبدأ أولاً بذكر بحيرة الإسكندرية أو خليجها فقد كان هذا محط اهتمام كثير من ولاتها وأمرائها فعلى سبيل المثال قدم في سنة عشر وسبعمائة الأمير بدر الدين بكتوت الخزنداري أمير الإسكندرية وفيه إلى السلطان الناصر حمد بن قلاون وحسن له أعادة حفره وتوسعته وذكر له مافي ذلك من المنافع أولها حمل الغلال وأصناف المتجر إليها في المراكب وفي ذلك توفير للكلف وزيادةُُ في مال الديوان وثانيها عمارة ما على حافتي الخليج من الأراضي بإنشاء الضياع والسواقي فينموا الخراج بهذا نمواً كثيرا وثالثها انتفاع الناس به في إعمار بساتينهم وشرب مائه دائما فأعجب السلطان ذلك وندب له مع أمير الإسكندرية أميراً آخر مع استنفار جميع ولاة الدولة بتلك الناحية حتى جمعوا نحو أربعين ألف رجل في عشرين يوماً فمازالوا يعملون حتى جعلوا عمقه ست قصبات في عرض ثمانية وجرت السفن فيه طوال السنة بعد ذلك واستغنى أهل الاسكندرية عن شرب ماء الصهاريج، وبادر الناس للعمارة على جانبيه حتى استجد أكثر من مئة ألف فدان.
أما منارها أو فنارها فقد قيل إن الإسكندر بناها أو أن الفراعنة أو الملكة دلوكه قد بنتها وجعلتها مرقباً لمن يرد من العدو إلى بلدهم وعلى كل حال فالذي بناها قيل إنه جعلها على كرسي من الزجالة على هيئة السرطان في جوف البحر أو على طرف اللسان الذي هو داخل في البحر من البر وجعل على أعلاها تماثيل من النحاس وغيره منها تمثال قد أشار بسبابته من يده اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك ومنها تمثال قد أشار بيده إلى البحر إذا صار العدو منه على نحوٍ من ليلة كما بنى فوقها مرآة عظيمة مرتفعة في الهواء من أخلاط شتى وجعل رجالاً معهم الدباب جلوساً حولها فإذا نظروا إلى العدو في البحر في ضوء تلك المرآة صوتوا لمن قرب منهن ونشروا أعلاماً تخديراً للناس ليستعدوا كما إنهم يعملون لتلك المرآة عملاً تلقي به شعاعها عليه فتحرقه، وهي أي المنارة سامقة فى السماء عظيمة فيها الارتقاء.
ولعلوها وما فيها من صنعة متقنة وآلات غريبة وهندسة فريدة اعتبرت منارة الإسكندرية احدى عجائب الدنيا السبع القديمة، وقد تعرضت المنارة لزلزال مدمر قرابة عام 1300 ميلادية ولم يكن الأول من نوعه بالنسبة لها فدمرها وعلى أنقاضها أقام السلطان قايتباي حصنه المعروف حالياً بقلعة قايتباي، وقد كان من عادة أهل الإسكندرية في يوم خميس القدس أن يخرجو إلى المنارة من مساكنهم ومعهم المآكل التي من بينها العدس فيفتح لهم باب المنار ليدخله الناس فمنهمن يذكر الله ومنهم من يصلي ومنهم من يلهو ولا يزالون إلى نصف النهار ثم ينصرفون.
قال الوجيه الدوربي في منارة الإسكندرية:
وسامية الأرجاء تُهدي أخا السرى ضياء إذا ماحندس الليل ظلما
ليس بها برداً من الانس صافيـا فكـان بتذكار الأحبة معلمـا
وقد ظللتني من ذراها بقبـــة ألاحظ فيها من صحابي أنجما
تخيل أن البحر تحتي غمامــة وأني قد خيمت في كبد السما
ويكاد المرء يحار في تصوره لمبلغ النظافة الذي اشتهر به أهل الإسكندرية منذ القديم حيث ذكرت روايات أن فيها أربعة آلاف حمام في وقت لم يكن الناس يلتفتون إلى مثل ذلك بل أورد بعضهم كالمقريزي قوله: وكان بالإسكندرية فيما أحصى من الحمامات وأماكن الترفه اثنا عشر ألف ديماس أصغر ديماسى فيها يسمع ألف مجلس في كل مجلس يسع جماعة نفر.
وقد تعجب المؤرخون كذلك من ملعبها ( أي مدرجها) الروماني القديم قال القضاعي: ومن عجائب مصر الإسكندرية وما بها من العجائب فمن عجائبها المنارة والسواري والملعب الذي كانوا يجتمعون فيه يوم من السنة ويحضره ألف ألف من الناس فلا يكون فيها أحد إلا وهو ينظر في وجه صابحه ثم إن قرىء كتاب سمعوه جميعا أو لعب لون من اللعب رأوه عن آخرهم لايتظالمون فيه بأكثر من مراتب العلية والسفلية.
ولم تزل الاسكندرية مند أن فتحها المسلمون محط تجارة الغرب ومحط أطماعهم أيضاً فقد كانوا كثيرا مايردون إليها يحملون مع البضائع والأموال الأسلحة والرجال في محاولة منهم للتغلغل في السواحل المصرية وإيجاد موطء قدم لهم في البلاد الإسلامية، وعلى سبيل المثال يذكر المؤرخون أنه في سنة ثنتي عشرة وستمائة اجتمع بالإسكندرية ثلاثة آلاف من تجار الفرنج وقدمت بسطة ( كأنها سفينة حربية) فيها من ملوك الفرنج ملكان فهمّوا أن يثوروا ويقتلوا أهل البلد ويملكوها فتوجه الملك العادل أبو بكر بن أيوب إليها وقبض على التجار المذكورين وعلى من بالبسطة واستصغى أموالهم وسجنهم وسجن الملكين وجرت خطوب حتى أطلق السلطان نساءهم وعاد إلى القاهرة.

وقد كان ذلك مصدر قلق دائم للمسلمين فلم يقصروا في بناء الحصون وترميم السور وإعداد السلاح والعتاد في الإسكندرية التي شهدت في فترة من فتراتها هجمات الصليبيين الشرسة فتارة يدخلونها إلى حين وتارة يرتدون عنها صاغرين فهذا الظاهر بيبرس عندما أحس بحركة الفرنج قرب الثغور البحرية يأمر بالشواني ( ولعلها نوع من السفن الحربية) أن تعد كما يأمر بنصب مائة منجنيق على سور الإسكندرية، بل إن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاتح الإسكندرية كان يبعث في كل سنة غازية من أهل المعرفة ترابط في الإسكندرية وكان على الولاء ـ أي رغم موالاتها له لاينفلها ويكنف مرابطها ولا يأمن الروم عليها وقد تبعه في ذلك عثمان رضي الله عنه الذي كتب إلى واليه على مصر عبدالله بن سعد بن أبي سرح: قد علمت كيف كان همّ أمير المؤمنين بالإسكندرية وقد نقضت الروم مرتين فالزم الإسكندرية مرابطيها ثم أجر عليهم أرزاقهم واعقب بينهم في كل ستة أشهر، أما معاوية فقد كتب إلى واليه علقمة بن يزيد الذي شكا له قلة من فيها من الجند الذين لايزيد عددهم عن انثني عشر ألف فقال له: إني قد أمددت بعشرة آلاف من أهل الشام وخمسة آلاف من أهل المدينة وأمرت معد بن يزيد السلمي أن يكون في اللد في أربعة آلاف ممسكين بأعنة خيولهم متى بلغهم عنك فزع يعبروا إليك.

ولم تخل الإسكندرية من عالم أو عابد ويكفي أن نذكر من علمائها ابن المنير صاحب كتاب تراجم البخاري ومن عبادها العباد الصوفي الشهير صاحب الحكم المعروفة ابن عطاء الله السكندري الذي لا تزال حكمه إلى اليوم مثار اهتمام أرباب السلوك وأهل المعرفة وأصحاب الهمم العالية.
وقد ذكر في فضائلها الأقدمون من المفسرين أنها المدينة التي وصفها الله عز وجل في كتابه العزيز: ( إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) (الفجر:8)
قال أحمد بن صالح: قال لي سفيان بن عيينة : يا مصري أين تسكن قلت: أسكن الفسطاط فقال:أتأتي الإسكندرية قلت: نعم، قال: تلك كنانة الله يجعل فيها خيار سهامه.
الشيخ عبد الله نجيب سالم