مراكش
في موضع خلاء لا أنيس به إلا الغزلان والنعام ولا ينبت فيه إلا السدر والحنظل وفوق أرض صحراوية منخفضة اختط يوسف بن تاشفين أعظم أمراء المرابطين مدينة مراكش في سنة 454 هـ بعد أن اشترى موضعها من جماعة من المصامدة فسكن الموضع أولاً بخيام من الشعر وأسس مسجد للصلاة وقبة صغيرة لخَزْن أمواله وسلاحه. وعندما شرع في بناء المسجد كان يحتزم ويعمل بنفسه ويديه في الطين والبناء مع الخدم والعمال تواضعاً منه وتورعا...
وتتابع الناس من ورائه فأخذوا يقيمون دورهم في ذلك الموضع قبل إنشاء سور المدينة وقد قام يوسف بن تاشفين بحفر الآبار وجلب المياه إلى المدينة الحديثة التي كان معظم بنائها الأولي من اللبن والطوب إلا ما يقطع من جبل صغير مجاور من حجارة تستخدم لبناء الدور العظيمة كما استخدمت فيما بعد لبناء حصن يوسف بن تاشفين عرف باسم حصن مقر الحجر برحبة مراكش.
وقد تأخر بناء سور مراكش بعض الشيء فبني عام 514هـ بناه علي بن يوسف في ثمانية أشهر وكان له عدة أبواب منها أبواب أغمات ووكالة والدباغين وبينتان والصالحة والشريعة والمخزن.
ويبدو أن المرابطين لم ينظروا إلى مراكش إلا كقاعدة حربية لقواتهم أو مدينة حربية لجيشهم. وبقي حال المدينة كذلك إلى أن دخلها فرق المرابطين. فلما دخلها الموحدون وقضوا على المرابطين بقيت المدينة ثلاثة أيام لا يدخلها داخل ولا يخرج منها خارج لما اعتقده الفاتحون الجدد للمدينة من حاجة إلى إصلاح محاريبها لتتجه إلى القبلة بدقة أكبر فهدمت جوامع مراكش لذلك السبب ومن بينها جامع علي بن يوسف الذي هدم بعضه وأقيم الجامع المعروف بالكتبية ثم دخلها قائد الموحدين عبد المؤمن بن علي واتخذها عاصمة لدولته وأقام فيها الدور واتخذ القصور وجلب إليها المياه ومن جهة أغمات لسقاية البساتين التي اتخذها فيها. وذلك كما يقول ياقوت الحموي في معجمه.
وقد تتابع العمران والإنشاء في مراكش حتى وصلت إلى أرقى درجاته المعروفة بل احتوت على قصور شاسعة لا تكاد توجد في غيرها من المدن. يصفها ابن سعيد المغربي فيما ينقله عنه القلقشندي فيقول (وهي مما سكنتُ بها وعرفتها ظاهراً وباطنا ولا أرى عبارة تفي بما تحتوي عليه. ويكفي أن كل تعد من قصورها مستقل بالديار والبساتين والحمام والاصطبلات والمياه وغير ذلك. حتى إن الرئيس منهم يغلق بابه على جميع خوله وأقاربه وما يحتاج إليه ولا يخرج من بابه إلى خارج داره لحاجة يحتاجها ولا يشتري شيئاً من السوق لمأكل ولا يقرئ أولاده في مكتب).
واهتم خلفاء عبد المؤمن من الموحدين بمراكش اهتماماً خاصاً فكانت مراكش كعروس يتقرب إليها كل منهم بما يستطيع من إضافات عمرانية رائعة. فلقد بنى فيها المنصور الموحدي بعد انتصاره في معركة الأرك بيمارستان دار الفرج وهو أعظم المستشفيات التي عرفها العالم الإسلامي بل العالم كله آنذاك. يصفه المراكشي فيقول تخيرّ لبنائه ساحة فسيحة من اجل مواضع مراكش وأمر البنائين بإتقان بنائه فزينوه بالنقوش البديعة والزخارف الرائعة. وأمر الخليفة بأن يغرس فيه من جميع أشجار الفاكهة وأجرى فيه مياهاً كانت تصل إلى جميع غرفه كما أقام به أربع برك في وسط صحنه إحداها من الرخام الأبيض وأمر له من الفُرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف ويأتي فوق النعت وأجرى له ثلاثين ديناراً في كل يوم يرسم الطعام وما ينفق عليه (وهذا بالطبع في أيام الرخص بما يكفي كفاية ظاهرة) خارجاً عما يجلب إليه من الأدوية وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال، وأعد فيه ثياب ليل ونهار للنوم من جهاز الصيف والشتاء فإذا.... المريض فإن كان فقيراً أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يستقل وإن كان غنيا دفع إليه ماله وتركه وسببه. ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه عولج إلى أن يستريح أو يموت. وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله ويعود المرضى ويسأل عن أهل بيت أهل بيت.
اسواق مراكش
وفي مراكش جامع الكتبية وهو ضمن المساحة مستطيل الشكل أول من بدأ بناءه عبد المؤمن بن علي الذي أقامه على أنقاض جامع (قصر الحجر) لانحراف قبلته إلى الشرق ونقل إليه منبراً عظيما كان قد أمر بصنعه في الأندلس من العود والصندل الأحمر والأصفر وجعل صفائحه من الذهب والفضة وأقام للمسجد مقصورة من الخشب لها ستة أضلاع تسع أكثر من ألف رجل... وتعتبر مئذنة جامع الكتبية بمراكش من روائع الفن المعماري في الإسلام زخارفها تختلف من وجه إلى آخر، وتتحكم الفتحات والنوافذ التي زودت بها المئذنة في توزيع الزخرفة كما تتنوع العقود التي تزدان بها تلك الفتحات ويبلغ ارتفاعها 5ر67 متراً وطول كل جانب منها 5ر12 متراً.
ولما عاد المنصور الموحدي ظافرا من معركة الأرك عام 594هـ أمر ببناء مسجد القصبة، وتصميم هذا المسجد غريب الشكل فصحنه عظيم الاتساع بالنسبة لبيت الصلاة ويختلف عن غيره في أنه يحف بصحنه إلى اليمين واليسار صحنان آخران يفصلهما بلاط مواز لجدار القبلة فيصبح حول الصحن الكبير أربعة صحون صغيرة تتوسطها فسقيات( أي برك ماء) مستديرة مفصصة ومحراب الجامع يقوم على عضادتين ترتكز كل منهما على عمودين وله صومعة بديعة مزخرفة وهي في ارتفاعها دون صومعة مسجد الكتبية ويعلوها بيت للمؤذن أي موقف له تسقفه قبة مفصصة، ويصف صاحب كتاب الاستبصار بعض معالم تلك المدينة بعض معالم تلك المدينة العظيمة وجلب الخليفة الإمام المياه من أودية درن وغرس بحيرة عظيمة بغربي المدينة قبل نفيس دورها ستة أميال...
وبنى فيها وخارجها صهريجين عظيمين كنا في تلك الفترة نعوم فيهما فلا يكاد القوي منا يقطع الصهريج إلا عن مشقة وكنا نتفاخر بذلك وأحدث الخليفة بعده ابنه أبو يعقوب بحارا ( أي طبات وحدائق) مثلها في الفرس بل أجمل وجلب لها المياه وأخذها في صهاريج أعظم من المتقدمة وزاد في قبلة المدينة حصناً أنفذه الآن ابن الخليفة أبو يوسف.
وزاد عليها مدينة أخرى تقارب الأولى في دورها فبناها قصوراً وجامعاً وأسواقاً وفنادق، وجلب التجارة إلى قيسرية عظيمة لم يبن في مدن الأرض أعظم منها ويتابع فيقول: ومدينة مراكش أكثر بلاد المغرب جنات وبساتين وأعناب وفواكه وجميع الثمرات، وكانت قبل ذلك يطير الطائر حولها فيسقط من العطش والرمضاء، وأكثر شجرها الزيتون وزيتونها أكثر من زيتون مكناسه وزيتها أرخص وربما أطيب.
ولقد تأثرت مراكش بالفتن التي اشتعلت أواخر أيام الموحدين حتى استولى الهدم والخراب على كثير من تلك الديار، ويذكر الوزير أبو الحسن ابن سعيد القيسي أنه وجد على بعض قصورها مكتوباً بالفحم:
ولقد مررت على رسوم ديارهم فبكيتها والربع قاع صفصف
كما يصف ابن الخطيب خرابها في عصر بني مرسيه فيقول: (وخرابها موحش هائل وبعد الأقطار عن كثير من الأوطار بها حائل وعدوها ينتهب في الفتن أقواتها وجرذان المقابر تأكل أمواتها).
ولكن مراكش استعادت مكانتها في عصور الأشراف السعديين كعاصمة للبلاد فشرع السلطان أحمد بن محمد السعدي الملقب بالمنصور الذهبي في بناء قصره المعروف بالبديع وكان قصراً ربعاً في كل جهة منه قبة وكان يزدان بالرخام المجزع والمرمر الأبيض المفضض والأسود ، كل رخامة طلي رأسها بالذهب الذائب وموه بالنضار العراقي وفرشت أرضه بالرخام العجيب النحت الذي استقدمه من إيطاليا وجعل فيه من زينة الفسيفساء التنوع التلوين الشيء الكثير حتى أصبح كأنه خمائل زهر أو برد موش وطلى سقوفه بالذهب مع بريق النقش ورائق الرقم بخالص الجبس.
واتخذ المنصور هذا لنفسه في مراكش بلاطاً أقرب ما يكون إلى البلاطات الشرقية في الترف والعظمة إذ كان يجلس في قصر البديع وقد مد فيه ومهد من فرش الحرير وصُفَّتْ النمارق وتدلت الأستار والكلل والجمال المخوصة بالذهب على كل قبة وحناية.
ولن نستطيع أن نوفي مراكش ـ دار العلم حقها من الذكر والوصف فذلك أو بعيد المنال. إذا كانت مراكش خاصة في فترات وعصور ازدهارها مركز إشعاع علمي ومحط رحال المتعلمين والمعلمين على حد سواء لكثرة ما فيها من مجالس العلم ودوره ورواج سوقه وانتشار زهوره.
الشيخ/ عبد الله نجيب سالم