غرناطة
يعتبر موقع مدينة غرناطة الأندلسية من أروع مواقع المدن، فعلى سفح جبل الشمي (شلير) الذي يعكس الثلج من فوقه أشعة الشمس في صورة إفادة بديعة وإلى جوار مدينة إلبيرة الرومانية القديمة نشأت غرناطة بلدةً صغيرة بادىء ذي بدء ثم لم تلبث بعد الفتح الإسلامي أن نمت وتوسعت حتى أصبحت قاعدة الولاية ثم غدت بعد ذلك عاصمة مملكة غرناطة ويرجح الكثير أن أصل التسمية (غرناطة) مشتق من الكلمة اللاتينية (غراناتا) ومعناها (الرماية) وأنها سميت كذلك لجمالها وكثرة حدائق الرمان التي كانت تحيط بها.
ويعطينا أبو القاسم الملاحي في كتابه (تاريخ علماء البيرة) صورة عن انتقال العمران والصدارة من البيرة إلى غرناطة: وقد خلفها بعد ذلك كله مدينة غرناطة أعظم مدنها وأقدمها عندما انقلبت العمارة إليها من البيرة ودارت أفلاك البلاد الأندليسية فهي في وقتنا هذا قاعدة الدنيا وقراره العليا وحاضرة السلطان وقبة العدل والإحسان لا يعدلها في داخلها ولا خارجها بلد من البلدان، ولايضاهيها في اتساع عمارتها وطيب قرارتها وطن من الأوطان ولا يأتي على حق أوصاف جمالها وعد أصناف جلالها قلم البيانز
وقد تأخر فتح البيرة وغرناطة بعض الشيء عن دخول طارق بن زياد الأندلس ذكر معاوية بن هشام صاحب كتاب دولة بين مروان بالأندلس أ،ه بعد دخول موسى بن نصير سنة ثلاث وتسعين توجه ابن عبدالعزيز في جيش إلى (تدمير) فافتتحها ومضى إلى إلبيرة فاتتحها ثم توجه إلى مالقة.
وكان معظم الذين استوطنوا كورة البيرة وغرناطة هم جند دمشق الشام في غمار من الروم الذين اشتغلوا بفلاحة الأرض وعمارة القرى يرأسهم أشياخ من أهل دينهم مع تمتعهم بالأمان وحسن المعاملة.
وأكثر ما يلفت الأنظار في غرناطة الأمس هو جمالها الأخاذ وموقعها الطبيعي الفريد فهي من جهة تستلقي في حضن جبل الشمس أما من الجهات الثلاث الأخرى فهي تتمتع بالنظر إلى جنان لا نهاية لها في الحسن ولا الخضرة ولا الابداع يقول لسان الدين ابن الخطيب الوزير: (وتركب ما ارتفع من هذه المدينة من جهاتها الثلاث الكروم البديعة طوقاً مرموقاً يتصل بما وراءها من الجبال فتعم الروابي والوهاد وتشمل الفور والنجد تعي على العد أبراجه ومصانعه، تلوح مبانيها ناجمةً بين الثمار والزيتون وسائر ذوات الفواكة من اللوز والإجاص والكمثرى محدقة من الكروم المسحة والرياحين الملتفة ببحور طامية.
وأما ما استند إلى الجبل فيتصل به البيازير في سفح الجبل وإلى جواره عين الدمع التي كانت أيام المسلمين متنزهاً بديعاً تغص بالمروج والحدائق الغناء منعطفة على عين القبلة متصلة بجبل الفخار ناهلة في غمر الماء المحبوب على ذلك السمت. أوضاع بديعة وبساتين رائعة وجنات لا نظير لها في اعتدال الهواء وعذوبة الماء والإشراف على الارجاء ففيها القصور المحروسة والمنارة المعمورة والدور العالية والمباني القصبية، والرياحين النضيرة.
بلد يحف به الأرض كأنه وجه جميل والرياض عذارة
وكأنما واديه معصم غادةٍ ومن الجسور المحكمات سواره
ثم يعرج الوزير ابن الخطيب بقارئيه إلى داخل مدينة غرناطة ليصف لنا جملة من أحوال أهلها فيقول عن أهله: (مذاهبهم على مذهب مالك بن أنس امام دار الهجرة جارية، وطاعتهم للأمراء محكمة، وأخلاقهم في احتمال المعاوز الجبائية جميلة، وصورهم حسنة، وأنوفهم معتدلة غير حادة، وشعورهم سود مرسلة، وقدودهم متوسطة معتدلة إلى القصر، وألوانهم مشربة بحمرة وألسنتهم فصيحة عربية يتخللها غرب كثير، وتغلب عليهم الإمالة، وأخلاقهم أبية في معاني المنازعات وأنسابهم عربية، وفيهم من البربر والمهاجرة كثير ولباسهم الغالب على طرقاتهم الفاشي بينهم الملف المصبوغ شتاء والكتابة والحرير والقطن والموعر والاردية الافريقية والمقاطع التونسية والمآزر المشفوعة صيفا... وقوتهم الغالب البر الطيب عامة العام، وربما اقتات في فصل الشتاء الضعفة والبوادي والعفلة في الفلاحة الذرة العربية... وفواكهم اليابسة (أي المجففة) عامة العام متعددة، يدخرون العنب سليماً من الفساد إلى شطر العام، إلى غير ذلك من التين والزبيب والتفاح والرمان والقسطر والبلوط والجوز واللوز.
وكانت غرناطة تتمتع باقتصاد قوي ليس أدل عليه من أن صرف أهلها كان فضة خالصة أو ذهباً إبريزاً طيباً وأن حليهم كانت الدمالج والقلائد والشنوف والخلاخل من الذهب الخالص والفضة في كثير من آلات الرجلين عدا الأحجار النفيسة من الياقوت والزبرجد.
كما كان من عاداتهم أنهم يحبون الخروج بما عندهم من متاع في دورهم إلى المروج الفسيحة التي تحيط ببلدتهم ليفسحوا المجال لأولادهم ليتعلموا الفروسية والشهامة واستعمال السلاح عدا تنشق النسيم العليل والتمتع بما في الكروم والبساتين من فاكهة وثمار وخضار وأزهار.
وأما نساؤهم ـ فحريم جميل موصوف بالسحر وتنعم الجسوم واسترسال الشعور ونقاء الثغور وطيب النشر وخفة الحركات ونبل الكلام وحسن المحاورة إلا أن الطول يندر فيهن، وقد بلغن من التفنن في الزينة لهذا العهد ـ كما يقول ابن الخطيب ـ والمظاهرة بين المصبغات والتنفيس بالذهبيات والديباجات والتماجن في أشكال الحلي إلى غاية نسأل الله أن يغض عنهن فيها عين الدهر ويكفكف الخطب.
هكذا كانت غرناطة عروض الأندلس وحاضرة ملكها بما فيها من قصور ومبان وجنات وأنها يقول ياقوت الحموري في (معجم البلدان) وهي أقدم من كورة إلبيرة من أعمال الأندلس وأغطها وأحسنها وأحصنها يشفها النهر المعروف بنهر قلزم في القديم ويعرف الآن بنهر حدارة يلقط منه سحالة الذهب الخلاص وعليه ارجاء كثيرة في داخل المدينة، وقد اقتطع منه ساقية كبيرة تخترق نصف المدينة فتعم حماماتها وسقاياتها وكثيراً من دور الكبراء، ولها نهر آخر يقال له سنجل واقتطع لها منه ساقية تخترق النصف الآخر فتعمه مع كثير من الأرباض.
وعلى الرغم مما تعرضت له غرناطة من فتن وثورات ومكائد فإنها لم تنس حظها من عمارة القصور والمساجد والمدارس والأسواق والدور الفخمة وأصدق مثال على ذلك قصر الحمراء الذي ساهم في بنائه ثلاثة من ملوك بني الأحمر والذي يوصف بإيجاز بأنه يتكون من ثلاثة أقسام: فالمشور مكان عمل الموظفين والديوان للسلطان ومن يستقبلهم ويحتوي على ساحة البركة وقاعة البركة وقاعة العرش أو السفراء، والسكن وهو يحتوي على صحن السباع وهو صحن تتوسطه نافورة من الرخام بحوض كبير وآخر أصغر منه يحمله اثنا عشر عموداً صغيراً ترتكز على ظهور اثنى عشر أسد نحتت من الحجارة. وفي أجناب هذا الصحن جوستان (قبتان) في غاية الروعة والبهاء وحوله قاعات بني سراج والعدل والاختين.

يقول الدكتور عبدالعزيز سالم: ( لقد بلغ فنانو غرناطة الذروة في تطوير فن العمارة الإسلامية في الأندلس والغاية في السمو به إلى أعلى درجة من التأنق الذي يصل بالناظر إلى أقصى درجات الانتشار وتخدير المشاعر)... وفي وصف موجز يقول أيضا:( وتمثل مجموعة قصور الحمراء ـ وهي قصور غرناطة ـ بقاعاتها المتعددة الميل إلىالاستكثار من البرك الصناعية التي تطل عليها برطلات وسقائف قائمة على عقود ممتدة توشحت بشبكات جصية من المعينات المفرغة وانتظمت على حفافي البرك أدوام الريحان واكتست أرض القاعات بالمرمر الصافي البياض.
هذه القصور الفخمة شهدت ملوكاً عظاماً تتابعوا على غرناطة منهم على سبيل المثال الحكم بن هشام بن عبدالرحمن الأموي الذي من مناقبة منقبة تشبه إلى حد بعيد منقبة المعتصم العباسي.
فلقد أنهى إلى الحكم عباس بن صاح وقد عاد من الثغر أن أمرأة من ناحية وادي الحجارة وهي مدينة لا تزال قائمة إلى اليوم سمعها تقول: وا غوثاه ما حكم صنيعتنا وأسلمتنا واشتغلت عنا حتى استأسر العدو علينا ورفع إليه شعر في هذا المعنى والغرض فخرج كاتماً وجهته وأوغل في بلاد الشرك ففتح الحصون وهدم المنازل وقتل وسبى وقفل بالغنائم على الناحية التي فيها تلك المرأة فأمر لهم بمال يفدون به أسراهم ويصلحون به أحوالهم وأعطى المرأة مما أعطاها جملة من الأسرى وقال: هل أغاثك الحكم. قالت: إي وأعلم اغاثنا وما غفل عنا أعانه الله وأعزه ونصره.
وقد افاض لسان الدين ابن الخطيب الوزير في ذكر علماء غرناطة ومشاهيرها وأئمتها وقعناتها حتى لكأنك تحسب أن سجل علماء المسلمين افتتح فيها وطوي لكثرة من أحصاهم في كتباه الإحاطة بأخبار غرناطة منهم على سبيل المثال إبراهيم بن خلف القرشي العامري المشهور بالقراءات والفرائض ومنهم أحمد بن محمد بن عيسى الأموي الرجل الصالح العارف المجاهد ومنهم إبراهيم بن ابي بكر الأنصاري الفقيه الفرضي مادح النبي صلىالله عليه وسلم. ولكن أشهرهم ابن الخطيب نفسه الذي يعتبر أحد الفقهاء البلغاء الوزراء الذين سيروا الدولة حيناً من الزمن كما يشاؤون.
الشيخ/ عبد الله نجيب سالم