غزنة
ماكاد يمضي العقد الثالث من القرن الهجري الأول حتى كان الفتح الإسلامي قد بلغ أقصاه في الشرق فقد فتحت أمامه أبواب كابل وسجستان وهراة وبلخ بل ووصل الفتح إلى حدود سيبيريا وأطراف الصين وما وراء ذلك.
إلا أن تلك المدن التي دخل أهلها في دين الله أفواجاً لم تكن تبرز الواحدة منها وتشتهر وتصبح قبلة العلم والعلماء والأدباء والشعراء إلا إذا قامت فيها لظرف من الظروف في فترة من الفترات دولة مرهوبة الجانب واسعة الأطراف طويلة العمر... ولعل أبرز مثال على ذلك (غزنة) هذه البلدة التي تقع في حدود أفغانستان حالياً والتي غلبت باسمها على اسم ملوكها من الأتراك الفوريين الذين أقاموا فيها مابين منتصف القرن الرابع ومنتصف القرن السادس البحريين دولة من أعظم دول الإسلام في ذلك الزمان ومع ذلك فكان يقال لهم الغزنويون ولدولتهم الدولة العزنوية.
يقول ياقوت الحموي في غزنة: مدينة عظيمة وولاية واسعة في طرف خراسان وهي الحد بين خراسان والهند في طريق فيه خيرات واسعة، إلا أن البرد فيها شديد جداً.
ولكن الأستاذ أحمد أمين يعطينا صورة أوضح وأوسع فهو في كتابه ظهور الإسلام عند الحديث عن دولة العزنويين يقول: ثم من أهم مدن هذه الدولة غزنة، وكانت عاصمته ملكها قد ملأها محمود بن سبكتكين بأجمل ماوصلت إليه يده عند فتحه للهند وقد دفن بها السلطان محمود هذا، ولايزال قبره عليه قبة عظيمة وأبواب المدفن من خشب الصندل، قيل: إنه أتى بها من أحد هياكل الهند.
وقد وصف العتبي بعض ماعمله السلطان محمود في غزنه فذكر مثلاً أنه بنى فيها مسجداً وقال: لما عاد السلطان يمين الدولة إلى دار الملك بغزنة أحب أن ينفق ما أفاء الله عليه في عمل برٍ يشيع جدواه، وكان قد أوعز باختطاط صعيد من مساحة غزنة للمسجد الجامع إذ كان مااختط قديماً على قدر أهلها فوافق عوده حصول المراد من تقطيعه وتوسيعه وإقامة الجدران على ترابيعه فصب بدر المال على الصناع كما صب دماء الأبطال يوم القراع.. ونُقل البر من أقطار الهند والسند جزوعُُ توافقت قدوداُ ورصانة تناسبت تدويراً وثخانة، وقد فرشت ساحتها بالمرمر منقولاً من كل فج عميق ومضرب سحيق أشد ملامسة من راحة الفتاه وصفحة المرآه... فأما الأصباغ فروضة الربيع ضاحكة الثغور تستوقف الأبصار وتقيد الأنظار، وأما التذهيب فهو صبات الذهب الأحمر أفرغت عن صور الأصنام المجذوذة والبردة المأخوذة، فطفقت توفر على النار بعد أن كانت آلهة للكفار.... وقد أفرد السلطان لخاصته بيتاً في المسجد مشرفاً عليه، فرشه وازاره من الرخام قد أحيط بكل رخامة مربعة محراب من الذهب الأحمر مكللاً بالزورد في تعاريج من ألوان المنثور والورد وأمام هذا البيت مقصورة بتعاريخ عليها منصوبة تسع ثلاثة آلاف غلام متى شهدوا للفرض أخذوا أماكنهم صفوفاً وأقبلوا على انتظار الأذان عكوفاً.
وأضيف إلى المسجد هذا مدرسة فيحاء تشمل بيوتها من مناط الأرض إلى مناط السقوف على تصانيف الأئمة الماضين من علوم الأولين والآخرين منقولة من خزانة الملوك نقّروا عن ديار العراق ورباع الآفاق حتى أقنوها بخطوط كفرائد سموط مصححة بشهادات التقييد وعلامات التخفيف والتشديد ينتابها فقهاء دار الملك وعلماؤها للتدريس والنظر في علوم الدين على كفاية ذوي الحاجات منهم مايهمهم ، جراية وافرة ومعيشة حاضرة.
ولم تكن هذه المدرسة إلا قمة المدارس الكثيرة التي ملئت بها غزنة. فقد قيل إنه كان فيها ألف وخمسمائة مدرسة.
تلك هي غزنة في قمة تألقها وصفها أبو الفضل البيهقي وكان نائب رئيس ديوان الرسائل فيها أيام السلطان مسعود الغزنوي فقال في تاريخه. واليوم والحمد لله لا يوجد في أي بقعة من بقاع العالم بلد كبلدنا من حيث العمران وكثرة السكان والأمن والرخاء.
وقد اشتهرت غزنة بحدائقها وبساتينها التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها والتي حظيت بعناية الدولة أيما عناية. ولنا أن نعرف ذلك من قول البيهقي عن السلطان مسعود: ثم ذهب إلى الحديقة الكبرى حيث أتوا بالرجال وانشئوا الدواوين هنالك حسب ما أشاد به السلطان وأقيمت وثاقافات العلماء جميعها. وحولوا النهر الكبير الذي كان يجري في الحديقة إلى نافورة مائية. وأدار طرفه نحو هذه الحديقة التي كانت تشبه الجنة لكثرة ما فيها من الياسمين المنور والرياض والورود والنرجس والسر والباسق... بل في تلك الحدائق الغناء الواسعة كانت تقام الاحتفالات والألعاب وتنصب فيها ما نعرفه اليوم بالمدرجات لاستيعاب أكبر عدد ممكن. قال البيهقي: وقد أمر السلطان بإقامة مصطبته على الجانب الآخر من البستان تطل على القلعة الخضراء فكانت مصطبة كثيرة الارتفاع واسعة تشرف على الحديقة من جهة أخرى وأمامها الحوض الكبير والساحة.
أما قصر السلطان العزنوي مسعود فإنه كان من الفخامة والاتساع بمالامزيد عليه، وكان يسمى الجوسق ولم ير أحد مثل هذا الجوسق ولم يشيد مثله، وتم تشييده بمعرفة السلطان الذي رسم تخطيطه وأتم هندسته وقد استغرق بناؤه أربع سنوات، وقد بلغت نفقات بنائه سبقة آلاف ألف درهم هذا عدا مالم يحسب من نفقات أجور عمال السخرة الذين لايقل ماعملوه عن هذا المبلغ، وقد كان محاطاً بالبساتين مملوءاً بكل أنواع أسباب الراحة حتى التبريد في أيام الصيف كان يتم كما قال مؤرخه في غزنه البيهقي في غرف السلطان وأبنائه: وكانت الغرف مجهزة بأنابيب تجرى فيها المياه متصاعدة من الحوض إلى أعلى السطح فتدور في الصنابير وتبلل ستائر الخيش.

ومن الأمور التي تلفت النظر في غزنة ذلك العدد الكبير من الفيلة التي كانت بحوزة سلطانها والتي بلغت ألفاً وستمائة وسبعين بين ذكر وأنثى وكانت سمينة نشيطة وكانت تستخدم استخدامات شتى للعيد والزينة والحفلات عدا عن استخدامها في الحروب كنوع من السلاح ثقيل ومن ذلك مانقل عن طلب القائد أبو سهل من السلطان بقوله في احدى المهمات: يلزمني خمسة أفيال ذكور ممتازة وخمس أناث من التى تدك الأسوار وتحطم الأبواب، فلعنا نلجأ إليها في حصار المدن فاستجاب السلطان له.
نعم لقد شهدت عزنة ملكاً عظيماً أيام السلطان محمود بن سبكتكين وأولاده ليس أدل على ذلك من وصف موكب السلطان وسريره وحضرته.
كان سريره من الذهب الابريز مطعماً بكثير من الجواهر الغالية ومحاطاً بسياج مكلل بأنواع الجواهر وفي سقف الصفة سلسلة ذهبية تصل إلى فوق صفة التاج والسرير وقد شد إليها التاج وكان السلطان يجلس تحته وقد وضعوا بهذه القاعدة ثلاثمائة كرسي مذهب وقد علق عليها مشمومات الكافور ونافة المسك والعود والعنبرـ والوصف لهذا السرير وقاعة العرش يطول بما لايتسع له المقام ـ لكن حضرة السلطان عندما استقبل رسول خليفة بغداد كان أربعة آلاف غلام من حرسه الخاص مصفوفين قسمين ومعها السلاح الكامل بزينته كما وقف ثلاثمائة من خاصة الغلمان عند ممرات البهو بقبعاتهم المزركشة ومناطقهم الذهبية واحزمتهم المرصعة بالجوهر أما الباب الأوسط فقد كان يحيط به حوالي ستون جنديا حيث كان أصحاب الرتب وأكابر رجال القصر والولاة والحجاب كما وقف عدد كبير من الفيلة ومعهم الحرص الداخلي والرايات والأبواق والطبول.
هذه الدولة العظيمة الغنية كانت تتمتع بخير عظيم وأتم إدارة ابتداء من شئون الناس الخاصة إلى شئون الدولة العامة إلى الجهاز السلطاني الذي يشبه إلى حد كبير جهاز الخليفة في بغداد أو استنانبول أوالقاهرة أيام عزها.
ولا يستطيع أحد أن ينقل الحديث عن قلعة غزنة التي بلغت الغاية في الحصانة والفخامة حتى إن ما أودع فيها في سنة من السنين من الغلال بلغ أكثر من عشرين ألف قفيز من الطعام، وكان منصب الأشراف على القلعة من أرفع المناصب العسكرية وأهمها.
ولأن غزنة تقع على مسيل نهر غزنة فقد كانت الحاجة ماسة لانشاء قنطرة قوية متينة على ذلك المسيل خاصة بعد أن حدث سيل داهم عام 420هـ فأضر بغزنة إضراراً فادحاً فما كان من التاجر (عبويه) إلا أن شيد القنطرة الجميلة ذات الطابق الواحد على ذلك المسيل.
ومما يذكر عن غزنة رحلات الصيد التي كان يقوم بها السلطان مسعود لا لصيد الحمام والطيور بل لصيد الأسود والحيوانات الضارية التي كان يستمتع بمصارعتها وهو يأمر رجاله بعدم التدخل حتى إنه صرع في إحدى رحلاته في يوم واحد ثمانية أسود مما أثار قريحة شاعره ليقول له:
من كان يصرع في ركض ثمانية من الضراغم هانت عنده البشر
ولم تطل أيام السعادة في غزنة كثيراً بل إن السلطان مسعود في أواخر حياته وقد دب فيه الضعف وتمكنت من دولة غزنة الآفات استولى الرعب عليه من السلاحقة المجاورين له في خوارزم وأصبح حريصاً كل الحرص على خزائن غزنة فهو يريد أن يهرب بها إلى الهند وحاولت عمته وأمه أن يثنياه عن ذلك ولكنه ردهما رداً عنيفاً فلم يستطع أحد أن يعارضه بعد ذلك سوى غلمانه وخدمه الذين لعب لهم الطمع بالخزائن وما تحويه وهم في صحراء منطقعة فانقضوا على الخزائن ثم قبضوا على السلطان وزجوا به في قلعة (ماريكلة).
إلا أن تلك المدينة العظيمة لم تسلم من السقوط في أيدى مخربي المدن ومهدمي الحضارات ومدمري المعالم الحضارية (المغول) الذين أذاقوها الويلات واعملوا فيها معاول الهدم بعد هزيمة علاء الدين خوارزم شاه أمامهم.
ولقد عاشت غزنة حلمها الجميل فكانت موئل العلماء يقول ياقوت الحموي: وقد نسب إلى هذه المدينة من لايعد ولا يحصى مثل أبي صادق الشيباني الذي كان له رباط يقيم فيه وكان على جانب من العلم والفضل وهو إمام عصره في كل العلوم بحيث يجيب على مايزيد عن مئة فتوى كل يوم، وأسرته من الأسر العلمية الكبيرة، ومازالت آهلة بأهل الدين ولزم طريق أهل الشريعة والسلف الصالح.
ولنذكر من أولئك العلماء الأفاضل أيضاً الفردوسي الذي ألف كتابه المشهور ( شاه نان) بتشجيع من السلطان محمد الغزنوي الذي عرف بحبه للعلم وأنصرافه إليه ومنح الهبات والعطايا الكثيرة للتشجيع في ذلك حتى غدت الدولة الغزنوية واضعة أسس الثقافة الفارسية والأدب الفارسي الإسلامي.
الشيخ/ عبد الله نجيب سالم