مَيّافارقين
هذه مدينة لم تكن مشهورة جداً ولكنها لم تكن مغمورة أيضاً وإنما هي بلدة ذات تاريخ عريق وحديث طويل، وهي في شأنها هذا العشرات بل مئات المدن التي زرعتها الحضارة الإسلامية في الشرق والغرب.
ويكفي أن نلفت النظر إلى منزلة مدينة (ميّافارقين) بسرد قصة لطيفة نقلها ابن الأزرق وهو من أهل هذه المدينة وكتب فيها في تاريخه تاريخ الفارقي فقال: وانعمرت ميّافارقين أيام نصر الدولة وقصدها الناس والتجار وجماعة من كل الأطراف واستغنى الناس في أيامه وكانت أحسن الأيام ودولته غير الدول، وقيل: وكان بها رجل سمسار يسمى ابن البهات وكان متقدماً من جملة العدول فوصل قافلة كان معها خام كثير واشترى جميعه منهم واتفق أن وقت الظهر وقفل قومُُ فطلبوا خاماً فباعهم من يومه الخام جميعاً وقبض ثمنه فربح فيه خمسمائة دينار أرمانوسية ولم يكن وفّى ثمنه لأصحابه فسمع الأمير نصر الدولة فاستحضره ومعه المال فسأله عن ذلك فقال: هو صحيح، وقدّم المال بين يديه وظن أنه يريده طمعاً، فقال الأمير: والله ماأحضرتك لآخذ، ولكني أردت أن أعلم صحة الحديث، وأن في بلدي من كسب في يوم واحد خمسمائة دينار فحلف ابن البهات لاتدخل إلى ماله وحلف الأمير أنه لايأخذ منها شيئاً فاتفق أنَّ في العرض قرية من ناحية قلعة (فتراثا) تباع فاشتراها ابن البهات ووقفها على حراس الحصون.
ولعل أزهي عهود ميافارقين كانت أيام المروانيين، وعلى وجه الخصوص أيام الأمير نصر الدولة أحمد بن مروان التي ابتدأت في عام 401 للهجرة واستمرت ثلاثا وخمسين عاماً بل قال بعضهم إنها مئة وستة وستون على سبيل حساب الليالي سنين أخرى كالأيام لما فيها من حياة رغدة لأن لياليها كانت أحسن من أيامها.. وليس أدل على ذلك من أن زوجة الخليفة العباسي القائم بالله لما ثار عليه وزيره أرسلان البساسيري واستطاع تشريده عن بغداد موطنه لم تجد تلك الزوجة ملجأ لها سوى أن تقصد ميافارقين بمن بقي معها من الخدم وهي تحمل ولد الخليفة الذخيرة الذي سمي فيما بعد عبد الله وهو صغير فخرج نصر الدولة إلى لقائهم فأنزلهم واحترمهم وأضافهم وأنفذهم إلى آمد وأنزلهم في القصر وتقدم بما يحتاجون إليه فحضر القاضي أبو علي بن البغل من آمد إلى ميافارقين فسأل الأمير أن تكون ضيافتهم مدة مقامهم من ماله فقال نصر الدولة مالي إلى هذا سبيل وكيف يسمع عنى أن مثل ابن الخليف أقام عندي ولم يكن في ضيافتي فقال القاضي: يامولانا يسمع عنك أن في جملة رعيتك ومستخدميك من أضاف ولد الخليفة وقام بما يحتاج إليه، فلما عاد الخليفة العباسي بعد ذلك إلى بغداد وقتل البساسيري رجعت السيدة ومعها ولدها الذخيرة وقد حًملت من ميافارقين وآمد من التحف والهدايا ماقدره مائتا ألف دينار وحصل بذلك لنصر الدولة من الصيت والذكر ماليس بقليل.
وإذا أردنا أن نقف على بداية فتح الإسلام لميافارقين ـ هذه البلدة التي تقع في أراضي تركيا حاليا ـ فإن ياقوتا الحموي في معجم البلدان بعد أن بين تقلب أحوالها مابين الروم والفرس قال ثم في سنة 18 هـ انفذ عمر رضي الله عنه عياض بن غنم بجيش كثيف إلى أرض الجزيرة فجعل يفتحها موضعاً موضعاً، وقيل: إن خالد بن الويد والأشتر النخعي سارا إلى ميافارقين في جيش كثيف فنازلاها فيقال إنها فتحت عنوة، وقيل صلحاً على خمسين ألف دينار على كل محتلم أربعة دنانير وقيل دينارين وقفيز حنطة ومد زيت ومدّ خلٍّ ومد عسل، وأن يضاف كل من اجتاز بها من المسلمين ثلاثة أيام وجعل للمسلمين بها محلة.
ويبدو أن فتحها لم يكن بالأمر السهل فقد كان لها سور عظيم حصنها به مؤسسها مروّثا بن ليوطا أيام نيودسيوسى وسابور ذو الأكتاف وأحكمها فيقال إنها إلى وقت ابن خلكان 620 لم تؤخذ عنوه قط وقد ذكر أن لسورها أبراجاً عدة فيها برج يقا له برج المرآة وسمي كذلك لأنه كانت عليه بين البرجين مرآة عظيمة يشرق نورها إذا طلعت الشمس على ماحولها من الجبال وكان أثرها باقياً إلى عهد ياقوت ومن جملة أبوابها باب الفرح والغم لصورتين هناك منقوشتين على الحجارة فصورة الفرح رجلًً يلعب بيديه، وصورة الغم رجل قائم على رأسه ضخرة جماد.. وقد اهتم أمراء بني مروان بسورها بعد ذلك وزاد فيه نظام الدين ورفعه في مواطن عديدة.
ولجمالها وصحة هوائها قيل إنه لايبيت أحد في ميافارقين مغموماً إلا النادر.
ولقد كانت ميافارقين تشرب من ثلاث قنوات تسوق الماء إليها من رأس العين على طرف الفرات، من هذه الثلاث قناه حفرها ابن شليطا ناظر الوقف من مال الوقف وقسّمت في البلد من الجانب الشرقي بعد أن كلفت كثيرا، وثانيةُُ حفرها شيخ مقدم من التجار يقال له ابن جري وكان ذا مال ويسار ودين وصلاح شرع في قناة الجامع وغرم عليهامقدار خمسين ألف دينار فلما وصل إلى بستان الفصيل نقب السور وأدخلها بين السورين مضى بها في وسط المدينة وزقاق القتيل وعبر بها أمام باب داره فوق القبة ولم يأخذ منها إلى داره قطرة واحدة وتم بها إلى سوق القبة ثم إلى الجامع وعمل التسع أنابيب ودخل بالماء إلى المطهرتين والحمامات وغيرها وحصل بذلك أتم مصلحة... وقد قيل له في أن يأخذ لداره منها فقال:لا والله حتى يقول الناس إنما جاء بها لأجل داره ومصلحته.. رحمه الله.
وكان من حسن حظ ميافارقين أن أميرها المرواني نصر الدولة استعان بالوزير أبي القاسم الحسن بن علي المغربي وكان عاقلاً حازماً فجمل له البد أتم تجميل وجعل لها الشأن العظيم ورتبها وقررها على قرار مصر والعراق من حيث الإدارة والضبط وأحسن إلى الناس جميعاً.
ومن الدلائل الملموسة على رفعة هذه المدينة ماتردد من أسماء قضاتها والمشتغلين بالعلوم فيها وكان منهم يحيى بن طاهر بن نباته وكان خطيب ميافارقين هو وآباؤه من قبل وهو أول من ولي القضاء من بني نباته وكان منهم القاضي أبو بكر بن صدقة وأبو منصور بن شاذان الطوسي وأبو المرجي وسعادة بن أبي بكر وأبو علي الحسن بن علي الآمدي وأبو عبد الله الحسن بن سلمه المالكي الذي ضمّ إليه نصر الدولة المرواني قضاء آمد مع قضاء ميافارقين فكان يحكم هنا شهراً وهناك شهراً يخرج في الليلة الرابعة عشر من الشهر عند كمال القمر ومعه حاشيته تحمل الشموع والطعام والطيب وغيره فيصل إلى القاسمية في وسط الطريق فيلاقيه عدول البلد الآخر ورجالها فيبيتون معه ثم يعود الذين حضروا إلى بلدهم ويرافقه الذين قدموا إلى بلدهم الذي يقصده وهكذا بقي حتى مات رحمه الله.. كما كان من علماء ميا فارقين غير هؤلاء ـ أمثال ابن مساعد وابن زيد وشريف بن أبي السخا وابن بركة ناظر الديوان والشيخ ابن نصر المنازي كاتب الانشاء والرسائل الذي جمع من رحلاته إلى القسطنطينية وغيرها من المدن كتباً كثيرة قيمة قسمها بين آمد وميافارقين وأوقفها في الخزانة في جامع ميافارقين وخزانة بجامع آمد وهما تعرفان بكتب المنازي في الموضعين.
وقد عمل نصر الدولة البنكام بجامع ميافارقين وغرم عليه من ماله والبنكان يطلق عموماً على القدح والطاس بلغة فارس. وذلك أن أصحاب الكروم والزروع يجتمعون في رأس القسم فيلقون الطاس في الماء فيأخذ في الامتلاء من نقب صغير في قعره فإذا امتلأ بالماء غاص فيه فتلك حصة تعطى لكل واحد بحسب أرضه فمنهم من له ملء طاس أو طاسين أو أكثر بحسب أرضه وبذلك يرتفع الخلاف من بينهم.
ومما يستدل به على كثرة الأموال في هذه المدينة ماحكاه الفارقي في تاريخه عن أبيه عن جده الذي عمل للوزير فخر الدولة محمد بن جهير بعد أن تسلم حكم ميافارقين. قال: استدعاني فلما دخلت عليه قال: ياعلي النوبة حملك خفيف. ثم سلم إلي مائدة بللور دروها خمسة أشبار وقوائمها منها وخمس قطع زبادي بللور وزوج صحون بللور، وثلاث حليات وخمس أقداح وشربة وشرابي وكلاجو، الجميع بللور منقوش محفور فيه صناعة لم ير أحسن منها، وأخرج إلي حِقة ذهب ففتح غطاءها ورفع منها قطناً فخرج من الحق مثل شعاع الشمس ماأضاء له الموضع وأخرج السبحة التي كانت لنصر الدولة المرواني وكانت مئة وأربعين قطعة لؤلؤ، القطعة منها وزنها مثقال وفي أوسطها الحبل الياقوت الأحمر الذي حمله الملك العزيز بن بويه لنصر الدولة وفيها عشر قطع ياقوت ملون وعشر قطع من جوهر بلخش لم ير مثلها وعشر قصبات زمرد، القصبة مثل الأصبع.
بل إن خواجا نظام الملك ضمن له عميد الدولة الوزير ضرائب بلدة ميافارقين بألف ألف دينار ثلاث سنين على الرغم من أن السلطان أسقط عن أهلها ماكان يسمى مؤنة الغريب والبلدي أي ضريبة مايدخل من البساتين التي حول المدينة والكروم وما يدخل من الضياع من جميع الفاكهة والخضر والبقول ، وكان على ذلك جميعه مؤنة ـ وكذلك الفحم والحطب لما كان لهم من منزلة عنده.
ومما أحدثه نصر الدولة من اصلاحات ومرافق في ميافارقين أنه بني المصنع( وهو خزان الماء الكبير) في بستان الرئيس علي بن منصور ببن كك عند برج على بن وهب وحفره إلى أن ظهر فيه الماء وأحسن عماره على الرغم مما كلفه من أموال طائلة ولم ير أحسن من بنية ولا أحكم منها وأحسن نصر الدولة إلى أهل ميافارقين وكانت أيامه كالأعياد .
قيل وكان يركب نصر الدولة من غدوه إلى الصيد في أطراف البلد ويعود ضحوة ويجلس ساعة ثم يدخل إليه وزيره كي يستأذنه فيما يحتاج إلى إذنه ثم إنه يجلس على الطعام بعد ذلك ويستريح إلى قبل العصر ثم يتناول بعد المغرب طعامه ويسهر مع أهله وخاصته وجواريه... وكان رسمه أن يجلس يوماً للجند يدبر أمور جيشه ومملكته ويوماً يأكل ويشرب مع جنده إلى الليل ثم يخلو بنفسه يفكر ويتعبد، ويوما لبني عمه وأولاده وأقاربه وخاصته إلى الليل ثم يأوي إلى فراشه حتى يحين الصبح فيدخل الحمام ويخرح ويصلي الصبح في وقتها حتى قيل: إنه مدة ولايته لم تفته صلاة الصبح في وقتها ابداً .
وكان لميافارقين بيمارستان( مستشفى) يتداوى فيه المرضى الفقراء وغيرهم بل ويلقى فيه عناية من لم يكن له من يقوم به عند كبره وينفق على البيمارستان من قبل ناظر الوقف وتبرعات الأغنياء.
الشيخ/ عبد الله نجيب سالم