الموصل
لم تكد سنةُ عشرين للهجرة النبوية تمر حتى كانت الجيوش الإسلامية التي تسبح في الأرض قد وصلت دجلة يقودها عتبة بن فرقد السلمي الذي بعد أن أخذ حصن نينوى عنوة عبر دجلة إلى الجانب الغربي منه حيث مدينة الموصل فصالحه أهلها على الجزية والإذن لمن أراد الجلاء في الجلاء عنها ووجد في الموصل إذ ذاك ديارات مأهولة بالسكان... ولم تطل ولاية عتبة على الموصل فقد عزله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وولاها هرثمة بن عرفجة البارقي وكان بها الحسن وبيع النصارى ومنازل لهم قليلة عند تلك البيع ومحله لليهود فمصرها هرثمة فأنزل العرب منازلهم واختط لهم ثم بنى المسجد الجامع.
قال ياقوت الحموي عن الموصل: احدى قواعد بلاد الإسلام قليلة النظير كبراً وعظماً وكثرة خلق وسعة رقعة. فهي محط رحال الركبان ومنها يقصد إلى جميع البلدان فهي باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يقصد إلى أذربيجان، وكثيرا ماسميت أن بلاد الدنيا العظام ثلاثة: نيسابور لأنها باب الشرق ودمشق لأنها باب الغرب والموصل لأن القاصد إلى الجهتين قلّمالايمر بها. قيل وسميت الموصل لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق وقيل بين دجلة والفرات، وكان أول من عظمها وألحقها بالأمصار العظام وجعل لها ديواناً برأسه ونصب عليها جسراً ونصب طرقاتها( ألا فرشها بالحجر) وبنى عليها سوراً مروان بن محمد بن الحكم آخر ملوك بني أمية بواسطة ابن تليد صاحب شرطته، وكان للموصل نتيجة الاهتمام بها ولاية ورساتيق وخراج مبلغه أربعة آلاف ألف درهم.

هكذا إذن كانت بداية تمصير الموصل وبداية ادخالها في سلك المدن الإسلامية الهامة حتى إذا أطل القرن الثالث الهجري رأينا الموصل تبرز كمركز متميز من مراكز الحركة الفكرية بحيث ألف أبو زكريا الأزدي المتوفى سنة 334 هـ تأريخاً لعلمائها، وفي مطلع القرن الرابع الهجري أنشأ أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي سنة 323 (دار العلم) في الموصل جعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفاً على كل طالب لعلم لايمنع أحد من دخولها إذا جاءها غريب يطلب الأدب وإن كان معسراً أعطاه ورقاً ووَرِقات ( أي مالاً) تفتح كل يوم، كما يقول الدكتور بشار عواد
ولقد نشطت المدارس الكبيرة المستقلة عن المساجد في الموصل نشاطاً كبيراً ونمت نمواً مضطردا وخاصة بعد أن أسس نظام الملك مدرسته النظامية بها فعمرت بعد ذلك المدرسة الأتابكية العتيقة والمدرسة المهاجرية التي درس فيها العلامة موفق الدين عبد اللطيف البغدادي المؤرخ الأديب الطبيب، والمدرسة الزينية الكمالية التي درس فيها العالم الكبير كمال الدين بن يونس العقيلي والمدرسة المجاهدية والمدرسة النورية والمدرسة العلائية والمدرسة البدرية وغيرها، كما أنشئت فيها دور الحديث منها دار الحديث المهاجرية ودار الحديث المظفرية... ولقد ذكر ابن جبير في رحلته لما زار الموصل: أن في المدينة مدارس للعلم نحو الست أو أكثر على دجلة فتلوح كأنها القصور المشرقة.
ولقد نتج عن هذه المدارس وذلك النشاط العلمي أن كان في الموصل علماء بارزون على مستوى العالم الإسلامي مثل أبناء الأثير الثلاثة: عزالدين المؤرخ الشهير بكتبه في التاريخ، ومن أهمها (الكامل في التاريخ) وأخوه مجد الدين الشهير في مؤلفاته في الحديث والتفسير والكتابة والرسائل وأخوه ضياء الدين المشهور بمؤلفاته الأدبية وفي مقدمتها المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر.. ومن مشاهير علماء الموصل عبدالعزيز ابن حيان الأزدي الموصلي قال عنه يزيد بن محمد كان فيه فضل وصلاح.
على أن شهرة الموصل لم تكن في الحركة الفكرية العلمية فقط بل كان لها صيت في طيب هوائها وملاءمته للأبدان، يقول ياقوت الحموي: وكثيراً ماسمعت العلماء يذكرون في كتبهم أن الغريب إذا اقام في بلد الموصل سنة تبين في بدنه فضل قوة.. وما نعلم لذلك سبباً إلا صحة هواء الموصل وعذوبه مائها.
ويتابع ياقوت القول: وأما أبنيتهم فهي حسنة جيدة، وثيقة بهية المنظر لأنها تبنى بالنورة والرخام ودورهم كلها آزاج وسراديب مبنية، وقلما عدم شيء من الخيرات في بلد من البلدان إلا ووجد فيها.
ومما يجدر التنبيه إليه أن الموصل وإن شهدت ازدهار العمران ونشاط العلم فيها إلا أنها لم تتمتع بمركز المدينة الأولى العاصمة إلا في عهد الدولة الأتابكية التي ظهرت أواخر القرن الخامس الهجري واستمرت طيلة القرن السادس ، ففي تلك الفترة شهدت الموصل ازدهاراً وتألقاً ساعدها عليه ضمور الخلافة في بغداد وظهور النزاع والشقاق في أطراف الدولة العباسية الكبيرة الهزيلة في تلك الأيام،، مما مهد الطريق للموصل مقر الدولة الأتابكية لتصبح مدار الأحداث السياسية الهامة آنذاك.
وقد ترك الآتابكة في الموصل آثاراً كثيرة مهمة أبرز الباقي منها إلى اليوم تلك المنارة الرشيقة القوام والمائلة قليلاً بانتظام كأنها برج بيزا في إيطاليا وهي بقية جامع السلطان نور الدين محمود زنكي الذي قال عنه ابن الأثير في كتابه الباهر في التاريخ فجامعه في الموصل إليه النهاية في الحسن والاتقان، ومن أحسن ماعمل فيه أنه فوض عمارته إلى الشيخ عمر الملا رحمه الله وهو رجل من الصالحين، فقيل له: إن هذا الرجل لايصلح لمثل هذا العمل فقال: إذا وليت العمل بعض أصحابي من الأجناد والكتاب أعلم أنه يظلم في بعض الأحيان ولا يفي الجامع بظلم رجل مسلم ( أي لايحتمل ولا يقبل عمله) وإذا وليت هذا الشيخ غلب على ظني أنه لايظلم.. ووصف ياقوت الحموي جامعه بقوله جامه نور الدين محمود في وسط السوق وهو طريق للذاهب والجائي مليح كبير.
ولما كان نور الدين رحمه الله قد اتسعت مملكته وكثر غيابه عن الموصل حتى استقر أخيراً في دمشق لمصلحة جهاد الصليبيين فإنه توصل إلى طريقة تضمن له الاطلاع على سير أمور دولته في الموصل وغيرها بسرعة لم تكن مألوفة آنذاك، فقد أكثر من استعمال الطيور الهواوي المسماة ( بحمام الزاجل) فإذا رأى الناس العدو أرسلوا الطيور فجائته بالأخبار فدبر الأمور وكأنه حاضر بينهم حتى سد على العدو المنافذ.
ومن آثار الأتابكة في الموصل جامع مجاهد الدين قايحاز الذي بناه بظاهر الموصل بباب الجسر وكان من أحسن الجوامع ثم بنى ذلك الرباط والمدرسة والبيارستان (المستشفى) وكلها متجاورة.

كما بنى عز الدين مسعود المدرسة الغربية بباب دار المملكة وهي مدرسة حسنة جعلها للفريقين الحنفية والشافعية وقرر للفقهاء ماليس بمدرسة أخرى من الفواكه والحلواء والدعوات في المواسم والأعياد والشيرج للوقود والفحم وغير ذلك وقرر في وقفها من الصدقات كل أسبوع وفي الأيام الشريفة والليالي المباركة شيئاً كثيراً وهو الذي فتح الباب الغربي في سور الموصل ولم يكن هناك باب فجاء فعله هذا حسنا وانتفع به أهل ذلك الصقع، كما أنه رحمه الله كان في الموصل كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كان بالموصل رجل من الفقراء الأخيار يطوف في الأسواق يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فاجتاز يوماً على الجسر فلقي رواباً تحمل الخمر لانسان من أقرباء السلطان عز الدين فألقاه هذا الفقير عن الدواب وأراقه فقام إليه من مع صاحب الخمر فضربه فلما بلغ ذلك عزالدين أحضر الفقير وأمره بازالة جميع مايراه من المنكرات وأطلق يده وأنكر على قريبه ولم يترك غلمانه إلا بعد جهد جهيد، وقد كثرت الزوايا للمتعبدين في أطراف الموصل أيام الأتابكة.
وكان من نتيجة اصلاحات الآتابكة في الموصل أن أحب الناس هؤلاء الأمراء محبة جمة يدل عليها أن المولى السعيد نور الدين مرض مرضاً شديداً غير مرضه الذي مات فيه ، يقول ابن الأثير ـ وعظم مرضه فكان الناس على طبقاتهم يحضرون كل يوم إلى باب داره محبة له فبطلت معايشهم فكان يتكلف في بعض الأوقات القعود لهم ويأمر بإدخالهم جميعهم إليه.

ولعل أشهد وأطهر أمراء الموصل من الأتابكة كان الأتابك الشهيد مؤسس دولتهم في الموصل فهو الذي حمى البلاد ومنع المفسدين وكف أيدى الأقوياء فقصده الناس واتخذوا بلاده داراً فلم تزل العمارة تكثر بالموصل وغيرها حتى لقد ذهب كثير من المقابر وبنيت دورا، وهو الذي أمر ببناء دار المحكمة بالموصل ولم يكن بها للسلطان دار غير الدار المعروفة بدار الملك مقابل الميدان فبنى هذه الدور جميعا ثم أمر بالزيادة في علو سور الموصل فزيد فيه مايقارب مثله وأمر أيضاً بتعميق خندقها، وكانت الموصل أقل بلاد الله فاكهة فكان الذي يبيع الفواكه يكون عنده مقراض يقص به العنب لقلته إذا أراد أن يزنه، فلما عمرت البلاد عملت البساتين بظاهرها وفي ولايتها فهي اليوم أكثر البلاد فاكهة، فالرمان يبقى إلى أن يدرك العتيق والجديد وكذلك الكمثرى وقريب منه العنب، وأما التفاح فيجمع العتيق والجديد..
وإذا بحثنا في تاريخ الموصل نجد أنها ثارت على المغول العزاة في عام 659 واستطاعت بقيادة الملك الصالح بن اسماعيل أن تقاوم الجيش المغولي مدة تزيد على السنة عجز فيها الغزاة عن اختراقها ولما نفذت المؤن واضطر أميرها إلى الاستسلام دخلها الجيش المغولي فقتل غالب أهلها وأخذ غالب أهلها وأخذ منهم أسرى حتى خوت المدينة وما عاد من هرب منها إلى الجبال والمغارات إلا بعد رحيل المغول.
وذكر أن مساجد الموصل في عهد المماليك والأسر الحاكمة بلغ زهاء ثلثمائة مسجد وثمانية عشر جامعا.
الشيخ/ عبد الله نجيب سالم