المكتبة المرئية |
المكتبة المسموعة |
المَجْــدُ المُنِيف
للقـدس الشريـف
تاريخ مدينة القدس وأهم معالمها التاريخية والحضارية
تأليف عبد الله نجيب سالم
وزارة الأوقاف ـ إدارة البحوث والموسوعات الإسلامية
1422هـ / 2002 م
بسم الله الرحمن الرحيم
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
(الإسراء:1)
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبيء اليهودي من وراء
الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد اللّه هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله - إلا
الغرقد فإنه من شجر اليهود"
(رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً) .
المجـد المنيف للقدس الشريف
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُوجد الخلق من العَدَم، قدّر الأشياء بحكمته، وأبداها إلى الوجود بقدرته، فهو الحكيم القادر، والمريد القاهر، والخالق المدبر، والعزيز المتجبر، تعالى عن خلقه وهو معهم أينما كانوا، وغاب عن أنظارهم وهو أعلم بما عملوا ودانوا، ليس كمثله شيء من الأشياء، إذ كل شيء غيره مخلوق ومصنوع وهباء، وهو السميع البصير إليه تُرْفع الأَكُفُّ بالدعاء.... سبحانه سبحانه كم له من لطف خفي بخلقه وهم عنه غافلون، وكم أمهل المذنبين منهم لعلهم إليه يتوبون، وكم أعلى شأن الطائعين ورَفَع، وذكّر الأسماع بفضائلهم وقرع. أحمده حمد من أظهر ذله بين يديه، وتبرأ من حَوْله وطَوْله التجاءً إليه، وأشكره شكر من نطقت جوارحه بالثناء عليه، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
والصلاة والسلام التامان الكاملان على سيد الخلق أجمعين، وخاتم الأنبياء والمرسلين: محمد بن عبدالله. أشهد أنه عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فأدى الأمانة وبلّغ الرسالة، وكشف الغُمّة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى لقي ربه راضياً مرضياً. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد طب القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وعلى آله وصحبه في كل لمحة ونفس عدد ما هو معلوم لك.
أما بعد:
فإن مدينة القدس من أقدم وأقدس المدن الشرقية، بل هي من عرائسها المَجْلِيّة ودررها الياقوتية، خطب ودها على مدى حقب التاريخ القديم كافة الملوك العظام، والسلاطين الكبار، والقواد الطامحون، وتفيأ ظلال جدرانها واستنشق عبير هوائها وتمتع ببهي منظر دوحها وبساتينها الأنبياءُ المخلصون، والعلماءُ المبدعون والصلحاءُ المتبتلون، وحاول هؤلاء وأولئك جميعاً التودد إليها واكتساب بركتها وترك آثار شاهدة فيها، وبناء معابد ومساجد ومصليات في جنباتها، حتى غدت مخزن الذكريات التاريخية لمختلف الحقب، وأصبحت الشاهد الناطق بمخلفات الملوك والدول والشعوب.
بل إن هذه المدينة العروس لم تسلم من غضبة الجبابرة الطغاة، ولا نقمة الجيوش الجرارة، ولا حقد العداة المتربصين. إذ لم تَحْنِ هامتها أمامهم، ولم تبذل شرفها في عتباتهم... فدمرت مرات ومرات، واستبيحت كرات بعد كرات، وذاقت الغصص ونفثت الزفرات.
إنها القدس، أو بيت المقدس، أو إيلياء، أو مدينة داود، أو يبوس، أو أورشليم.... مدينة لم تغب عن ذكريات عصر من العصور، أو حقبة من الحقب، منذ القديم الغابر إلى الحديث المعاصر... اقترن اسمها لدى البعض بآدم من حيث أقدمية بناء مسجدها المقدس، ثم تردد ذكرها مع نبأ إبراهيم ولوط وداود وسليمان وموسى وعيسى ويحيى وزكريا ومحمد عليهم جميعاً أفضل الصلوات والتسليم.
ذكر اسمها أو أشير إليها في الكتب السماوية الثلاث الرئيسية: التوراة والإنجيل والقرآن، وكانت محور الاهتمام ومدار الأحداث في عهود العرب الأقدمين واليهود الغابرين والفرس والروم المتصارعين، والمسلمين الفاتحين والصليبيين الحاقدين، والتتار الغازين والإنجليز المستعمرين ثم الإسرائيليين الدمويين....
مدينة كان لها مع إشراقة كل شمس سطر خالد في التاريخ: إما لنبي مرسل، أو مَلِك محنك، أو حواري داعٍ، أو صحابي جليل، أو عالم مفكر، أو متعبد منقطع، أو شاعر مرهف، أو فنان مبدع!!..
وهذا المجد التليد لمدينة القدس من بعض أسباب تحريك عزمي، وتوكيد القصد لدي، في الاهتمام والتتبع، ثم تجميع المادة العلمية التاريخية، التي تتعلق بهذه المدينة العظيمة الخالدة، ثم نظم عقدها، ونثر أزاهيرها، وترتيب حقائقها، وتجلية غوامضها، وبسط مزاياها، وضم ثناياها...
لكن المجد الغابر للقدس لم يكن السبب الوحيد والمحرك الفريد، بل لو لم يكن ذلك كله موجوداً لكان لي في الأحداث الحية والوقائع الحالية والظروف الواقعية والتخوفات المستقبلية على المدينة العظيمة (القدس) والإقليم المبارك (فلسطين) والمنطقة المجاورة (الدول العربيـة) والعالم المهتم (العالم الإسلامي) ـ وأنا جزء من ذلك كله ـ أكبرُ دافع ومحرك، ومهيج وسائق، وسبب ومبرر للكتابة التي تُلْفِتُ الأنظار إلى الأخطار، وتكشف الدقائق من الحقائق، وتميط اللثام عما استتر من نوايا العدو والآثام، فيما يتعلق بالقدس الشريف ومسجدها المبارك وشعبها المسلم...
إننا جميعاً ـ مسلمين وعرباً ـ مستهدفون، أفراداً وجماعات، وحكومات ومؤسسات، وأنظمة وشركات، للهجمة اليهودية الصهيونية المعاصرة، التي دعمتها وقوّى ساعدها وشد أزرها مكر صليبي مسيحي قديم وحديث، لم يكن في يوم من الأيام متخفياً ولا مستتراً، ولا مجاملاً ولا متعذراً... فالمسلمون اليوم لا يواجهون اليهود وما في نفوسهم من حقد قديم وثارات تاريخية ماضية فقط، بل إنهم بكل صراحة وعلانية كذلك في مواجهة النصارى الذين قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، فكان من نصارى عصرنا لليهود الغازين لبلادنا ـ في خضم هذا الصراع ـ الدعم المالي والتأييد السياسي والمدد العسكري، وكانت منهم البيانات والتصريحات المساندة، والتهديدات والإرعادات المتوعدة، والأعتدة والأسلحة المقاتلة، والتعهدات المتكررة المطمئنة إلى مصير واحد للطرفين: اليهود والنصارى، كيف لا، والنصارى المعاصرون لم ينسوا الحروب الصليبية التي حشدوا فيها كل طاقاتهم، ودمروا فيها كل ما نالته أيديهم، وخرجوا منها خائبين يلعقون جراحهم، ويجرون أذيال خيبتهم.
ألم يحق بعد ذلك أن نكتب باستفاضة عن القدس؟!
ويأتي الاهتمام بمدينة القدس تاريخاً نسرده بأمانة، وعقيدة نتحث عنها بإخلاص وتفاعل، وفضائل جمة تتعلق بالمكان والناس والأحداث، وأمانيّ وأحلاماً وتطلعات تداعب الخيال ويضطرم بها الفؤاد... في الوقت الذي تشهد فيه أرض الإسراء وما حولها (القدس وفلسطين) أحداثاً أسماها البعض (انتفاضة) وأسماها آخرون (ثورة) وما هي إلا جهاد أولي، وحرب واضحة، وصراع وجود بين عقيدتين متنافرتين لا يمكن أن تتعايشا معاً ما دامت الصهيوينة اليهودية تسعى لتزييف التاريخ وتغيير معالم الأرض وطمس الوجود البشري، وتحقيق الأحلام المريضة على حساب العرب المسلمين في فلسطين...
ولن تتخلى العقلية الصهيوينة عن ذلك، لأنه أساس بنيتها وقاعدة عمودها وأركان دعوتها، فكيف لها أن تؤمن بالسلام والأمن والتعايش السلمي والعدل والإنصاف وغير ذلك من مفردات وكلمات!!! وهي التي قامت على اغتصاب الأرض وطرد الشعب وانتهاك الحقوق؟
إن اليهود منذ أن دخلت جحافلهم القسم الشرقي من بيت المقدس في عام 1967 لم يتوقفوا لحظة واحدة عن العمل الدؤوب المتواصل لطمس المعالم التاريخية للمدينة، وتغيير جغرافيتها السكانية، وهدم وتعطيل كل بقعة شريفة وأثر خالد للمسلمين، وذلك ابتداء من المسجد الأقصى الذي يوجه إليه النصيب الأكبر من المكر والأذى، إلى مسجد قبة الصخرة الذي جرت عدة محاولات لتدنيسه، إلى الحرم القدسي بما فيه من حائط البراق الذي استولى اليهود على قسم كبير منه، إلى حي المغاربة الذي هدم بالكامل، إلى حفر الأنفاق تحت أساسات المقدسات الإسلامية، إلى طمس مقابر حَوَتْ جَدَثَ بعض الصحابة والتابعين، إلى تحويل المدارس الوقفية القديمة إلى مراكز للسلطة الإسرائيلية، إلى إجلاء سكان القدس والاستيلاء على بيوتهم، إلى العمل على تفريغ القدس من جميع المؤسسات الإسلامية الخيرية والتعليمية، إلى العمل الجاد على تزييف تاريخ المدينة وإظهاره بالمظهر اليهودي عبر آلاف السنين، إلى توسيع رقعة القدس الكبرى لتضم الأراضي التي سكانها من اليهود مما يجعل القدس مدينة ذات أغلبية يهودية وأقلية مسلمة لا صوت لها ولا حقوق بعد أن فقدت النصير والظهير.
نعم... في خضم هذا الواقع المرير والظرف الخطير يأتي حديثنا عن القدس الإسلامية عروس المدن ودرة عقدها وتاج هامتها... مدينة السلام والإسلام... مدينة الماضي والحاضر... مدينة التضحيات والذكريات... مدينة عمر وصلاح الدين وأشبالهما...
القدس للمسلمين، اليوم أو غداً، فالعاقبة للمتقين، وهذا وعد الله لعباده المؤمنين، ولن يخلف الله الميعاد، ولن تقف آلة اليهود العسكرية مهما عظمت دون ذلك.
والقدس للمسلمين لأنهم هم الذين بذلوا أرواحهم رخيصة حتى أخرجوا الروم ثم الصليبيين ثم التتار منها، ودفعوا عنها غائلة وشرور ومكائد تسع حملات أوروبية جرارة استترت وراء الصليب، وزعمت أنها تريد حماية المسيحيين، فعاثت في الأرض فساداً حتى أُخرجت منه قهراً، فأين كان اليهود كل هذه القرون الطويلة من الحروب المريرة والأحداث الجسيمة!!!
القدس للمسلمين، لأنها أرض وقفية لا يحق بيعها ولا التنازل عنها ولا التفريط في شبر منها، لا لليهود ولا لغيرهم، فليس ذلك لأحد أبداً ولا في مقدوره. فالله سبحانه جعل هذه الأرض المقدسة لأطهر وأقدس أمة... أمة محمد صلى الله عليه وسلم، التي جاءت البشارات بأنها الغالبة دائماً على مرور الأزمنة، وفي نهاية الزمن على وجه الخصوص، في هذه البلاد الطاهرة، مهما تكالب أعداء الله وتقادم الزمن وغلت التضحيات.
وما سنستعرضه في هذا الكتاب من تاريخ وأحداث وقعت في أرض الإسلام والإسراء، أو ارتبطت بها، إنما نحاول من خلاله تسليط الضوء على الحقيقة... وكشف ركام الزيف عنها، مع استثارة حمية المسلمين جميعاً ليهبوا دفاعاً عن الأقصى السليب، وفلسطين الطاهرة، والإسلام الجريح.
فعلى بركة الله نمضي... ومنه نستمد العون... وإليه نجأر بالدعاء...
اللهم يسر الصعب، وقرب البعيد، وحقق الآمال، وأَعِنّا على ما ندبنا أنفسنا إليه، وارزقنا القبول بعد حسن القصد... إنك سميع مجيب.
خصائص المسجد الأقصى ومزاياه
مقدمة:
لبيوت الله في الأرض مزية خاصة من حيث نسبتها إلى الله، وترداد الملائكة عليها، وإلف قلوب المؤمنين لها، واتخاذها مواطن للعبادة والانصراف عن الدنيا... لذلك كانت المساجد أفضل بقاع الأرض على الإطلاق.
إلا أن لبعض المساجد فضائل خاصة ومزايا كبيرة تفوق ما أعطيت بيوت الله الأخرى من منزلة ومكانة...
وأهم تلك المساجد المفضلة على غيرها ثلاثة: المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، والمسجد الأقصى في بيت المقدس.
وبالإمكان معرفة فضائل المسجد الحرام والمسجد النبوي بالرجوع إلى المصادر الخاصة، ومنها كتابنا (تاريخ المساجد الشهيرة في العالم).
مزايا المسجد الأقصى المبارك:
وسوف نسرد باختصار هنا فضائل المسجد الأقصى... وهي كما يلي:
1 ـ شد الرحال إليه:
إن زيارة المسجد الأقصى والسعي بقصد عبادة الله وإقامة شتى أنواع العبادات فيه، كالصلاة والدعاء والصوم والاعتكاف والذكر وقراءة القرآن سنة متفق عليها عند علماء المسلمين، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) وفي رواية (تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد...) وفي رواية: (إنما يُسَافرُ إلى ثلاثة مساجد: الكعبة ومسجدي هذا ومسجد إيلياء). وهذا ما يقصده العلماء بشد الرحال أو إعمال المَطِيّ.
وقد نقل عن السلف الصالح أنهم رحلوا لزيارة المسجد الأقصى، يدفعهم إلى ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الطبراني، فعن ميمونة بنت سعد رضي الله عنها قالت:" يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال: أرض المحشر وأرض المنشر، ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة. قلنا: يا رسول الله فمن لم يستطع أن يتحمل إليه؟ قال: من لم يستطع أن يأتيه فَلْيُهْدِ إليه زيتاً يسرج فيه، فإن من أهدى إليه زيتاً كان كمن أتاه".
2 ـ الصلاة فيه مضاعفة الأجر:
الصلاة في المسجد الأقصى المبارك مضاعفة بما يساوي خمسمائة ضعف أو ألف ضعف. روى الطبراني والبزار عن أبي الدرداء رضي الله عنه ـ وكان ممن جاور في بيت المقدس ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي هذا بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة).
وإذا كانت بعض الأحاديث تشير إلى المضاعفة للصلاة الواحدة بألف ضعف، وبعضها يشير إلى خمسمائة ضعف، فالمسألة مسألة فضيلة أكثر منها مسألة عدد، وهذا ما كان يأخذه السابقون في الحسبان.
3 ـ المجاورة سنة مستحبة:
وتبعاً لذلك فإن المجاورة والمقام في مدينة بيت المقدس مستحب عند كثير من العلماء، لما يحصل في ذلك للعبد المسلم من الطاعات والثواب، مما لا يحصل له في غير بيت المقدس عموماً والمسجد الأقصى على وجه الخصوص. ولذلك فإن بيت المقدس في بعض الأحاديث هي عُقْر دار المؤمنين يوم اشتداد المحن، كما أنها محرمة على الدجال لا يدخلها... وكانت منذ القديم محط رحال كثير من الصحابة والتابعين والعلماء...
وقد جاء في الحديث الشريف: (عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله يسكنها خيرته من خلقه) أخرجه ابن عساكر عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه. وجاء في الحديث الآخر الذي رواه الطبراني في الكبير عن مرة البهزي: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين على من ناوأهم ـ وهم كالإناء بين الأَكَلَة ـ حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قلنا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس). وجاء في حديث جنادة الأزدي ـ يذكر الدجال آخر الزمان ـ قال: (وعلامته يمكث في الأرض أربعين صباحاً يبلغ سلطانه كل منهل، لا يأتي أربعة مساجد: الكعبة ومسجد الرسول والمسجد الأقصى والطور) "رواه أحمد".
4 ـ الأرض من حول الأقصى مباركة، ما حدودها؟؟
والمسجد الأقصى أرض مبارك فيها وفيما حولها بنص القرآن الكريم في آيات كثيرة عديدة، أوضحها وأظهرها قوله سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الاسراء:1) وقوله سبحانه عن إبراهيم ولوط عليهما السلام وقد هاجرا إلى فلسطين: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:71) وقوله سبحانه عن موسى عليه السلام وهو يخاطب قومه: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (المائدة:21) وقوله عز من قائل عن موسى بن عمران عندما أتاه الوحي: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (القصص:30)
5 ـ نهاية الأسراء وبداية المعراج:
ويكفي بيت المقدس شرفاً وفضلاً أن يكون منتهى إسراء النبي صلى الله عليه وسلم من مكة في ليلة الإسراء والمعراج إليه، فكأنه هو المستهدف من الإسراء أو الغاية الأخيرة منه، واقترانه بالمسجد الحرام وبالنبي صلى الله عليه وسلم أمر ليس بالسهل ومسألة ليست بالهيّنة. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبت حتى أتيت بيت المقدس. قال: فربطته بالحلْقة التي يربط به الأنبياء. قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال عليه السلام: اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء).
وفي قوله: (ثم عرج بنا إلى السماء...) إشارة إلى أن بداية المعراج إلى السماوات العلا برسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من بيت المقدس.
6 ـ مقر الأنبياء ومهدهم:
ومن شرف بيت المقدس ومنزلته السامية أن ارتبط اسم تلك البلدة العريقة بأسماء معظم الأنبياء في حياتهم وبعد مماتهم، فهذا إبراهيم عليه السلام يهاجر إليه، وهذا لوط يرافقه في هجرته، وهذا إسحاق ثم يعقوب يولدان ويعيشان فيه، ليأتي بعدَهما يوسفُ والأسباط وتبدأ الصلات القوية في عهدهما بين بيت المقدس ومصر، ثم يكون موسى عليه السلام الذي يقود بني إسرائيل ومعه أخوه هارون نحو العودة إلى بيت المقدس، ويستكمل طريق العودة طالوت وداود، ويوطن بني إسرائيل في بيت المقدس سليمان عليهما السلام، ثم تتوالى طوائف من الأنبياء لاعداد لها كزكريا وابنه يحيى وعيسى عليهم جميعاً وعلى نبينا أفضل الصوات وأتم التسليم... هؤلاء وغيرهم كثير، كان محياهم في بيت المقدس أو مماتهم فيه... حتى إذا بعث خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم توجه إلى بيت المقدس في صلاته منذ صلى، ثم شد الرحال على متن البراق قاصداً المسجد الأقصى ليتبع سنن الأنبياء من قبله، بل إن الله سبحانه جمع له الأنبياء في بيت المقدس جمعاً حقيقياً معجزاً كإسرائه ومعراجه، وليس جمعاً منامياً، فوقف بينهم خطيباً وقام فيهم إماماً. ففي مسند أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد الأقصى قام يصلي، فالتفت ثم التفت، فإذا النبيون أجمعون يصلون معه). قال ابن كثير: بيت المقدس الذي بإيلياء معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام. ولهذا جمعوا له كلهم فأَمَّهم في محلتهم ودارهم فدل على أنه الإمام الأعظم والرئيس المقدس... قال عطاء الخراساني: بيت المقدس بنته الأنبياء وعمرته الأنبياء ووالله ما فيه موضع شبر إلا وقد سجد فيه نبي.
7 ـ أرض المحشر والمنشر:
وأرض بيت المقدس، ومن حولها الأرض المباركة فلسطين، هي أرض جمع الخلائق ساعة الحشر يوم الدين... روى الإمام أحمد بسنده عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قالت: (يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ فقال: أرض المحشر والمنشر).
وفصّل بعض العلماء ـ تبعاً لبعض النصوص المأثورة ولو أنهـا ضعيفة ـ في ذلك تفصيلاً، فقال أبو عبدالله المنهاجي في كتابه "إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى": (وتوضع الموازين يوم القيامة ببيت المقدس، وينفخ إسرائيل في الصور ببيت المقدس... ويتفرق الناس من بيت المقدس إلى الجنة والنار). ويقول ابن الجوزي: قال كعب: العرض والحساب ببيت المقدس.
8 ـ أولى القبلتين:
ومن فضائل المسجد الأقصى ببيت المقدس أنه كان أولى القبلتين، فإليه توجه المسلمون بصلاتهم قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة المشرفة، وهذا باتفاق العلماء، وفيه دلالة على أن هذا البيت شرفه الله وكرمه، فوجه أنظار المسلمين إليه فترة من الزمن ابتداء من فرض الصلاة في أول الإسلام إلى ما بعد الهجرة النبوية بستة عشر شهراً أو بثمانية عشر شهراً.
9 ـ من الأحكام الشرعية الخاصة بالمسجد الأقصى:
وقد جمعت الموسوعة الفقهية الكويتية جملة كبيرة من فضائل المسجد الأقصى فقالت: (تتعلق بالمسجد الأقصى أحكام منها ما يأتي:
الأول: استحباب ختم القرآن الكريم فيه. فعن ابن مِجْلَز التابعي قال: كانوا يستحبون لمن أتى المساجد الثلاثة أن يختم بها القرآن قبل أن يخرج: المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبيت المقدس. كما روي أن سفيان الثوري كان يختم به القرآن.
الثاني: استحباب الإحرام بالحج والعمرة منه, ذكره الزركشي وقال: ففي سنن أبي داود وغيره من حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أَهَلّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) أو (وجبت له الجنة).
الثالث: حكي عن بعض السلف أن السيئات تضاعف في المسجد الأقصى. رُوي ذلك عن كعب الأحبار، وذكر أبو بكر الواسطي عن نافع قال: قال لي ابن عمر: اخرج بنا من هذا المسجد فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات. وذكر الزركشي عن كعب الأحبار أنه كان يأتي من حمص للصلاة فيه فإذا صار منه قدر ميل اشتغل بالذكر والتلاوة والعبادة حتى يخرج منه بقدر ميل، ويقول: السيئات تضاعف فيه.
الرابع: أنه يحذّر من اليمين الفاجرة فيه، وكذلك في المسجدين فإن عقوبتها عاجلة.
الخامس: يكره استقبال بيت المقدس واستدباره بالبول والغائط ولا يحرم. قاله الشيخ محي الدين النووي في الروضة.
السادس: ذهب الفقهاء إلى أن إقامة صلاة العيد في المصلى أولى منها في المسجد إلا في مسجد مكة. قال الرافعي: وألحق الصيدلاني به مسجد بيت المقدس.
السابع: استحباب الصيام فيه، فقد روي: (صوم يوم في بيت المقدس براءة من النار).(إعلام الساجد ص 289)
الثامن: قاله الزركشي في إعلام الساجد: لا يجوز الاجتهاد بمحراب بيت المقدس يمنة ولا يسرة، إلحاقاً له بمسجد المدينة.
(الموسوعة الفقهية / المسجد الأقصى ف11)
ومضات من التاريخ القديم
للمسجد الأقصى وبيت المقدس
ـ عصر ما قبل الكتابة:
للمسجد الأقصى تاريخ قديم سبق عصور التدوين والكتابة ولكنه أُشير إليه في تاريخ الأمم الأولى للبشرية، ونقلت إلينا النصوص الشرعية والروايات التاريخية على اختلاف درجاتها نبذاً ونبأً عن مبدئه وخبره الأول.
وتقترن البدايات الأولى للمسجد الأقصى بالبدايات الأولى لبيت الله الحرام في مكة المكرمة. فإذا كانت الكعبة المشرفة أول بيت وضع للناس لعبادة الله (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران:96) فإن المسجد الأقصى لم يبعد عن الكعبة المشرفة زمنياً إلا قليلاً. روى البخاري في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ( قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول. قال: المسجد الحرام. قال: قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة). وهذا الحديث لا شك يتحدث عن البناء الأول على الإطلاق لكل من الكعبة والمسجد الاقصى.
وقد ذكر بعض العلماء أن الباني الأول للكعبة إنما هو آدم عليه السلام وأن بعض ولده بعده بأربعين عاماً بنى المسجد الأقصى، كما ذكر بعضهم أن الباني الأول لكليهما كان الملائكة، أو أن الباني الأول لهما آدم أولاً بنى الكعبة ثم بنت الملائكة بيت القدس بعد ذلك بأربعين عاماً. (شرح سنن ابن ماجه 1/55) وهذه الاحتمالات كلها واردة، والله أعلم.
ـ إبراهيم الخليل ومن بعده يوشع:
ويذكر التاريخ بعد ذلك أن إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن وأبا الأنبياء اعتزل أباه وقومه في العراق، وهاجر منها واستقر به المقام في الشام أخيراً بعد تطواف بين الشام ومصر... لقد سكن بيت المقدس قبل أن ينقل إحدى زوجتيه ـ وهي سارة وولدها إسماعيل ـ إلى مكة البلد الحرام.
ويقوم في فترة لاحقة ببناء الكعبة المشرفة مع ولده إسماعيل ليعود أدراجه إلى بلده الأول ـ القدس ـ فيبني المسجد الأقصى بعد بناء المسجد الحرام بأربعين سنة. وهذا يتفق مع قوله سبحانه (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) (البقرة: من الآية127) إذا جمعنا إليه حديث أبي ذر السابق... وهذا معنى ما نقله بعض المؤرخين من أن إبراهيم عليه السلام اتخذ عند الصخرة معبداً ومذبحاً. وقد أشار القرآن الكريم إلى هجرة إبراهيم ولوط عليهما السلام إلى فلسطين بقوله سبحانه (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:71) ولم يمض وقت طويل حتى قام يعقوب بإعادة بناء المعبد بعد أن هرم بناء إبراهيم عليه السلام على مكان الصخرة نفسها.
وقد خرج بنو يعقوب (وهم بنو إسرائيل) من بيت المقدس إلى مصر في عهد يوسف بن يعقوب عليهما السلام فاستقروا فيها إلى أن بعث موسى بن عمران عليه السلام وأمره الله أن يحرر بني إسرائيل من العبودية لفرعون وقومه فخرج بهم صوب فلسطين وأمرهم بقتال الجبارين فيها. فلما نكلوا عن ذلك وجبنوا عوقبوا بالتيه في سيناء أربعين سنة. ولقد مات موسى وهارون عليهما السلام في مدة التيه وكانا يأملان دخول الأرض المقدسة فلما أدركهما الموت قبل ذلك سألا الله أن يدفنا قريباً منها رمية حجر ففي الصحيحين أن موسى قال عندما أدركته المنية: رب أمتني من الأرض المقدسة رميةً بحجر وفي رواية أنه سأل الله أن ينظره حتى يدنو من الأرض المقدسة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر). وجاء في رواية مسلم: (مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره).
هذا ثم إن يوشع بن نون ـ وهو فتى موسى الذي صحبه للقاء الخضر ـ عليه السلام تولى شئون بني إسرائيل بعد وفاة موسى عليه السلام ـ وكان نبياً كما ثبت في السنة الصحيحة ـ فجمع بني إسرائيل وخرج بهم من التيه إلى الأرض المقدسة (بيت المقدس) وحاصرها، إلا أن الشمس أوشكت على الغروب ـ وكان الوقت عشية جمعة ـ فخشي أن تغيب الشمس ويحبس عنه الفتح، فدعا ربه فأمسك له الشمس حتى فتح بيت المقدس، وكانت تلك معجزة ظاهرة بينة.
ودخل يوشع بن نون عليه السلام بيت المقدس بجيشه منتصراً، ونصب قبة موسى عليه السلام موضع الصخرة، فكانوا يصلون إليها، فلما بادت صلوا إلى محلتها وهي الصخرة، فلهذا كانت تلك الصخرة قبلة الأنبياء بعد إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ طالوت وتحرير بيت المقدس:
وبقيت مدينة القدس مدة طويلة في عهدة بني إسرائيل، وذلك في الفترة التي تسمى عهد القضاة، وامتدت قرابة 400 سنة، ولكن القضاة عجزوا عن سياسة بني إسرائيل، مما أطمع فيهم الأعداء فقهروهم على بيت المقدس ونصبوا جالوت ملكاً فيها، مما دفع بني إسرائيل إلى اللجوء إلى أحد أنبيائهم طالبين منه أن يدعو الله ليبعث لهم ملكاً يلتفون حوله فيجمع أمرهم، ويقاتلون معه في سبيل الله دون تردد ولا توان،.. قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء) (البقرة: 246 ـ 251).
وواضح من تلك الآيات أنها تتحدث عن فتح بيت المقدس على يد طالوت وجنوده على قلة فيهم بعدما عبروا نهر الشريعة (نهر الأردن) باتجاه البلدة المقدسة وبعدما نازل داود الجندي الشجاع جالوت الملك الجبار فقتله. ليخلف طالوت في ملك بني إسرائيل ويورث الملك عقبه.
ـ داود وسليمان عليهما السلام ملكان ونبيان:
وذكر المؤرخون أن داود عليه السلام لما فتح مدينة القدس ـ وكان ذلك عام 977ق.م ـ نقل تابوت بني إسرائيل إليها، وقد حوى التابوت آثاراً من آثار موسى وهارون عليهما السلام وآثار أهلهما، كعصا موسى، والرضاض من ألواح التوراة، وشيء من المنّ المنزّل عليهم في التيه، وثياب هارون، ونعلين. فلما فتح داود بيت المقدس نقل التابوت إليها وأعد في وسط المدينة ساحة منبسطة فسيحة ليشيد عليها المسجد الأقصى من جديد، فقد يكون جالوت قد عفى آثاره أو أنه اندرس لطول العهد ببنائه.
وكان داود في ذلك الحين قد بلغ سن الشيخوخة وأحس أن أجله لن يمهله حتى يكمل البناء فعهد إلى ابنه ووريث عرشه سليمان عليه السلام الذي ولد في القدس ونشأ بها واستمر ملكه أربعين سنة (963 ـ 923 ق.م).
وذكر بعض المفسرين أنه غاب عن سرير ملكه أربعين يوماً ثم عاد إليه، وإذ ذاك بدأ في بناء المعبد على هيئة فخمة ضخمة تليق بما أعطاه الله سبحانه من ملك لم يؤت أحد من العالمين مثله، ولفخامة الهيئة التي بنى سليمان عليها المسجد الأقصى ـ الذي يسميه بنو إسرائيل الهيكل ـ نسب هذا المعبد إليه، وإلا ففي الحقيقة لم يكن هو منشئه ولا بادئه.(البداية والنهاية1/196)
ـ اكتساح مملكة اليهود في فلسطين:
وبعد فترة من الزمن ـ قرابة مئتي سنة عقب وفاة سليمان عليه السلام ـ أقدم ملك الآشوريين (سرجون) على تدمير مملكة إسرائيل التي كانت إحدى مملكتين يهوديتين انقسمت إليهما مملكة داود وسليمان، وشَرَّد سرجون عند تدمير المملكة شعبها واعتقل آخر ملوكها.
أما المملكة الأخرى وهي مملكة يهوذا فقد غزاها فرعون مصر سنة (608) ق.م، ولم يقف عند حدودها، بل اكتسح بعدها أيضاً مملكة إسرائيل، مما أثار حفيظة ملك الآشوريين في بابل (بختنصر) فزحف على فلسطين، وهزم فرعون مصر، واستعاد منه المملكتين (إسرائيل ويهوذا)، ودمر المسجد الأقصى، وسبى أكثر بني إسرائيل وساقهم إلى أرض بابل، حتى عرفت تلك الفترة بفترة السبي البابلي. قال تعالى في إشارة إلى ذلك: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً) (الإسراء: 4ـ5).
ـ زوال محنة اليهود:
ولما احتل ملك الفرس الأخميني (قورش) بلاد بابل تبعته بلاد فلسطين تلقائياً، فرفع الاضطهاد عن بني إسرائيل وأعادهم إلى أرض يهوذا، وسموا منذ ذلك الحين (اليهود) وسميت ديانتهم (اليهودية) وقام اليهود بإعادة إعمار مدينة القدس والهيكل، ولكنهم كانوا شعباً بلا دولة ولا سلطة.
وتتابع على حكم بيت المقدس كل من الفرس والاسكندر المقدوني ثم البتوليميين ثم بعدهم الرومان الذين استولوا على بيت المقدس عام (63 ق.م) ونصبوا هيرودس ملكاً عليها فقرب إليه اليهود، وبنى لهم الهيكل ثانية على نسق بناء سليمان عليه السلام، وذلك فيما بين (20 و18 ق.م).
ـ زكريا ومريم عليهما السلام:
وبقي المسجد الأقصى إلى عهد زكريا عليه السلام، وقد ذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أنه تكفل بمريم ابنة عمران، فرباها في حجره، وكان رئيساً لسدنة الهيكل، فأودع مريم في المحراب ورباها أحسن تربية إلى أن عرفت بالاستقامة والتدين، ثم كان من شأنها أن وهبها الله عيسى عليه السلام معجزة لم تر البشر لها مثيلاً.
ـ عيسى واليهود... وتدنيس المسجد الأقصى:
وتذكر كتب التاريخ أن جرائم بني إسرائيل في عهد عيسى عليه السلام كثرت وزادت وامتدت حتى دنست المسجد الأقصى فجعلوه سوقاً للصيارفة والمرابين وملعباً للحمام ومكاناً للاستهزاء، بل إنهم طغوا طغياناً كبيراً عندما أقدموا على قتل زكريا وابنه يحيى عليهما السلام في حادثتين شائنتين، فأنذرهم عيسى عليه السلام أن هذا الإفساد عاقبته وخيمة، وأن الدمار سيلحق ببني إسرائيل وبمعبدهم وملكهم حتى يستحوذ عليهم عدوهم ويضرب على رقابهم الذل والهوان. وقد وقع ذلك عندما غزا الملك الروماني الإمبراطور (طيطس) مدينة القدس عام 70م وأحرق المدينة المقدسة ودمر المسجد تدميراً شديداً...
وقد أشار الله سبحانه إلى ذلك بقوله عن الإفساد الثاني لبني إسرائيل (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا) (الإسراء: 7).
هذه صفحات مجملة من تاريخ القدس القديم لن تغنينا عن الوقوف مع الحديث المفصل في القرآن الكريم عن أعظم مملكة لليهود في القدس وهي مملكة داود وسليمان عليهما السلام. وهو حديث ممتع شيق.
مملكة داود وسليمان عليهما السلام
كمـا يحدثنا عنها القرآن
ـ تمهيد:
انسجاماً مع الدعوة العامة في القرآن الكريم لاحترام كافة الأنبياء والرسل والإيمان بهم وعدم التفريق بينهم (لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) (البقرة: 285)، تحدث القرآن الكريم بكل احترام عن داود وسليمان عليهما السلام وهما نبيان وملكان يهوديان.
وجاء حديث القرآن الكريم عنهما مفصلاً في بعض الجوانب، وذلك ابتداء من بزوغ نجم داود عليه السلام الذي كان جندياً قوي الشكيمة شديد البأس انخرط في جيش طالوت، وانتهاء بوفاة ابنه سليمان بعد ملك واسع في مدينة القدس.
ـ القرآن الكريم وداود:
وقد بين القرآن الكريم أن بروز داود عليه السلام بدأ وظهر عندما تقدم كمصارع بطل تصدى للجبار جالوت ملك الظلمة فصرعه وقتله، قال تعالى: (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ) (البقرة: من الآية251) ومن ثمة آتاه الله النبوّة: (وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء) (البقرة: من الآية251). وبعد قتل جالوت عاد بنو إسرائيل فدخلوا إلى البلدة المقدسة التي كانوا طردوا منها مصداق وعد الله لهم (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)(المائدة: من الآية21).
ـ فضائل داود عليه السلام:
وكان داود عليه السلام ملكاً عادلاً حكيماً، ونبياً عابداً صالحاً. قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً)(سـبأ: من الآية10)، وقد فُسّر هذا الفضل المطلق بأنه: النبوة، والزبور، وفصل القضاء بالعدل، والفطنة والذكاء والرحمة بالضعفاء، وحسن الصوت، وتسخير الجبال له والطير. ثم يقول سبحانه: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) (سـبأ: من الآية10) أي رَجعي صدى تسبيحه لربه وقراءته في مزاميره (وَالطَّيْر) (سـبأ: من الآية10) فقد أُمرت كذلك بالترجيع وراءه: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سـبأ: من الآية10) فكان بين يديه مطواعاً له، حتى قيل: إنه أول من صنع دروع الحرب بعد أن علمه الله: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (سـبأ:11).
ـ عفة اليد وحسن القضاء:
وهكذا كان داود عليه السلام نبياً ملكاً جمع بين الوحي والعدل، والعبادة والقضاء، والرحمة والقوة، وأضاف إلى ذلك أنه كان يتعفف عن الأموال العامة فلا يأكل إلا من كسب يده وكسب عياله (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً ) (سـبأ: من الآية13)... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن داود عليه السلام كان لا يأكل إلا من عمل يده). رواه البخاري
ويذكر لنا كتاب الله موقفاً من مواقف حياة داود، يقول سبحانه: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ "أي القوة" إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) (ص: 17ـ25).
ثم بيّن الله سبحانه بعض ما أوحاه إلى الملك داود في بيت المقدس: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (صّ:26)
ـ سليمان بن داود شاب مثالي:
وكان من فضل الله سبحانه على النبي الملك داود أن رزقه ولداً ذكياً نبيهاً فطناً يليق بالملك والنبوة وارثاً لهما من بعده عن جدارة وكفاءة: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:30)، وأروع مثال على نباهة سليمان ما حكى القرآن الكريم عن سليمان في حياة أبيه الذي كان يدربه على تصريف أمور المملكة المقدسية، قال تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) (الأنبياء: 78ـ79).
ـ محراب داود أثر عظيم:
وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن مملكة سليمان عليه السلام وحكمه لبيت المقدس بعد أبيه داود نقف مع الإمام أبي بكر بن العربي في كتابه "أحكام القرآن" وقد سطر لنا بعض ما رآه عياناً في بيت المقدس التي أقام فيها من آثار مملكة داود، يقول: شاهدت محراب داود عليه السلام (أي مكان تعبده) في بيت المقدس بناءً عظيماً من حجارة صلدة لا تؤثر فيها المعاول، طول الحجر خمسون ذراعاً وعرضه ثلاثة عشر ذراعاً، وكلما قام بناؤه صغرت حجارته، ويرى له ثلاثة أسوار، لأنه في السحاب أيام الشتاء كلها لا يظهر لارتفاع موضعه وارتفاعه في نفسه، له باب صغير ومدرجة عريضة، وفيه الدور والمساكن، وفي أعلاه المسجد، وفيه كوة شرقية إلى المسجد الأقصى في قدر الباب، وليس لأحد في هدمه حيلة، وفيه نجا من نجا من المسلمين حين دخلها الروم حتى صالحوا على أنفسهم بأن أسلموه إليهم على أن يَسْلموا في رقابهم وأموالهم فكان ذلك، وتخلوا لهم عنه.
ولا مانع عندنا أن يكون هذا القصر المشيد من أعمال سليمان عليه السلام الذي سخر له الجن فيما سخر له من جنود.
ـ مملكة سليمان عليه السلام قوية غنية:
ولقد حدثنا القرآن الكريم عن سليمان ونبوته وملكه ـ وهو أعظم ملوك بني إسرائيل في بيت المقدس ـ وكان عنده من الخيل المطهمة وعدة الحرب وأبهة الملك الشيء الكثير.
فقال سبحانه عن سليمان: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (ص: 31ـ33)، فكان خير خبير ومتعامل مع الخيل المعروفة بالذكاء والشفافية.
ـ ابتلاء ثم عطاء:
وحدثنا القرآن الكريم كذلك عن تعرض ملك سليمان لهزة عنيفة كادت تودي به لولا لطف الله وتأييده له:(وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (ص: 34ـ35). وهكذا عاد له ملكه، بل آتاه الله ملكاً عظيماً واسعاً شاسعاً لم يتحقق مثله لأحد بعده، فقد أضيف إلى إعطائه الأسباب المادية المعروفة في ملك الملوك أن سخرت له قوى غير مادية (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ) (ص: 36) (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) (الأنبياء: 81).
وإضافة إلى الريح المسخرة فقد أُعطي سليمان في بيت المقدس تسخير الجن كذلك، قال سبحانه: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) (ص: 37ـ38)..
وقال أيضاً في موطن آخر: (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) (الأنبياء: 82).
وقال عن ذلك جل وعلا: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سورة سبأ: 12ـ13).
وقد ذكر المفسرون أن مما عُمل لسليمان: القصور والمساكن والصور التي من نحاس أو رخام سواء كانت صور طواويس وعقبانٍ ونسورٍ يضعها حول عرشه لمزيد المهابة والجمال أو صور الأنبياء السابقين. أما الجفان (وهي صحف الطعام) فكانت غاية في الكبر والضخامة كأنها حياض أو حيطان وكذلك القدور الراسيات العظيمة التي لا مثيل لها.
ـ قوة ومهابة، وتواضع وإنابة:
ويعرض علينا القرآن الكريم صورة أخرى من صور مملكة سليمان عليه السلام في بيت المقدس، وهي صورة الملك الذي يحف به موكب مهيب لكنه لا يبطر ولا يفتر، فيقول: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل: 18ـ19).
ـ وتفقد الطير...
وفي لفتة مهمة تكشف عن مدى قوة مملكة نبي الله سليمان عليه السلام وبلوغ نفوذه وسلطانه آفاقاً بعيدة عن أرض بيت المقدس، يقول سبحانه وتعالى عن قصة سليمان وبلقيس ملكة سبأ: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) (النمل: 20ـ22) فلما جاء واستدعاه سليمان وسأله عن سبب غيابه عن عرض الطير قال: (فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ) من اليمن (بِنَبَإٍ يَقِينٍ) (النمل: 22) ثم فصّل الأخبار له فقال: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) (النمل: 23ـ24) ولقد تريث سليمان عليه السلام في معاقبة الهدهد أو تصديق ما ادعاه فرد عليه: (قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) (النمل: 27ـ37)، ثم يعرج القرآن على استخدام سليمان لسلطة الجن (قَالَ) مخاطباً حاشيته بعد أن جمعها:(قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ) (النمل: 38ـ41)، وتدخل بلقيس بيت المقدس وافدة على سليمان (فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ) أي قصر سليمان (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ) وهنا استسلمت بلقيس و (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (النمل: 42ـ44). وهكذا أسلمت وتابعت وتزوجت سليمان عليه السلام أعظم ملوك بيت المقدس.
ـ تسخير الجن وموت سليمان:
ولا نجد بداً من التعريج على نبأ وفاة نبي الله سليمان عليه السلام كما أشار إليه القرآن الكريم:(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ) أي ما أخبر الجن الذين زعموا علم الغيب والاطلاع على الأمور ماضيها وحاضرها ومستقبلها، فلما مات سليمان عليه السلام كان جالساً على عرشه وبقيت الجن تعمل بين يديه خائفة منه أمداً طويلاً (مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ) فلم يطلعوا على موته ولم يطلعوا على دابة الأرض وهي تنخر عصاه التي كان يتوكأ عليها (فَلَمَّا خَرَّ) بعد تهالك العصا وأكل السوس لها (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (سبأ: 14) صدق الله العظيم.
ـ داود وسليمان والمسجد الأقصى:
ومما لا يخفى أن مما قام به سليمان في مملكته إعادة بناء المسجد الأقصى، أو بشكل أدق تنفيذ واستكمال بنائه، بعد أن بدأ بذلك أبوه داود عليهما السلام، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن سليمان لما تم له بناء المسجد الأقصى قام لله شاكراً داعياً... روى النسائي وابن ماجة وغيرهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما فرغ سليمان ابن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه - أي سداداً وتوفيقاً في القضاء- ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة).
يقول البغوي في تفسيره: قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة وهدمها، ونقض المسجد وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر فحمله إلى دار مملكته في أرض العراق.
بيت المقدس في عهد
زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام
ـ تمهيد:
لم يتوقف حديث القرآن الكريم عن بيت المقدس عند عهد إبراهيم ولوط حيث هاجرا إليها وأقاما بأطرافها، ولا عند عهد طالوت وداود وسليمان حيث نشأت في بيت المقدس أكبر ممالك بني إسرائيل، وإنما نجد في القرآن الكريم حديثاً عن بلدة بيت المقدس في عهد زكريا ويحيى وعيسى عليهم وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام.
ـ زكريا... ورحمة الله له:
قال الله تعالى: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) أي هذا ذكر رحمة ربك لعبده زكريا (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّم النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) (مريم: 2ـ11).
ثم ينتقل الخطاب القرآني إلى يحيى بن زكريا مباشرة (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (مريم: 12ـ15).
هذا الكلام الرباني عن نبي الله زكريا الذي كان كبير سدنة بيت المقدس إنما يحكي لنا بعض تاريخ تلك البلدة في فترة شهدت ميلاد عيسى عليه السلام لأم دون أب، فكان معجزة المعجزات وآية الآيات على قدرة الله واصطفائه المبين لآل عمران فيمن اصطفى على العالمين.
ـ مريم ابنة عمران... الصالحة الطاهرة:
ويحكي لنا القرآن الكريم السبب الذي دفع زكريا لتمني الذرية الصالحة.
قال تعالى عن مبدأ قصة مريم وأمها امرأة عمران وهما من أهل بيت المقدس: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) أي خالصاً لخدمة مسجد بيت المقدس (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) وكانت تتوقع أن تلد ذكراً يصلح أن تنذره خادماً خاصاً للمسجد المقدس (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) (آل عمران: 35ـ37).
وذلك أن زكريا كان زوج خالة مريم، فأراد أن يقوم بكفالتها دون غيره، فخاصمه السدنة الآخرون، فما كان منه ألا أن اتفق معهم على أن يلقوا أقلاماً من خشب كانت بأيديهم في الماء، قال تعالى: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (آل عمران: 44) فلما طفا قلم زكريا أخذ مريم وأودعها في محراب بيت المقدس.
والمحراب هو المكان المخصص للعبادة بعيداً عن أعين الناس، قال تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران: 37ـ39).
وإذن فإن إعجاب واستحسان زكريا كبير سدنة بيت المقدس بالفتاة الناشئة الصالحة أو الصبية الصغيرة الطاهرة مريم وتقواها وإكرام الله سبحانه لها دفعه إلى سؤال الله أن يمنحه الذرية الصالحة لعلها تكون كمريم في عبادتها وصفائها ومقامها.
ـ يحيى بن زكريا... نبي صالح:
وكما تحدث القرآن الكريم عن زكريا عليه السلام بكل تبجيل واحترام، تناول كذلك الحديث عن ولده يحيى الذي قال عنه: ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (مريم: 12ـ15). وقال عنه كذلك: (فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ) أي نادت زكريا (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران: 39). لقد كان الحديث عن يحيى ـ وهو من الأنبياء الذين ولدوا وبعثوا وقتلوا في بيت المقدس ـ.
ـ عيسى بن مريم آية من آيات الله في الأرض:
ويرافق يحيى في الزمن مولداً وحياة عيسى ابن مريم عليهما السلام، وهو كما قدمنا ابن خالته.
ويأتي حديث القرآن الكريم عن ميلاد ودعوة عيسى عليه السلام مفصلاً تفصيلاً أكبر، وذلك ابتداء من حين حمل أمه مريم به دون أن يكون لها زوج، بل بأمر الله سبحانه، قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) (مريم: 16) أي اعتزلتهم واتخذت لنفسها متعبداً شرقي بيت المقدس تخلو فيه لوحدها لتعبد الله وحده لا شريك له.
وفي متعبدها ذلك شرقي بيت المقدس كانت الملائكة الكرام تخاطبها: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (آل عمران: 42ـ43)، هكذا خوطبت مريم خطاب العابدات الصالحات وهي في متعبدها محراب بيت المقدس، وكان مما قالته لها الملائكة: (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران: 45ـ46)، وقالت لها الملائكة كذلك عنه (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: 48ـ49)... (فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا) (مريم: 17ـ21)، كل ذلك تلقيه الملائكة إليها لتهدئ روعها وتطمئنها إلى الآية العظمى التي سيظهرها الله للعالمين منها، إنها أعظم ما مر من الآيات على بيت المقدس... بل على الأرض!!!
(فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا) (مريم: 22) يقال إنها خرجت به إلى بيت لحم بعيداً عن أنظار الناس في بيت المقدس.
(فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) ولكنها ولدته تحت ظل النخلة (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) نهراً جارياً (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا).
وهكذا حملت مريم وليدها عيسى من بيت لحم وعادت به إلى مدينة القدس (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) ولكنها لم تجبهم بلسانها لأنها نذرت الصوم عن الكلام، فليس ثمة كلام يقنع الناس ببراءتها مهما كانت صادقة (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) (مريم: 27ـ29).
وهنا حدثت المعجزة ثانية بكلام الوليد الجديد عيسى في المهد بعد أن وُلِد لغير أب (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) (مريم: 30ـ33).
وهكذا ولد عيسى عليه السلام في أكناف بيت المقدس، ثم بعث إلى بني إسرائيل في المدينة المقدسة فخاطبهم بقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف: 6).
ـ دعوة عيسى إلى توحيد الله:
وكما بشرت الملائكة مريم ببركات وليدها عيسى على عموم أهل بيت المقدس من بني إسرائيل وسواهم، وخاصة المرضى وأصحاب العلل، فإنه دعا إلى عبادة الله وحده، وترك الانحراف عن الوحدانية الصافية، فآمنت به طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) (الصف: 14) وكانت هذه الطائفة المؤمنة قد دعت ربها بقولها: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران: 53).
ـ براءة عيسى من المنحرفين:
ويبدو أن الذين آمنوا بعيسى لم يقف بعضهم عند حد الإيمان بأنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، بل غالوا فيه مغالاة منكرة حتى عبدوه إلهاً دون وجه حق، ودون رضى منه أو دعوة إلى ذلك، (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) (الأنعام: 116)
ـ وآية المائدة من السماء للمؤمنين:
وعاش عيسى عليه السلام حياته يدعو إلى الله ـ هو ويحيى بن زكريا عليهما السلام في بيت المقدس وما حولها ـ وكان مما قصه علينا القرآن الكريم قصة المائدة العجيبة إذ قال بعض أهل بيت المقدس لعيسى عليه السلام: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء) فزجرهم وقال: (اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) عندها (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) وقد استجاب الله لعيسى دعوته لكنه سبحانه بَيَّن للناس (قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) (المائدة: 112ـ115).
ـ عيسى ويحيى وتعاون على الدعوة مشترك:
وفي حديث فريد عن النبي صلى الله عليه وسلم نرى كيف كان ابنا الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام يتعاونان على الدعوة إلى الله في بيت المقدس، فعن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها وإنه كاد أن يبطئ بها، قال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ وقعدوا على الشُرُف (النوافذ) فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بها وآمركم أن تعملوا بها.
أولاهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وإن مَثَل من أشرك بالله كمِثْل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق فقال هذه داري وهذا عملي فاعمل وأَدِّ إليّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك.
وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت.
وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال أنا أفدي نفسي منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم. وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحزر نفسه من الشيطان إلا بذكر الله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثاء جهنم، فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ فقال: وإن صلى وصام، فادعوا الله الذي سماكم مسلمين عباد الله) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هكذا استفاض حديث الإسلام عن أحداث عظام في بيت المقدس كان لها أثر كبير في صناعة تاريخه في فترة من الفترات.
بيت المقـدس
وأحـداث الإسـراء والمعـراج
ـ تمهيد:
بدأت صلة النبي محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه ببيت المقدس مع بداية البعثة النبوية، حينما فرضت عليه الصلاة ـ وكانت ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي ـ إذ جعلت له قبلة صلاته إلى بيت المقدس يقيم وجهه تلقاءها كلمـا نهض إلى صلاته، وكان شأنـه في ذلك شأن الأنبياء السابقين له ـ وإن كانت الروايات تذكر أنه كان يجعل الكعبة المشرفة بينه وبين بيت المقدس فذلك أمر آخر.
وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصلون إلى بيت المقدس طيلة مكثهم في مكة، وإلى ما بعد هجرتهم إلى المدينة بقرابة سنة ونصف قبل أن تحول القبلة نهائياً إلى الكعبة المشرفة، وهذا يعني أنهم صلوا نحو بيت المقدس أكثر من أربع عشرة سنة... سواء قبل فرض الصلوات الخمس أو بعدها.
ـ الإشارات القرآنية إلى بيت المقدس:
ومما لا شك فيـه أنه لم يخل القرآن الذي نزل في مكة ـ وهو المسمى بالمكي ـ من الحديث عن أهل الكتاب وأنبيائهم وبيت المقدس الذي أوى إليه أكثرهم.
وعلى سبيل المثال نقرأ من إشارات القرآن الكريم إلى بيت المقدس قول الحق سبحانه: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين: 1ـ4) وقد قال بعض المفسرين: إن التين يقصد به الشام، والزيتون يقصد به بيت المقدس،(أضواء البيان8/443) وأما طور سينين فهو الجبل الذي كلم الله موسى عليه وأنزل عليه التوراة، وهو جبل الطور بجوار بيت المقدس...
وهذا المثال غيض من فيض من حديث القرآن المكي عن بيت المقدس وأهله وحوادثه.
ـ الإسراء إلى بيت المقدس:
ولكن الشيء المؤكد أن أبرز ما يتعلق ببيت المقدس في فترة ما قبل الهجرة بل في فترة البعثة النبوية تلك الأحداث المتعلقة بمعجزة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، ثم المعراج من بيت المقدس إلى السموات العلى، ثم العودة في نفس الطريق، وهي ولا شك أحداث غيبية جسام، ضعفت عقول المتشككين والكافرين عن فهمها والإيمان بها، لذلك أشير إليها في كتاب الله سبحانه بقوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الإسراء: 1).
إن الإسراء آية حوت من الدلالات العظيمة والإشارات الكريمة الشيء الكثير.
ـ الصلة الوثيقة بأرض الإسراء:
ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان متشوقاً إلى المسجد الأقصى متطلعاً إليه، فهو القبلة التي يصرف وجهه ووجه أصحابه إليها، وهو معدن الأنبياء ومرقدهم، وجوهر الأرض المباركة وسرها. وقد دلت الأحاديث التي تتعلق ببيت المقدس في حادثة الإسراء والمعراج على صلة وثيقة للنبي صلى الله عليه وسلم بتلك الأرض لا يمكن للباحث المنصف تجاهلها.
ففي الطريق إلى بيت المقدس وبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم راكباً البراق (يقول: فانطلقتْ تهوي بنا يقع حافرها عند منتهى طرفها حتى بلغنا أرضاً بيضاء، فقال: انزل فنزلت، فقال صَلِّ فصليت ثم ركبنا، فقال:أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ابن مريم) رواه الترمذي.
وفي رواية الترمذي والطبراني والبزار أن جبريل قال له قبل ذلك في الطريق إلى بيت المقدس (انزل فصل يقول: فصليت ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت بمدين عند شجرة موسى أو صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى تكليماً).
وفي رواية لمسلم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم مكان قبر موسى قريباً من بيت المقدس فيقول: (مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره) ويقول في رواية أخرى: (فلو كنت ثَمّ لأريتكم قبره).
ـ أول المسلمين زيارة للقدس:
وبناء على القول الصحيح أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد معاً لا بالروح فقط، وأنه كان يقظة لا مناماً، فإنا نقول جازمين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المقدس دخولاً مادياً حقيقياً، فكان أول المسلمين الزائرين له من أمته، يقول: (ثم انطلق "أي البراق" بي حتى دخلنا المدينة "بيت المقدس" من بابها اليماني فأتى "أي جبريل" قبلة المسجد فربط فيه دابته) رواه الترمذي . وفي رواية (فأتى البراق إلى موقفه الذي كان يقف فيه فربطه فيه وكان مربط الأنبياء عليهم السلام، ودخلنا المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله).(الطبقات الكبرى 1/214).
ـ لقاء الأنبياء وإمامتهم:
وقد جاء في حديث الإسراء والمعراج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء إماماً في المسجد الأقصى. يقول: (ورأيت الأنبياء جمعوا لي فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى)... (الطبقات الكبرى 1/214)
وقد قيل في تفسير قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) (الزخرف: 45) إن الآية تشير إلى اجتماع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في بيت المقدس وكانوا سبعين نبياً.
وجاء في الحديث (وسألتهم) أي عما بعثوا به (فقالوا: بعثنا بالتوحيد) ويقول أيضاً (فظننت أنه لا بد من أن يكون لهم إمام فقدمني جبريل حتى صليت بين أيديهم).
وقد اختلف العلماء في اجتماعه عليه السلام بالأنبياء وصلاته بهم أكان قبل عروجه إلى السماء أم بعد نزوله منها، ويرحج ابن كثير أن صلاته بالأنبياء إماماً كانت بعد عودته ـ صلى الله عليه وسلم ـ من السماء عائداً إلى بيت المقدس.( البداية والنهاية 3/113)
ونقل لنا صلى الله عليه وسلم من داخل بيت المقدس صفة خَلْق بعض الأنبياء، يقول: (وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم (يعني نفسه). (الجمع بين الصحيحين 3/267)
ـ خطبته صلى الله عليه وسلم في الأقصى:
وجاء في دلائل النبوة للبيهقي (2/400) وعند ابن جرير في تفسيره (8/15) قوله عليه السلام يذكر خطب الأنبياء في بيت المقدس: (فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل من هذا معك؟ فقال: محمد. فقالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. فقالوا: أوقد أرسل إليه. قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء. قال: ثم لقي أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم.
فقال إبراهيم: الحمد لله الذي اتخذني خليلاً وأعطاني ملكاً عظيماً، وجعلني أمة قانتاً يؤتم بي، وأنقذني من النار، وجلعها عليّ برداً وسلاماً.
ثم إن موسى أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليماً، وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون.
ثم إن داود أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكاً عظيماً، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب.
ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلاً، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكاً طيباً ليس عليّ فيه حساب.
ثم إن عيسى أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته، وجعل مثلي مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني، وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل. قال: ثم إن محمداً (صلى الله عليه وسلم) أثنى على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه، وأنا مثنٍ على ربي: فالحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل عليّ الفرقان فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطاً، وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً.
قال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد).
ـ اخترت الفطرة:
وأشارت أحاديث عدة إلى شيء حدث للنبي صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس ساعةَ كان فيه. يقول صلوات الله وسلامه عليه: (وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأُتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل، أُرسل إليّ بهما جميعاً، فعدلت بينهما، ثم هداني الله عز وجل فأخذت اللبن فشربت حتى عرقت به جبيني، وبين يدي شيخ متكئ على مثوات له، فقال: أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى) رواه البيهقي في دلائله (2/356). وفي رواية: (فأُتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر. فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته فقال: هُدِيت الفطرة أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك). متفق عليه.
ـ بداية المعراج من بيت المقدس:
وإذا أردنا أكثر من كل ما مر من آيات بينات، ومواقف خالدات، لرسول الله صلى الله عليه وسلم داخل بيت المقدس ومسجدها، فلنقل إن الإسراء ـ وهو معجزة كبرى ـ لم يكن إلا مقدمة لأمر أعظم أعقبه وتلاه، وهو المعراج إلى السماء...
وباتفاق أهل العلم فإن معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ابتدأ وانطلق من أرض المسجد الأقصى...
جاء في السيرة الحلبية: لم يختلف أحد أنه صلى الله عليه وسلم عرج به من عند القبة التي يقال لها قبة المعراج من عند يمين الصخرة.
والمعراج لم يكن بالبراق كما يتوهم البعض، بل إن البراق بقي مربوطاً بالحلقة خارج باب المسجد حيث يربطه الأنبياء من قبل... أما المعراج الذي نصب من بيت المقدس إلى السماء فهو شبيه السلم أو درج تعرج فيه الأرواح إذا قبضت، وهو من أمر الغيب، جاء في بعض الآثار أنه يعاينه المرء عند الموت فيشخص إليه بصره. وفي وصفه جاء عند أهل العلم: (فوضعت له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب، حتى عرج هو وجبريل، وأنه منضد باللؤلؤ، عن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة). (فتح الباري 7/208)
ويذكر الإمام الطبري (15/14) قوله عليه السلام: (لما فرغت مما كان في بيت المقدس أُتي بالمعراج ولم أر شيئاً قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حُضِر، فأصعدني صاحبي فيه (أي جبريل) حتى انتهى إلى باب من الأبواب، يقال له: باب الحفظة).
وفي طريق عودته صلى الله عليه وسلم من السماء حل ثانية بأرض الإسراء في البلدة المقدسة بيت المقدس، ليعاود ركوب البراق متجهاً به صوب مكة المكرمة، فالمسجد الأقصى كما كانت فيه بداية المعراج ففيه نهايته. وكما كان المسجد الأقصى غاية الإسراء فمنه عودته، وأكرم بذلك من مسجد!!.
ـ يا واصف الأقصى أتيت بوصفه:
ولا تنتهي أحداث الإسراء و المعراج عند هذا الحد الذي غلب عليه الجانب الإيماني المحض المتعلق بقدرة الله سبحانه وتعالى على ما يريد ويشاء.
لكن قريشاً لما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة وأخبرها بما أكرمه الله به رأت في حادثة الإسراء والمعراج فرصة للتكذيب ولإثارة الشكوك في نفوس المؤمنين، إذ عجزت عقولهم عن استيعاب المعجزة، فكان مما قالوه له:
يا محمد صف لنا بيت المقدس، كيف بناؤه وهيأته وقربه من الجبل؟ - وفي القوم من سافر إليه -.
وكان ذلك الموقف شديداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي رواية مسلم (1/156): (لقد رأيتُني في الحِجْر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أُثبتها، فكربت كرباً شديداً ما كربت مثله قط. قال: فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألونني عن شيء إلا أنبأتهم به). وعند البهقي في الدلائل (2/355-357) وعند البزار (53 كشف الأستار): (فذهب ينعت لهم: بناؤه كذا وهيأته كذا وقربه من الجبل كذا... ثم قالوا: فكم للمسجد من باب؟ ولم يكن عدها، فجعل ينظر إليه ويعدها باباً ويعلمهم، وأبو بكر رضي الله عنه يقول: صدقت، أشهد أنك رسول الله. فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب).
وفي هذا يقول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله مادحاً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذاكراً طرفاً من صلته عليه السلام بالمسجد الأقصى:
يا واصف الأقصى أتيت بوصفه **
** فكـأنـك الرسّـام والبنـاء
الفتـح الإسلامي الأول
لبيت المقدس (1)
ـ تمهيد
يعتبر كتاب (فتوح الشام) لأبي عبدالله محمد بن عمر الواقدي، المتوفى سنة (207) للهجرة، من أوسع الكتب التاريخية التي تحدثت عن غزوات المسلمين لبلاد الشام في عهدي الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بإسهاب وتفصيل.
ومما لا شك فيه أن هناك كتباً في التاريخ أوثق من ناحية الرواية، وأحفظ من جهة السند، إلا أن الواقدي في تاريخه (فتوح الشام) يبقى هو الأوسع والأبسط والأقرب إلى النفس من حيث التصوير الفني، والتعامل مع العواطف، والحديث عن المشاعر.
ـ فتوح بيت المقدس عند الواقدي:
وفي فتوح بيت المقدس عند المؤرخ الواقدي تمتزج ولا شك العواطف بالحوادث، ويتحول سرد الوقائع إلى شريط من الصور ناطق ملوّن، حتى لكأن القارئ يعيش الحدث لحظة فلحظة، وجزءاً فجزءاً، ابتداء من ساعة الصفر وحتى نهاية القصة.
ولذلك فسوف نعول على هذا الكتاب كثيراً في إيراد قصة الفتح الأول لمدينة المقدس.( فتوح الشام 1/229).
وإذا كان فتح دمشق ثم حمص ـ وهما أعظم مدينتين سياسياً وتجارياً ـ قد هز وجود الروم في بلاد الشام هزاً عنيفاً، فإنهما قد مهدا لفتوح بيت المقدس أهم مدينة دينية للمسيحية في الشرق على الإطلاق.
ـ أبو عبيدة ابن الجراح ومشاورة القادة:
وفي أول الأمر تردد أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه القائد العام للمسلمين في بلاد الشام، بين التوجه من دمشق بل تحديداً من الجابية ـ التي اتخذت قاعدة لتجمع الجيوش الشامية ـ إلى قيسارية، أو الانطلاق نحو بيت المقدس.؟؟
فجمع مجلس مشورته وسألهم: أشيروا عليّ بما أصنع وأين أتوجه، فقال معاذ بن جبل: اكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فحيث أمرك فسر واستعن بالله.
وقد جاء رد عمر رضي الله عنه كما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالله عمر بن الخطاب إلى عامله بالشام أبي عبيدة، أما بعد:
فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه، وقد ورد عليّ كتابك وفيه تستشيرني في أي ناحية تتوجه إليها، وقد أشار ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقصد علياً رضي الله عنه) بالسير إلى بيت المقدس، فإن الله يفتحها على يديك. والسلام عليك.
ـ التوجه نحو بيت المقدس:
وهكذا بدأ أبو عبيدة بالتخطيط والتحضير لفتح بيت المقدس وهو يعلم يقيناً أنها ليست سهلة المنال، وأن الروم لن يفرطوا بها دون جولات وجولات...
فدعا بخالد بن الوليد ـ سيف الله المسلول ـ وعقد له راية على خمسة آلاف فارس من خيل الزحف، وسرحه إلى بيت المقدس.
ثم دعا بيزيد بن أبي سفيان وعقد له راية على خمسة آلاف، وأمره أن يلحق بخالد في اليوم الثاني لرحيل خالد.
ثم دعا شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقد له |