رسالة في السنة والبدعة
و
جواز قراءة القرآن على الميت
إعداد:
الشيخ: عبد الله نجيب سالم
الباحث العلمي بالموسوعة الفقهية
هناك نقص تحرير مسألة: متى يكون الترك حجة في التحريم؟
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الشاملان الدائمان على سيد الخلق وحبيب الحق، محمد بن عبد الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام الهداة المهتدين، وقائد الغر المحجلين. ورضي الله عن الصحابة الطيبين الطاهرين الذين آزروا نبي الله r ونصروه في ساعة العسر واليسر والمنشط والمكره، وعن آل بيت النبي r المكرمين الذين قال الله فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب: 33].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخيرَ الهدي هدي سيدنا محمد r، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ومعلوم أن كل ضلالة هي وصاحبها في النار.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا {70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70- 71] صدق الله العظيم.
اعلم أخي المسلم، وفقني الله وإياك لمرضاته واتباع شريعته: أن الأحكام الشرعية في المسائل التعبدية وغيرها إنما محلها علم الفقه الذي هو الفهم العميق الواعي للنصوص الشرعية، والذي في مضماره ومجاله يتنافس العلماء في إبداء أفهامهم والإدلاء بآرائهم بنية خالصة واجتهاد دقيق، حتى يجنوا ثمار هذا الجهد ويحصدوا محصوله على شكل أحكام مستنبطة في الواجب والحرام، والمسنون والمكروه، والمباح.
وليس لعوام المسلمين ومن ليس في مرتبة المقدرة على الخوض في هذا الميدان، ليس لهم أي حق في التعدي على حدوده أو انتهاك حرماته، بل الواجب المتعين على عامة المسلمين أن يعودوا في تعرّفهم الحكْم إلى أهل الذكر كما قال الحق جل في علاه: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل: 43]، فإذا عادوا إليهم أفهموهم ما لم يفهموا، وبينوا لهم ما لم يعلموا، وأزالوا لهم اللَّبس عما أشكل عليهم، وساروا بهم على مَحَجة بيضاء وحنيفية سمحاء، فوصلوا بهم ـ بتوفيق الله ـ إلى بر الأمان وجنة الرضوان.
وإن من أكبر الأخطار وأعظم الأضرار أن يقتحم في المسائل العلمية من ليس أهلاً لها أو كفواً لتحمل مسئولياتها، فذلك هو الهلاك المبين والخسران المشين.. ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه..
وسنقدم أمام بحثنا هذا في بيان حكم قراءة القرآن على الأموات وهل يصل ثواب تلك القراءة أم لا، سنقدم بعدّة فصول تكون ممهِّدة ومهيِّئة له.
فصل: أقسام المسائل الشرعية بحسب الاتفاق عليها والاختلاف فيها
المسائل الشرعية عموماً على ضربين: إما متفق عليها وإما مختلف فيها.
فأما المتفق عليها فهي التي لا يخالف فيها أحد، ولا تخفى على أحد، وليس فيها مزيد لأحد، ولا يستطيع أن يدعي فيها الإصابة أحد دون أحد، بل هذا الضرب من المسائل ليس محل خلاف ولا اختلاف، ولا نزاع ولا تنازع، بل هو مما صح فيه وصف الإجماع، وصح في مخالفه وصف الشذوذ والخروج على الجماعة حيناً أو على الدين كله أحياناً.
ومثال ذلك: أركان الدين، كالشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج، وبر الوالدين، واستقبال القبلة، ففي فرضية هذه المسائل وأشباهها إجماع واجتماع، لا اختلاف فيها ولا خلاف، بل من خالف في ذلك فقد كفر من حيث كونها معلومة من الدين بالضرورة لكل مسلم.
ومثال ذلك أيضاً: حل البيع والتجارة، وحل المرأة المسلمة لزوجها المسلم، وحل المال الحلال لصاحبه، وحل الطعام في غير نهار رمضان، وحل السفر، ونحو ذلك من المباحات التي أجمعت الأمة ـ ممثَّلة في علمائها ـ على حل ذلك وإباحته، فمن أنكر من إباحة ذلك شيئاً دون سبب زائد فقد حرّم ما أحل الله، وذلك كتحليل ما حرم الله. كيف لا وقد قال الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التحريم: 1]، (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ {116} مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل: 116- 117].
ومثال ذلك كذلك: تحريم الربا والزنا ونكاح المحارم ونشوز الزوجة بلا سبب، وظلم الرجل زوجته وعقوق الوالدين وموالاة الكفار ومعاداة المؤمنين، وغير ذلك مما هو محرم قطعي التحريم وردت الدلائل فيه صريحة واضحة لا لَبس فيها ولا غموض، فلم يكن ثمة مناص لأحد أن يحيد عن تحريمها بعد أن حرمها الله، حتى لا ينتهك حرمات الله ويتجرأ على محارمه: «ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه»، «إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله».
وأما الضرب الثاني من المسائل الشرعية فهي المسائل المختلف في حكمها:
والاختلاف إنما يكون مع عدم ورود نص صريح، أي بتعبير الفقهاء: عند عدم ورود نفي قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فأما مع وروده فقد اتفق كل أهل الإسلام على أنه (لا اجتهاد في مورد النص). فأما إذا لم يكن في المسألة نص صريح صحيح بل كان ثمة نص صحيح غير صريح؛ كآية عامة، أو نص صريح غير صحيح كحديث ضعيف، أو كان في المسألة نصان ظاهرهما التعارض وهما في قوة واحدة، فمن هنا ينشأ الخلاف في الرأي وتتعدد أقوال العلماء في المسألة.. فترى قائلاً منهم يقول بوجوب أمر، بينما ينص الآخر على أنه مستحب لا واجب، وترى عالماً ينهى عن أمر ويحكم بتحريمه بينما عالم آخر لا يكاد يشدد في تحريمه مثل الأول، بل يكرهه كراهة تنزيهية مثلاً، وترى وترى...
وإذا دققنا النظر في أسباب هذا الاختلاف وجدناه طبيعياً أولاً، ومفيداً ثانياً. فأما كونه طبيعياً فلأنه نشأ من احتمال الأدلة لكل الأفهام، ولا ضير على أحد أن يفهم ما يحتمله النص ما دام فهمه مدعماً بأدلة أخرى من نصوص عامة أو أحاديث غير قوية أو دلائل لغوية أو قرائن وافية أو نحو ذلك... فمن ذا الذي يدعي لنفسه الحق في الحجر على أفهام العلماء، ومن ذا الذي يبلغ به الغرور إلى درجة نبذ المخالفين به بأوصاف يعود وزرها عليه .
وأما كون الخلاف مفيداً فلأنه يمدنا بثروة علمية مبنية على آراء عديدة مستنبطة من أدلة شتى، فهو يثري الفقه ويوسع أفق العالم ويؤنس الباحث في غمرة بحثه عن الأصح والأوجه، كما أن من فائدته أن يكتب الأجر لكل عالم أدلى بدلوه وشارك بفهمه، حتى ولو لم يكن مصيباً فيه، مصداقاً لقول المصطفى r: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر».
وتكاد تكون المسائل المختلف فيها في الشريعة أكثر من المسائل المتفق عليها، وما ذلك إلا لأن المسائل المختلف فيها إنما هي فرعيات لأصول ثابتة. ومعلوم كثرة الفروع وزيادتها على الأصول، ومعلوم عدم التضرر من الخلاف فيها كما لو جعل الخلاف في الأصول ولكن ــ قبل أن نسوق أمثلة على المسائل المختلف فيها ــ نحب أن ننبه إلى أمرين اثنين مهمين:
أولهما: أن المسلم إن استطاع أن يخرج من خلاف العلماء في مسألة ما، بجمع الأقوال دون تضاد، فمن المستحب له ذلك، وقد درج على ألسنة الفقهاء كلام لطيف هو: (ويستحب فعل كذا أو ترك كذا خروجاً من الخلاف).
ثانيهما: أن المسائل المختلف فيها على كثرتها ولكونها فرعية لا تؤثر في أصل الدين ولا تهدم شيئاً من أركانه، ومن ضيق الأفق أن نتصور خلاف ذلك. لذلك فإن الأمة على مر الزمن وتطاول السنين نظرت نظرة ارتياح وافتخار إلى تراثها الفقهي، وحافظت عليه وزادت فيه، واعتبرت ذلك ديناً وخيراً، وفضيلة وعلماً، فالاجتهاد باب مفتوح لكل قادر على متطلباته. ونعود بعد هذين التنبيهين إلى ضرب الأمثلة على المسائل المختلف فيها فنقول:
مثال ذلك: الاختلاف بين إيجاب صلاة الوتر واستحبابها، والاختلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق أو استحبابهما، وبين وجوب الزكاة في الحلي المباح وعدمه، وبين القنوت في الفجر وتركه، وبين وجوب الحج على الفور أو على التراخي، وبين تكفير تارك الصلاة عمداً بسبب الكسل لا الإنكار وبين تفسيقه، ونحو ذلك مما لا يخفى على متعلم.
ومن المسائل المختلف فيها: مسألة جواز قراءة القرآن بنية هبة ثوابها إلى الميت بفروعها.
فصل: أثر كون المسائل المختلف فيها من الدين
وينبني على كون المسائل المختلف فيها من الدين ومن لب الفقه ومن أصل الشريعة عدم جواز اعتبار ما خالف فيه أحد من العلماء عالماً آخر بسبب نتائج الاجتهاد في تلك المسائل ـ بدعةً منكرة يدخل صاحبها في عداد المبتدعة المرذولين، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً
فمن المعلوم أن البدعة هي من أشر الأعمال وأقبحها عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين، وقد ورد النهي عنها بحزم وجزم وتشديد وتهديد: «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وجعل النبي صلى الله عليه وسلم بديلاً طيباً لأمته وأتباعه عن الابتداع، وهو الاتباع: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» وأمرنا جميعاً بالتمسك بذلك وبالحرص عليه: «عضوا عليها بالنواجذ».
ولكننا نفهم من تعريف البدعة حسب ما قاله العلماء ـ وهي: طريقة في الدين محدثة، يراد بها الزيادة على الشرع أو إبطال ما جاء به ـ نفهم من ذلك أن البدعة تعني سلوك طريق آخر غير طريق الله ورسوله وأئمة الدين الذين هم حملة الكتاب والسنة وملاذ الخلق في حل المعضلات.
ومن هنا فإن ما يجب التذكير به في باب البدعة المذمومة القبيحة أمور:
أولها: أن كثيراً من العلماء قسموا البدعة من حيث المفهوم اللغوي (وهي الشيء الحادث) إلى قسمين: بدعة مذمومة، وبدعة محمودة. واعتبروا لكل قسم أمثلة واضحة. فمن البدع المذمومة: اتخاذ صلاة معينة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو الزيادة في الأذان بما لم يرد به الشرع، أو عادة التبرج القبيحة في النساء، أو عادة شرب الدخان في الرجال والنساء على السواء، أو بدعة الحكم بغير ما أنزل الله، أو بدعة موالاة الكفار من الإنكليز والأمريكان والروس وغيرهم، أو بدعة انتشار الأغاني والملاهي وإشغال الناس بها ليل نهار، أو بدعة منع أهل العلم من الوعظ والتعليم في المساجد بغير عذر، أو بدعة تمييز المسلمين بعضهم عن بعض بحسب اللغة أو اللون أو الموطن.
ومن البدع المستحسنة: جمع القرآن وبناء المدارس وترتيب الرواتب للعاملين في المساجد من أئمة ومؤذنين وغيرهم، وأخذ الأجر على القضاء والإمارة، وإنارةُ المساجد، وجمع الناس على التراويح، ونحو ذلك مما يدخل في عموم اجتماع الأمة على أمر: «سألت الله عز وجل ألا يجمع أمتي على ضلالة، فأعطانيها..»، خاصة أن عمر t قال لما رأى اجتماع الناس للتراويح وراء إمام واحد: (نعم البدعة هذه).
وقد أشار رسول الله r إلى ذلك في حديث عام الدلالة: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». ويدخل في عموم قول ابن مسعود t الذي قال عنه رسول الله r: «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد»، فقد قال ابن مسعود: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن).
ثانيها: أن الأمور الخلافية ـ خاصة تلك التي قال بها علماء السلف الصالح واختلفوا في آرائهم بصددها ـ لا يجوز وليس من الدين إدخالها في زمرة البدع المستقبحة. وإلا لكان هؤلاء الذين خالفوا غيرهم، ـ وكلهم من أهل القرون المفضلة ـ قد أدخلناهم دون أن ندري في حشود الضلالة وسقناهم إلى النار، وحاشا لله أن نقول ذلك.
فالحق كل الحق في مثل تلك المسائل أن ينظر فيها بتجرد ونزاهة، حتى إذا استقر رأي المجتهد فيها على شيء قال: هذا رأيي وهو أَحسن ما أُحسن وأدين الله به، ولغيري أن يجتهد، وليس من حقي أن أحجر عليه شيئاً من ذلك، وإذا توصل غيري إلى غير رأيي فله أن يتبعه فإن ذلك شأنه، وذلك ما توصل إليه بجهده، وهو بحسب ما هو عليه مصيب، وأنا بحسب ما أنا عليه مصيب، والله سبحانه وتعالى يثيب كلاً على نيته ويتقبل من كلٍّ عمله.
أما موضوع الحب والبغض في الله فذلك أمر لا علاقة له بالخلاف في الفقه والفروع والمسائل الاجتهادية، بل إن الواجب المتيقن على كل مسلم أن يبذل المحبة والإخوة لكل مسلم ولو لم يكن متفقاً معه في بعض الفروع والمسائل. فالحب في الله هو الأرض المباركة التي تُقل كل المسلمين، وهو السفينة المبحرة بهم في بحر الظلمات، وهو الهواء النقي الذي يمدهم بسرّ السعادة.
إن البدعة التي يذم صاحبها ويتوعد بأشد الوعيد ويستحق منا البغض والكراهية..، هذه البدعة التي هي محض ضلالة وافتراء على الله وعلى دينه فيما أحل وحرم، هي بعيدة كل البعد عن معنى الاجتهاد ونتائجه، وجهود الفقهاء وثمراتها. فالعاقل والعالم يقف عند هذا الحد الذي لا يخلط فيه الحق بالباطل، ولا الحدود الشرعية بالشهوات الشيطانية.
وكم من قوم سخر منهم الشيطان ولعبت بهم الأهواء وزاغت منهم الأبصار عندما نظروا إلى رأيهم فتعصبوا له، وإلى رأي غيرهم فمقتوه. وذلك فيما لا دليل لديهم على إثبات الصواب المحض الذي لا تشوبه شائبة. ورائد الجميع من علماء المسلمين هو رضوان الله بعيداً عن سخطه، وبحثهم دائماً عن الحق لا التعصب.
فصل: سبيل الحكم على المسائل المستجدة
من المعلوم أن كثيراً من المسائل إما جدّت بالكلية بعد عهد النبي r أو تغير وجه بعض الأمور فيها من بعده r. وهذه المسائل بعضها توابع من التعبديات وبعضها من المعاملات تحتاج إلى وقفة منا قصيرة. فمثلاً: سهم المؤلفة قلوبهم، وأرض السواد المفتوحة عنوة بالجهاد، وجمع الحديث النبوي الذي نهى عنه النبي r بادئ ذي بدء، وزيادة حد شارب الخمر، كل ذلك مسائل كانت على عهد النبي r بصورة محددة، ثم طرأت في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ظروف وملابسات دفعتهم إلى إعادة النظر في جوانب منها ولم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام تغير الأحوال. فمثلاً: لما قويت شوكة الإسلام أوقفوا سهم المؤلفة قلوبهم واستغنوا عن مجاملتهم وإعطائهم لكسب ودهم، ولما كان توزيع أرض السواد ـ وهي من ضمن الغنائم ـ يضر بالمسلمين عامة ويؤدي بالمجاهدين خاصة إلى ترك الجهاد والانشغال بتدبير شئون الأملاك امتد بهم النظر إلى ضمها إلى خزينة الدولة وتقسيم عائدها على المسلمين أجمعين، ولما استقر شأن القرآن ولم يعد يخشى عليه من الاختلاط بالحديث، وظهر الكذابون الذين يدسون في حديث رسول الله r على الرغم من النهي الصريح عن كتابته، وفهموا كيف أن النهي كان لعلة فلما زالت معه زال النهي. ولما استمرأ الناس شرب الخمر وفشَت فيهم عادة الاستهتار بحده الأصلي الذي هو أربعون جلدة اتفقت الكلمة على رفعه إلى ثمانين جلدة ليكون أردع وأرهب.. وهكذا كان الفقه في أصحاب رسول الله r بعيد النظر صائب الوجهة، باحثاً عن الهدف المنشود، حتى ولو تغيرت بعض الصور التي كانت عليها مسائل في عهد النبي r.
وإذا كانت تلك المسائل أمثلة على ما تغير بعد النبي r فإنا نستطيع أن نعد كثيراً من المسائل التي حدثت في عهد الصحابة رضوان الله عليهم مما لم يكن له وجود في عهده r، ومع ذلك لم يقفوا مكتوفي الأيدي لا يهتدون سبيلاً، و لم يقولوا: هذا أمر لم يفعله النبي r فنحن لا نبيحه، أو لم يعتبروا حدوثه في عهدهم والبحث له عن حكم شرعي ووضع سوي بدعةً من البدع التي يشنَّع على صاحبها.
ومن ذلك زيادة أذان ثالث لصلاة الجمعة قبلها، لما توسعت المدينة المنورة في عهد عثمان t وانشغل الناس بالتجارة والأسواق مما استدعى زيادة التنبه والإيقاظ للنفوس. ومنها تحديد أجر (راتب) كاف للخليفة لقاء تفرغه لأعمال الخلافة كما فعلوا حينما ألزموا أبا بكر الصديق t بترك تجارته والقعود للمسلمين ولمصالحهم. وكما فعل عمر بن الخطاب t عندما دخل المسجد فوجد الناس في صلاة التراويح أوزاعاً متفرقين فجمعهم النساء على إمام والرجال على إمام حتى توحدت جماعتهم وقال: (نعم البدعة هذه). وكما فعل أبو بكر الصديق t عندما جمع القرآن الكريم بين دفتين مكتوباً، وهو أمر لم يَرُق في بدايته لكثير من الصحابة واعتبروه جديداً لم يكن على عهد النبي r، ولم يفعله، ثم وافقوا بعد أن هداهم الله للحق وشرح صدورهم له.
إذن ــ وهذا مهم جداً لكل مسلم ــ فالأمور التي لم تكن على عهده r بالكلية بل ظهرت بعده، ليس ثمة دليل على تحريمها ابتداء لمجرد كونه r لم يفعلها، بل إنها تحتاج إلى بحث وتمحيص، فإن تحقق وجه المصلحة فيها وكانت مما يؤيد الدين ويشد أزره، ويدعو إلى الحق ويعضده، ويزيد في الإيمان ويثبته قلنا بجوازها أو باستحبابها، من حيث إنها توصل إلى خير وتهدي إلى بر وتؤدي إلى حق... وليس في إثبات فضلها ورجاء الخير لفاعلها أي تعارض مع قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3]، ولا مع قوله سبحانه (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21]، ولا مع قوله r: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» لأن هذه المسائل والأمور هي أشبه ما تكون بالأمور تلك التي جدت على عهد الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي r<span lang="AR-SA" style="fon |