علم الحساب
مما لاشك فيه أن علم الحساب علم سابق على ظهور الإسلام، بل هو علم مغرق في القدم، حيث إن لفافات البردي ـ التي كشفت كيف كان المصريون القدماء يجرون عمليات الحساب ـ ترجع إلى ما قبل الميلاد بحوالي ألفي عام ..
كذلك عرف البابليون والإغريق والهنود المتواليات الحسابية وغيرها مما يتعلق بعلم الحساب.
أوائل علماء الحساب المسلمون:
فإذا ما جئنا إلى العصر الإسلامي وجدنا أن محمد بن موسى الخوارزمي كان أول من كتب في الحساب الهندي حوالي عام (825) م، ووضع كتابه في الجمع والتفريق، ثم جاء من بعده أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي المتوفى عام (1037) م فسطر كتابه (التكملة) في الحساب.
ولعل مما بقي لنا من الكتب المذكورة في الحساب كتاب ( ما يحتاج إليه الكتاّب والعمال من صناعة الحساب) لأبي الوفاء البوزجاني وهو من علماء القرن العاشر الميلادي. وقد وضعه مؤلفه لموظفي الدولة ليعلمهم القواعد الصحيحة لإجراء العمليات الحسابية.
كما يذكر أنا أبا بكر بن الحسن الكرجي المتوفى عام 1019م ترك لنا كتاباً في الحساب هو (الكافي في الحساب) وقد شرح كتابه هذا محمد بن علي بن أحمد الشهرزوري في كتابه (الشرح الشافي لكتاب الكافي) وكذلك يذكر كتاب (الكافية) لأحمد بن علي بن عمر بن صالح الأربلي.
الحساب حسابان عند العرب:
ويقول الدكتور أحمد سعيد سليمان في بحثه (علم الحساب عند العرب) المنشور في مجلة عالم الفكر (المجلد الثاني العدد الأول 1971): وتدل المخطوطات على أن الموروث الحسابي الذي تناوله المسلمون ممن سبقهم قبل عهد الترجمة كان نظامين لا واحداً.
أحدهما: سماه العرب حساب المنجمين، لأنه كان يقتصر استعماله على الفلكيين، كما سموه حساب الزيح، وحساب الدرج والدقائق.
أما الآخر: فقد كان اسمه علم الحساب بدون تمييز. ولكن حيث يلزم التمييز يسمونه حساب اليد، أو الحساب الهوائي، أو حساب العقود، أو حساب الروم والعرب.
القرآن الكريم والحساب:
ولا شك أننا ونحن نتكلم عن علم الحساب نذكر جيداً كيف كان للقرآن الكريم دور كبير في توجيه النظر وبعث الهمم نحو معرفة هذا العلم والتوسع فيه، وذلك ابتداء مما يلزم الناس أجمعين من عد الليالي والسنين، يقول سبحانه: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً}(الإسراء/12).
كما ذكرنا الله سبحانه في كتابه بمثال من الحساب حيث قال في حق من وجب علي فداء دم فلم يتمكن منه: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}(البقرة/196).
تعريف علم الحساب:
كما أننا لا بد وأن نعرج على تعريف علم الحساب بحسب ما قاله فيه العلماء من قبل.
قال صديق بن حسن القنوجي في (أبجد العلوم): علم الحساب هو علم بقواعد تعرف بها طرق استخراج المجهولات العددية من المعلومات العددية المخصوصة من الجمع والتفريق والتضعيف والضرب والقسمة. والمراد بالاستخراج معرفة كمياتها.
وقال: ومنفعته ضبط المعاملات وحفظ الأموال وقضاء الديون وقسمة المواريث والتركات وضبط ارتفاعات الممالك (أي خراجها) وغيُر ذلك. ويُحتاج إليه في العلوم الفلكية وفي المساحة والطب. وقيل: يحتاج إليه في جميع العلوم بالجملة، ولا يستغني عنه مَلِك ولا عالم ولا سوقة. وزاد شرفاً بقوله سبحانه وتعالى: {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (الأنبياء/47) وبقوله تعالى {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}(الإسراء/12) وقوله تعالى{فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ} (المؤمنون/113).
ولذلك ألف فيه الناس كثيراً، وتداولوه في الأمصار بالتعليم للولدان.
ومن أَحْسنِ التعليم عند الحكماء الابتداءُ به، لأنه معارفُ متضحة، وبراهينه منتظمه، فينشأ عنه في الغالب عقل مضيء يدل على الصواب. وقد يقال: إن من أخذ نفسه بتعلم الحساب أول أمره يغلب عليه الصدق لما في الحساب من صحة المباني ومنافسة النفس، فيصير له ذلك خلقاً ويتعود الصدق، ويلازمه مذهباً.
من مسائل علم الحساب:
ويشرح ابن خلدون في (المقدمة) العمليات الأولية الكلية للحساب، وهي الجمع والضرب والطرح والقسمة، فيقول عن علم الحساب: وهي صناعة عملية في حسبان الأعداد بالضم والتفريق.
فالضم يكون في الأعداد بالأفراد وهو الجمع، وبالتضعيف ـ أي يضاعف عدد بآحاد عدد آخر ـ وهذا هو الضرب. والتفريق يكون في الأعداد: بالإفراد، مثل إزالة عدد من عدد ومعرفة الباقيوهو الطرح. أو تفصيل عدد بأجزاء متساوية تكون عِدتّها محصِّلة وهو القسمة.
ثم يعرج ابن خلدون رحمه الله على تعريف الكسر فيقول: ومعنى الكسر: نسبة عدد إلى عدد، وتلك النسبة تسمى كسراً.
وشرح كلامه: أن نسبة الواحد إلى الأثنين هي النصف: فالنصف يسمى كسراً، وهكذا.
وقد عرف المسلمون التعامل بالكسور قديماً في جميع العلميات الحسابية، كما عرفوا ذلك بالنسبة للأعداد الصحيحة. يقول ابن خلدون: سواء كان هذا الضم ـ أي من جمع وضرب ـ أو التفريق ـ أي من طرح وقسمة ـ في الصحيح من العدد أو الكسر.
وتطول مسائل علم الحساب. ولا تخلوا من طرافة ودهشة. فلتنظر في مظانها ومواطنها.
السبق الإسلامي في علم الحساب:
ويشترك مع علم الحساب في كونه أحد العلوم العددية، علم تفرد المسلمون باختراعه لم يسبقوا إليه من قبل وكان اكتشافهم له فتحاً كبيراً في مضمار التطور. وهو علم (الجبر والمقابلة).
وقد عرفه القنّوجي بقوله: هو من فروع علم الحساب، لأنه علم يعرف به كيفية استخراج مجهولات عدديةٍ بمعادلتها لمعلومات مخصوصة على وجه مخصوص.
ومعنى الجبر: زيادة قدر ما نقص من الجملة المعادلة بالاستثناء في الجملة الأخرى لتتعادلا.
ومعنى المقابلة إسقاط الزائد من إحدى الجملتين للتعادل.
قال ابن خلدون: وأول من كتب في هذا الفن أبو عبد الله الخوارزمي، وبعده أبو كامل شجاع بن أسلم، وجاء الناس على أثره فيه، وكتابه في مسائله الست من أحسن الكتب الموضوعة فيه، وشرحه كثير من أهل الأندلس فأجادوا، ومن أحسن شروحاته كتاب القرشي.
وقال في (مدينة العلوم): ومن الكتب المختصرة فيه (نصاب الجبر) لابن خلوس المارديني ( والمفيد ) لابن المحلي الموصلي، ومن المتوسطة كتاب (الظفر) للطوسي، ومن المبسوطة (جامع الأصول) لابن المحلي.
علم المواريث والفرائض:
وإذا كان ضبط المعاملات وحفظ الحقوق وقضاء الديون أحد فوائد علم الحساب، فإن للمسلمين علماً خاصاً بهم يتعلق بعلم الحساب، لا يشاركهم فيه أحد سواهم، نبع من دينهم وصب في حياضهم. وهو علم حساب الفرائض والمواريث، وهو: معرفة فروض الوراثة، وتصحيح سهام الفريضة مما تصح باعتبار فروضها الأصول أو مناسختها.
وفي علم المواريث والفرائض تمتزج الأحكام الفقهية المستنبطة من الكتاب والسنة والقياس والإجماع بعلم الأعداد والكسور، وعمليات الضم والتفريق، والنظر في موافقة الأعداد للأصل ومخالفتها له.
وانظر على سبيل المثال كيف صرّفت الآيات حصص الورثة في مثل قوله سبحانه وتعالى: { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} إلى آخر الآية من سورة النساء (11) مع قريناتها من آيات أخر في نفس الموطن وغيره .. انظر إليها تجد أن عملية تقسيم التركات وبيان حقوق الورثة تعلقت بعلم الحساب تعلقاً واضحاً، وأحوجت المسلمين إلى وضع علم خاص بها.
يقول ابن خلدون عن علم الفرائض: وهي صناعة حسابية في تصحيح السهام لذوي الفروض في الوراثات إذا تعددت وهلك بعض الوارثين وانكسرت سهامه على ورثته، أو زادت الفروض عند اجتماعها وتزاحمها في المال كله ، أو كان في الفريضة إقرار أو إنكار من بعض الورثة دون بعض، فيُحتاج في ذلك كله إلى عمل يُعيّن به سهام الفريضة إلى كم تصح، وسهام الورثة من كل بطن مصححا،ً حتى تكون حظوظ الوارثين من المال على نسبة سهامهم من جملة سهام الفريضة. فيدخلُها من صناعة الحساب جزء كبير من صحيحه وكسوره وجذوره ومعلومه ومجهوله.. وهي من أجلّ العلوم.
كتب علم المواريث:
ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الفقه في باب الفرائض والمواريث عن الإشارة إلى القواعد العامة لعلم حساب الفرائض ولعل بعض الفقهاء قد أفرد ذلك بالتأليف لأهميته.
يقول القنوجي: وللناس فيه تآليف كثيرة، أشهرها عند المالكية من متأخري الأندلس كتاب ابن كثير، ومختصر القاضي أبي القاسم الحوفيّ ثم الجعديّ. ومن متأخري أفريقية ابن النمر الطرابلسي وأمثالهم. وأما الشافعية والحنفية والحنابلة فلهم فيه تآليف كثيرة وأعمال عظمية شاهدة لهم باتساع الباع في الفقه والحساب.
وكيف لا يكون الأمر كذلك. وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على حفظ الفرائض وتعلمها وتعليمها بقوله: " تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول علم ينسى وقال : وهي نصف العلم "(رواه الحاكم وابن ماجه عن أبي هريرة).
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة