مجموعة علوم شتى
قدمنا فيما مضى علوماً في الإسلام متعددة، كنا نفرد فيها كل علم بحديث خاص. إلا أننا في ختام هذه العجالات نود أن نختم العلوم تلك بنبذ سريعة عن علوم شتى لا يسعنا المقام بإفرادها على حدة لأسباب عديدة.
1ـ علم الحيوان:
وقد كتب المسلمون في عالم الحيوان كتابات عديدة تناولت أنواعه وأصنافه وفوائده وأحكامه وخصائصه وعاداته ومواطنه ومواسمه وقصصه وأدبه.
قال في (أبجد العلوم): علم الحيوان علم باحث عن أحوال خواص الحيوانات وعجائبها ومنافعها ومضارها.
وموضوعه: جنس الحيوان البري والبحري والماشي والزاحف والطائر وغير ذلك.
والغرض منه: التداوي، والانتفاع، والاجتناب عن مضارها، والوقوف على عجائب أحوالها وغرائب أفعالها.
ومن الكتب في موضوع الحيوان: كتاب (الحيوان) للجاحظ، و(مختصره) للموفق البغدادي، وكتاب (الحيوان) لابن آبى الأشعث وكتاب (حياة الحيوان الكبرى) للشيخ كمال الدين الدميري، و(عجائب المخلوقات والحيوانات) للشيخ زكريا القزويني.
ويعتبر كتاب الدميري موسوعة إسلامية عن عالم الحيوان وعلمه. من حيث تعريف الحيوانات، وخواصها، وطبائعها، وقصصها، وحكم لحمها وتعبيرها في المنام وغير ذلك.
2ـ علم النبات والفلاحة:
فأما مايتعلق بالنبات فعلم النبات يختص في البحث عن خواص كل نوع منه، وعجائبه وأشكاله، ومنافعه ومضاره، وما يستفاد من ذلك في التداوي، ومايروى في ذلك من الأشعار والقصص.
وقد كتب فيه ابن البيطار كتابه العظيم (ما لا يسع الطبيبَ جهلُه) وكان محور حديثه حول الاستفادة الطبية من النبات. وكتاب ( النبات) لأبي حنيفة الدينوري.
وأما علم الفلاحة فقد قال عنه صاحب (مفتاح السعادة): هو علم يتعرف منه كيفية تدبير النبات من أول نشوئه إلى منتهى كماله، وبدء كونه إلى تمام نشوئه، بإصلاح الأرض إما بالماء أو بما يخلخلها ويحميها من المعفنات كالسماد والرماد ونحوها. أو يحميها في أوقات البرد مع مراعاة الأهوية.
وقال ابن خلدون: وكان للمتقدمين بها عناية كثيرة، وكان النظر عندهم عاماً في النبات من جهة غرسه وتنميته، ومن جهة خواصه وروحانيته (أي حياته).
ومن كتب الفلاحة كتاب (مختصر الفلاحة النبطية) لابن العوام، وكتاب الفلاحة واسمه الكامل ( إفلاح الأرض وإصلاح الزرع والشجر والثمار ودفع الآفات عنها ) لأبي بكر بن وحشية ، وللمتأخرين كتب كثيرة.
3ـ علم الحيل (الميكانيكا):
وقد كان لليونان كتب كثيرة فيما نسميه اليوم: الهندسة المكانيكية، وقد قام المسلمون بترجمتها تحت اسم علم الحيل.
وقد عرف المسلمون من الكتب اليونانية في الميكانيكا كتاب (عمل الآلة التي تطرح البنادق) لارشميدس، وهو أكبر عالم يوناني بالميكانيكا و(كتاب الدوائر والدواليب) لهرقل النجار، وكتاباً في (الأشياء المتحركة من ذاتها) لهيرون وكتاب (الدواليب) لمورطس.
إلا أن معرفتهم بتلك الكتب لم تقصهم عن الكتابة في هذا العلم كتابة حديثة بعين نافذة بصيرة، فألفوا الكتب في: رفع الماء ودواليب الماء، والموازين، والساعات المائية، والآلات الحربية كالمنجنيق ورمي القوس والبنادق.
وأول من اشتغل بالميكانيكا في الإسلام بنو موسى، وهم محمد وأحمد والحسن وذاع صيتهم في ذلك ولهم في هذا الفن من الكتب كتاب (الحيل) لأحمد بن موسى وكتاب (القرسطون) بمعنى القبان، وهناك في علم الميكانيكا أيضاً كتاب ابن الرزاز الجزري في معرفة الحيل الهندسية وقد ترجم إلى الإنكليزية.
4ـ علم الأحجار والمعادن:
وقد عرف المسلمون أنواع المعادن وضروب الأحجار الكريمة والجواهر، حتى قال في كتاب مدينة العلوم (المعادن سبعمائه معدن).
وقد عرّف علم المعادن بأنه: علم يتعرف منه أحوال الفلزّات من طبائعها وألوانها وكيفية تولدها في المعادن، وكيفية استخراجها واستخلاصها عن الأجزاءِ الأرضية، وتفاوتُ طبائعها وأوزانها.
ومن الكتب التي سطرها المسلمون في ذلك: كتاب (الجواهر والأشباه). ورسالة في (أنواع الجواهر الثمينة) وغيرها ورسالة في (أنواع الحجارة) وكلها للفيلسوف الكندي. وكتاب (الجواهر والخواص ، وعلل المعادن) وهما لمحمد بن زكريا الرازي. و(الجماهر في معرفة الجواهر) لأبي الريحان البيروني، وقد أهدى البيروني كتابه إلى هذا السلطان الغزنوي مورود، وكتاب (منافع الأحجار) لعطارد بن محمد و(عرايس الجواهر وأطايب النفائس) لعبد الله بن علي الكاشاني و(رسائل مختلفة) لجابر بن حيان، و(ازدهار الأفكار في جواهر الأحجار) للتيفاشي.
ويقول صديق حسن: ولا أنفع ولا أجمع من تأليف الطوسي.
5ـ علم الطب والبصريات:
وقد أضاف المسلمون إلى الطب اليوناني الذي ورثوه عنهم إضافات مهمة جداً من نواح عديدة، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا وطبّها الكَنَسِيّ في حالة يرثى لها وتثير الشفقة.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتداوي وحض على الأخذ بأسباب العلاج، بل وأثر عنه الكثير مما يتعلق بالطب الوقائي أو العلاج بالنباتات ونحو ذلك. فقد نشط المسلمون في علم الطب وكانت لنظرياتهم وتجاربهم آثار كبيرة تعتبر فتوحاً حديداً.
ولئن كان ابتداء أمر الطب ترجمتَه عن اليونانية منذ العصر الأموي حيث تُرجم كتاب أهارون الاسكندري في الطب، ثم جاءت ترجمة معظم التراث اليوناني مما نقل عن جالنيوس أو ايبوقيراط.
فقد بدأ التأليف في الطب مبكراً منذ القرن الثامن الميلادي، مثل مؤلفات حنين ابن اسحاق (المسائل في الطب، والرسائل العشرة في العين).
ولكن أشهر مؤلفي الطب المسلمين في الفترة السالفة هو الرازي، الذي كان أعظم أطباء عصره، وله ما يقارب مئتي مصنف نصفها في الطب، ومن تلك المؤلفات وأشهرها (رسالة في الجُدري والحصباء). وأهم كتبه في الطب (الحاوي).
ومن الأطباء المسلمين ابن الجزار، وأشهر أعماله كتاب (زاد المسافر) .
وقد كان لابن سينا باع طويل في الطب وهو صاحب المرجع الطبي الكبير (القانون) الذي كان دستور الطب في أوروبا قروناً عديدة، ومن الأطباء المسلمين أبو القاسم الذي كان في بلاط قرطبة وخلف وراءه (رسالة في الجراحة الطبية وآلاتها) تحتوى صوراً لتلك الآلات.
ومنهم علي بن رضوان القاهري وابن بطلان البغدادي وابن وافد الأندلسي والبيروني وابن زهر الأندلسي صاحب كتاب (التيسير) في تسهيل العلاج، وابن رشد صاحب كتاب (الكليات) الذي ضم ستة عشر عملاً في الطب.
ومن فروع الطب التي برع فيها المسلمون وسبقوا غيرهم علم البصريات وجراحة العين، فقد اشتهر الحسن بن الهيثم البصري بنظرياته الحديثة في البصر، وترك مؤلفات قيمة في ذلك. كما كان هناك علي بن عيسى البغدادي وعمار الموصلي ولهما (رسالتان في طب العيون).
6ـ علم الترجمة والنقل من اللغات الأخرى:
وهذا العلم نشأت الحاجة إليه من واقع الاتصال بالآخرين أيا كانوا، سواء كانوا يهوداً يتكلمون العبرية، أو مجوساً ينطقون بالفارسية، أو نصارى يتخاطبون بالرومية واليونانية.
وأول عربي مسلم تعلم اللغات الأجنيبة هوالحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعلم العبرية ليأمن مكر اليهود، فتعلمها في خسمة عشر يوما،ً وكان يترجم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.
قد ذكر سبط ابن الجوزي في (مرآة الزمان) أنه كان لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه مائة غلام كل غلام يتكلم بلغة، وكان ابن الزبير يكلم كل واحدة بلغته. نقل ذلك السيد الكتاني في كتابه (التراتيب الإدارية).
وقد نص صاحب (الفهرست) ابن النديم على أن نقل الفلسفة والحكمة من اليونانية إلى العربية بدأ منذ وقت مبكر، على أيام الأمويين في عهد خالد بن معاوية، كما نوه إلى أن أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة تعريب الديوان في العراق على أيام الحجاج بن يوسف، حيث كانت الفارسية لغة في العراق والرومية في الشام.
وذكر في التاريخ أن المأمون العباسي كتب إلى ملك الروم ليسمح له بنقل ما يختار من العلوم القديمة من بلاده، فلم يجبه الملك إلى ذلك إلا بعد اقتناع، فأرسل المأمون عدداً من العارفين باللغة الرومية وهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسليمان صاحب بيت الحكمة وغيرهم. فأخذوا مما وجدوا وأمر المأمون بنقله إلى العربية.
كما يذكر ابن النديم أن ممن عني بإخراج الكتب من بلاد الروم محمد وأحمد والحسن بنو شاكر المنجم، وأنهم كانوا يرزقون جماعة من النقلة أن يدفعون لهم رواتب في الشهر نحو خمسائة دينار للنقل والملازمة.
ومن أشهر النقالة (المترجمين) من الفارسية ابن المقفع، وآل نوبخت، ويوسف وموسى ابنا خالد، وعلي بن زياد التميمي والحسن بن سهل، والبلاذري.
ومن نقلة الهند والنبط منكه الهندي وابن وحشية.
وختاماً:
ففي نهاية هذه الفصول نذكّر بأن ما مر معنا حول علوم الحضارة الإسلامية لم يكن إلا غيضاً من فيض، وقطرة من بحر، ونحن لم نقدم بما يكن أن نعتبره شيئاً ما عن كل شيء، بل شيئاً ما عن بعض العلوم. فأما إذا أردنا أن نتكلم في كل شيء عن كل العلوم غان ذلك كمن يريد إدخال البحر في النهر، أو إيداع الشمس في الحبس... وهيهات هيهات.
وصدق الله إذ يقول: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}.(سورة الكهف / 109)
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة