
نجمة في سماء اليمن
<< فاطمة بنت عبدالله >>
من آل البيت:
هذه سيدة فاضلة من نساء آل بيت النبوة المتأخرات مولداً. أحيت بسيرتها سيرة سابقاتها من الشريفات المطهرات من السلف الصالح.
إنها الشريفة العالمة فاطمة بن عبدالله بن الإمام المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان الحسني الحمزي من أشرف البيوت نسباً وطهراً.
كانت من خير نساء زمنها فضلاً وعلماً، عاشت ما بين القرن التاسع والعاشر للهجرة النبوية في بلاد اليمن السعيد.
ولدت في بيت أبيها عبدالله بن المطهر، وكان بيت شرف وعلم وإمارة وحكم. فتعهدها أبوها بالتعليم والتأديب، فنشأت على خير نهج وأقوم مسلك.
طلب العلم:
وكحال النابهين والنابهات من أبناء وبنات الإسلام، بدأت منذ الصغر بحفظ وقراءة القرآن الكريم، حتى أتقنته قراءة وتجويداً، وأتقنت منه حفظاً ما يقارب الثلث. من أوله إلى سورة التوبة. ولذلك كانت في حياتها مع القرآن بالدرجة الأولى لا تفارقه ولا تتركه. فكان لها ورد مستمر في أكثر أيام الأسبوع: سبعة أجزاء من القرآن الكريم، تجتهد أن لا يفوتها لأي سبب كان، ومهما اجتمعت عليها العوائق... فالقرآن غذاء ودواء، وسلوة وسلوان.
ولم تقف في تعليمها عند قراءة القرآن وحفظه، بل نشطت همتها وامتد بصرها إلى العلوم الأخرى، كالحديث والفقه والعربية والأصول.
وقد ذكر الإمام الشوكاني رحمه الله أنها قرأت كتاب "النكت" وجملة كافية في أصول الدين، وقرأت في علوم العربية في كتاب "شرح ابن هيطل".
كانت فاطمة بنت عبدالله فتاة جميلة، رائعة الجمال. ولكنها لم تكن من المغرورات بجمالها، الناسيات للخلق والأدب، بل كانت ـ كما نشأت وربيت ـ ذات أدب جم، وكمال بارع، وخصال من الصدق في القول، والإحسان في العمل، والاجتهاد في التوجه إلى الله، والقيام بالمسئوليات وتحمل الواجبات.
الزوج الإمام:
وقد تزوجها إمام اليمن المتوكلُ على الله يحيى شرف الدين، وكان عالماً صالحاً مشهوراً بحسن تصرفه وحبه للعلماء ومدارسته لهم. وكانت رغبته الدافعة إلى زواجه منها ما علمه من جمالها وأدبها وعلمها وفضلها وفي مثل تلك الصفات يتنافس المتنافسون.
وإذا كانت الشريفة فاطمة بنت عبدالله قد دخلت بيت زوجها المتوكل على الله يحيى شرف الدين، فإنها لم تلهها مغريات الدنيا ولا أبهة الإمارة ولا فضول الأموال عن حبها للعلم، وانتهازها الفرص بين الحين والآخر
لمراجعة كتبه ومدارسة أهله.
حتى إنها كانت تعارض (تذاكر) وتدارس زوجها ـ في مسائل العلم بعامة وفي أصول الفقه بخاصة. مع العلم أن مسائل أصول الفقه تعتبر من أصعب وأدق العلوم الشرعية، وقليل هم أولئك الذين يتقنونها.
وعابدة أيضا:
ولم تكن فاطمة بنت عبدالله مقصرة في العبادة، بل كان لها فيها باع طويل: من اجتهاد في الصلاة، وعكوف على الأذكار، واهتمام بقيام الليل، وحفظ للسان والجوارح عما يشينها، أو يعكر عليها صفو العبادة.
وصفها الإمام الشوكاني في كتابه "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" بقوله: وكان لها ذكاء وفطنة خارقة، مع دين صحيح وورع شحيح.
ومع ما ذكر عنها من علم وصلاح وعبادة، فإنها ـ لذكائها وحسن رأيها ـ كانت تشارك زوجها أمير صنعاء الرأي في كثير من مشاكل الحكم، وتشير عليه بما تراه في تدبير بعض الأمور، حتى كانت لزوجها في مناصحته زوجة خير، ووزير صدق، وأمين سر، وعون رأي.
من الصابرات:
وإذا ذكرت خصال هذه المرأة الشريفة فلا بد أن يذكر صبرها على ما اعتراها من آلام وأمراض وأوجاع، حيث بقيت أكثر من خمس عشرة سنة تعاني من آلام شتى، من عام 895 إلى عام 910، ومع ذلك فما عرف
عنها تأوه ولا ضجر ولا شكوى ولا تبرم. بل كانت تحمد الله على كل حال، وترضى عنه في كل قضاء، متمثلة بقول الله سبحانه: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ).
فراق الأحباب:
وقد ابتلي زوجها يحيى شرف الدين في إمارته بالسلطان عامر بن عبدالوهاب الذي امتد بصره إلى صنعاء، فما زال يعمل ويجتهد، ويجيش الجيوش، ويشن الغارات عليها، حتى استطاع أن يهزم جيش يحيى، ويدخل صنعاء حاكماً.
وفي الوقت الذي كان فيه زوج فاطمة بنت عبدالله الإمام يحيى شرف الدين في جهة كوكبان وقد اشتد قلقه على زوجته فاطمة، وأخذ يراسلها ليتدبر أمر خروجها من صنعاء، ولحاقها به، واجتماعهما بعد الفرقة، كان ينتظر فرصة مواتية ليخرجها إليه بمساعدة بعض أعوانه، لكن السلطان عامر أحس بما كان من مكاتبات بينها وبين زوجها، فمنع خروجها، وأمر ببقائها تحت الحراسة في صنعاء. بل إنه فكر في أن يستميل زوجها يحيى إليه فكتب إليه يرغبه بسكون صنعاء، ويعده بالأمان فيها، وأن لا يتعرض إليه ما دام مسالماً له مقيماً في جواره... وكأنما كان يساومه على حنينه إلى زوجته وأهله ووطنه.
وأبى يحيى هذا العرض ورفضه. وبقي هو في جهة وزوجه فاطمة الفاضلة العالمة بنت عبدالله في جهة، يعاني كل منهما فراق صاحبه ولوعة الحنين إليه والتلهف للقاه... ولكن لا سبيل إلى ذلك.
دعوة مستجابة:
وكانت فاطمة بنت عبدالله الحسني في هذه الفترة تجتهد في العبادة، ليلها ونهارها، تسأل الله السلامة من كل سوء، والخلاص لها ولزوجها من كل مكروه... حتى إذا استيأست من اجتماع شملها وخشيت على نفسها من شر أعداء زوجها، دعت الله أن يقبضها إليه... فما عاد لها في الدنيا مقام طيب.
وكانت من المشهورات باستجابة الدعاء لصلاحها ونسبها وعبادتها.
قال الشوكاني: ولما علمت بما عزم عليه عامر بن عبدالوهاب من إنزالها ووالدها عبدالله بن الإمام المطهر خال الإمام شرف الدين (زوجها) من صنعاء إلى اليمن الأسفل، ابتهلت إلى الله ورجعت إليه ليقبضها إليه، فاختار الله لها الانتقال إلى جواره عقيب ذلك.
وسرت في صنعاء أخبار وفاتها ـ وهي العالمة العابدة الشريفة المشهورة ـ فاجتمع الناس على جنازتها من كل صوب، وحملتها الأعناق والأكف إلى حمى مسجد "الوشلي" بصنعاء، فأودعتها الثرى، مغسلة بدموع المترحمين عليها.
رثاء الحبيب:
وكان أشد الناس حزناً على وفاتها وألما لفراقها زوجها يحيى شرف الدين، فقام في غربته يرثيها على بعد بقصيدة حزينة باكية مبكية، يقول فيها:
هي النفس حنت من شجاها وأنّت
ففيم تلوم العين إن هي شنت
مراجل حزن في فؤادي أوقدت
فمن فيضها تلك الدموع استهلت
وهل ينبغي لي أن أُرى اليوم سالياً
وفاطمة في باطن اللحد سُلّتِ
عقيلة آل المصطفى الطهر والتي
بكل الأمور الصالحات تحلتِ
فليدةُ قلبي، بل سويداء مهجتي
ومطلبي من كل شيء ومُنْيتي
وما فاطمٌ إلا من الحور أخرجت
لنعرف قدر الحور، ثمة ردت
رحم الله فاطمة بنت عبدالله الحسني الحمزي.
وألحقها بسابقاتها من كريمات آل البيت النبوي في فراديس الجنان.
المراجع:
ملحق البدر الطالع ليحيى زبارة، أعلام النساء.
الشيخ عبدالله نجيب سالم
الصفحة السابقة