
وجه من الأندلس
<< صبيحة ملكة قرطبة >>
في رحاب الأندلس:
بعد وفاة عبدالرحمن الثالث تولى ابنه الحكم – ولقبه المستنصر بالله – الخلافة من بعده. ولما يعلمه أهل الأندلس من كفاءة الحكم بن عبدالرحمن ودرايته بتدبير شئون الملك فقد قابلوا توليته، وهو في الثامنة والأربعين من عمره، بمظاهر الارتياح والسرور، إذ كان خير خلف لخير سلف.
وقد اشتهر الحكم المستنصر بالله بأنه من رجال الفقه والعلم، وقد تحولت في عهده قرطبة إلى ندوة كبيرة للعلماء والأدباء والفقهاء، يفد إليها المدرسون والدارسون والأساتذة وطلبة العلم، زرافات ووحدانا.
صوت ناعم رخيم:
وكان هذا الخليفة – إضافة إلى هواياته العلمية – يهوى الصوت الرخيم والنغمة الآسرة.
فلا عجب إذن ما شده صوت طروب نفذ إلى أعماق قلبه، وهو يطوف بحدائق بيت الزهراء في الأندلس، أروع قصور الدنيا قاطبة... فلما بحث عنه وجده صوت فتاة يضارع حسنَ وجهها حسنُ صوتها بل يفوق...
إنها صُبيحة إحدى النساء اللواتي قدر لهن فيما بعد أن يدخلن التاريخ من أوسع أبوابه.
زوجة الخليفة :
وقد هام الخليفة الحكم حباً بهذه الفتاة الجميلة، التي تعلق قلبه بها، افتتاناً بصوتها وبصورتها والتي كان يداعبها بمناداتها بـ(صبح) فتزوجها.
وكانت شديدة الإخلاص والوفاء له، حتى وثق بها كل الثقة، وأوكل إليها – لما رأى فيها من قوة الشخصية وحسن الرأي وشدة التدبير – تحمل عبء إدارة أمور الدولة شيئاً فشيئاً، حتى غدت من ربات النفوذ والسلطان، والسلطات الواسعة والكلمة المسموعة في كل ربوع الأندلس.
وقد رزق منها المستنصر بالله بولدين ذكرين، أحدهما هشام ولي عهده من بعده، فكان ذلك سبباً لتقوية مركزها وازدياد ارتباط الخليفة بها، إلى الحد الذي جعله يلقي إليها مقاليد الدولة كاملة، لتمارس السلطات نيابة عنه، بحيث لم يبق له إلا الاسم.
سيدة المجتمع:
ولم وصلت إلى هذه الحالة توجه إلى بابها الأدباء والقادة والوزراء والسفراء، وترأست بنفسها مجالس الحكم، وجهزت الجيوش الحربية للذود عن البلاد ضد هجمات القوط وغيرهم من الأعداء المحيطين بالدولة من كل جانب.
كاتب وحاجب:
وقد بحثت لنفسها – وهي تتحمل أعباء الدولة كلها – عن كاتب يكون تحت يديها، فلم يجد لها زوجها المستنصر خيراً من طالب العلم الذكي النبيه صاحب الخط الجميل والفكر الوقاد والنفس المتطلعة (محمد بن عبدالله بن أبي عامر...)
ومن هنا بدأت صلتها به ،وأخذ ابن أبي عامر يحظى عند زوجة الخليفة بالمقام العالي الرفيع. على الرغم من أن عمره لم يتجاوز إذ ذاك السادسة والعشرين من عمره.
وقد ارتقى في عهدها درجات ودرجات نتيجة إعجاب الخليفة به وإعجاب زوجته صبيحة به، حتى وصل إلى درجة مستشار لصبيحة، وصار مؤتمناً على سرها.
كما اتخذت لنفسها من ضمن حاشيتها حاجباً وثقت به كل الثقة، هو جعفر الصحفي، وهو نفسه حاجب الخليفة... والحاجب في الماضي يساوي ما يعرف اليوم بمسئول التشريفات، مع صلاحيات واسعة جداً.
ولم تزل زوجة الحاكم المستنصر بالله صبيحة تزداد إعجاباً بابن أبي عامر وذكائه وحسن تدبيره حتى عهدت إليه – إضافة إلى ما هو فيه من مسئوليات عامة في الدولة – بإدارة ضياعها وممتلكاتها – ثم اقترحت على الخليفة أن يعهد إليه بإدارة الضياع الخاصة بولي العهد من بعده وابنه
هشام بن الحكم... وقد تردد أول الأمر في قبول تعيينه، ثم وافق تحت ضغط صبيحة، حتى أصبح ابن أبي عامر طالب العلم الفقير في مبدئ أمره يحظى بسلطة واسعة داخل قصر الخلافة في قرطبة ،إلى درجة تدفع بالجميع شاءوا أم أبو للبحث عن رضاه.
ترقيات وهدايا:
وفي أثناء تلك الترقيات والوظائف كانت صبيحة تتلقى من كاتبها الهداية الثمينة والخدمات الجليلة، ولعل أعظم تلك الهدايا هدية أصبحت حديث الناس ومثار إعجابهم وتعجبهم... إنها صورة مصغرة لأحد قصور الأندلس الجميلة، مصنوعةٌ من الفضة ومنقوشة بغاية الإحكام والدقة، وقد نقلت إلى قصر صبيحة تحف بها كل مظاهر الأبهة والعظمة.
وقد لاكت الألسن كلاماً حول مصدر هذه الأموال، ومن أين لابن أبي عامر بها وهو الذي يعلم الجميع كيف بدأ حياته؟ ولكنه بحسن الحيلة تخلص من مفاجأة الخليفة له، عندما طالبه بجرد أموال الدولة الموضوعة تحت تصرفه، فخرج من عنده طاهر الذيل مبرأ الساحة.
ولكن المصحفي حاجب صبيحة ارتأى – بعد موافقة زوجة الخليفة – أن يرسل ابن أبي عامر خارج قرطبة إلى إشبيلية، وأن يكلف بحفظ أموال الدولة هناك، وأن يعهد إليه بمحاسبة (غالب) القائد الأكبر في مراكش...
لكن أبي عامر لم يغيب طويلاً، بل عاد سريعاً إلى قرطبة بعد أن أحسن إتمام مهمته... وهل يطيق فراق قرطبة مثلُ ابن أبي عامر!!
ضمان المستقبل:
ولما نزل المرض بساحة الخليفة الحاكم المستنصر بالله، وأصبح على شفير الموت قاب قوسين أو أدنى، احتالت صبيحة حتى عقدت مجلساً عام 365هـ ضم أشراف وأعيان وقادة الجند في الأندلس، ثم أوحت إلى الخليفة فقرأ للمجلس إعلاناً بقبولهم تولية ابنه هشام ابن صبيحة الخلافة من بعده، ثم دعاهم إلى التوقيع على هذا الإعلان دون إكراه. فوافقوه مسايرة ولباقة، على الرغم من علم الجميع أن ابنه هشام هذا لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره... وأن الخليفة أخاً بالغاً راشداَ هو المغيرة بن الحكم أولى بالحكم منه لسنه وخبرته.
وما أن توفي المستنصر بالله وهو في الرابعة والستين من عمره حتى عملت هذه المرأة على توطيد الحكم لولدها هشام بمساعدة ابن أبي عامر، الذي رقته إلى رتبة مفتش عام نفسه إلى التخلص من المغيرة شقيق الخليفة الميت... كل ذلك قبل أن يعلم الناس بوفاة الخليفة والتفكير بمن سيخلفه من بعده.
أم الخليفة:
ولما استقر الأمر لولدها كانت هي الحاكم الفعلي لقرطبة البلد الجميل، وقد سلكت طريقة تجمع حولها قلوب الناس ورضاهم، فخفضت الضرائب عن النساء، وضبطت الأمن في ربوع البلاد، وحركت النشاط العمراني والاقتصادي، ونفخت في الحركة الأدبية بقوة، حتى تسابق الشعراء والأدباء إلى بابها. واستقطبت في بلاطها سفراء الدول من شتى أنحاء العالم.
منافسة على الحكم:
إلا أن الدهر لم يصف لصبيحة... فقد ظهر لها من ينافسها ويحاول اللمز والتعريض بها وسحب البساط من تحت قدميها.
ولم يكن هذا المنافس سوى ربيب نعمتها وصنيعة يديها ابنُ أبي عامر، فقد تكبر وتجبر، وتقرب إلى الوجهاء والقواد، واتخذ لنفسه جنداً من مرتزقة المغاربة ونصارى الشمال، وتظاهر بقيادة حملة تطهير الأندلس من كتب الفلسفة حتى أطلق عليه الناس لقب (حامي الإسلام) ولقب (المنصور)...
ولم يكتف بهذا كله بل سعى إلى التحالف مع القائد الأكبر غالب لزحزحة صبيحة وولدها هشام عن سدة الحكم. وتوج ذلك كله بزواجه من ابنة القائد غالب في حفلة قلّ أن يسمح الزمان بمثلها، مما جعل أوار الفتنة يشتعل بين صبيحة وابن أبي عامر على صورة مهاترات علنية وصريحة عكرت صفو الحياة الأندلسية الهانئة، وزرعت في نفوس العامة القلق، ونقلت كلاً من صبيحة وابن أبي عامر المنصور إلى صفوف الأعداء الألداء والخصوم الأشداء. وقام كل منهم يستنصر بمن يستطيع.
الاستنجاد بالأنصار:
وقد لجأت صبيحة إلى المكر والخديعة، فاستدعت بعض عبيدها المحررين، ولفتهم بالتوجه إلى كل جهات الأندلس وأفريقيا ومراكش، لتحريض العامة من الناس لنصرة خليفتهم المظلوم، الذي كبلته قيود ابن أبي عامر، وحالت بينه وبين قيادة شعبه على سنن الإنصاف ومناهج العدل.
وقد نجح هؤلاء المرسَلون في استمالة والي مراكش زَبْري بن عطية الشهير، زعيم قبيلة الزبريين. ولكن قلة ذات يده، وعدم قدرته على تجهيز حملة لإنقاذ نفوذ الخليفة ونصره جعله يتردد قليلاً.
فما كان من صبيحة أم الخليفة إلا أن أنفذت إليه من أموال قصر ولدها ثمانين ألف دينار، أخفتها داخل جرار مختومة أفواهها بالعسل تعميةً وتمويهاً على أعدائها، ليصل إلى ابن عطية سالماً.
وقد أحس ابن عامر بهذه الحيلة بعد فواتها، فحاول نقل خزائن المال من قصر الخليفة، إلا أن صبيحة ثارت في وجه رجاله وطردتهم علانية من القصر شر طردة كأنهم لصوص سارقون... وأظهرت غضبها وغضب ولدها الخليفة للناس...
ولم يكن أمام ابن أبي عامر سوى أن يظهر ولاءه من جديد للعرش وخليفة المسلمين، تحايلاً على الخليفة هشام بن الحكم، مما جعل الخليفة يثق به وينسى وصايا أمه صبيحة، ويوافق على نقل خزائن المال ويعهد إلى ابن أبي عامر من جديد – شفوياً وكتابياً – أن يتصرف كما يشاء بما يشاء.
فرج بعد شدة:
وهنا – وكانت صبيحة قد شاخت وكبرت – دخلت هذه المرأة مرحلة الانهيار الحقيقي بعد أن فرّط ولدها بكل ما جمعت من أسباب القوة في حياتها... إلا أن الموت سرعان ما اخترم ابن أبي عامر خصمها الألد على غير موعد... فعادت أيامها تضحك لها وتبتسم في وقت لم يبق لها من الحياة إلا الثمالة.
الأعمال الخيرية الباقية:
وعكفت أواخر عمرها على ما جمع القلوب من حولها... بذلت الأموال، وأنشأت المساجد والمستشفيات، وعمرت المدارس والملاجئ، وأقامت القناطر والجسور، وشقت الترع والأقنية، حتى اعترف لها جيرانها الفرنجة النصارى بفضلها عليهم في هذا.
وكان من ذلك أن ثبتوا لوحة على مجرى مائي كتبوا فيها: بُني هذا الطريق المائي بهمة الأميرة صبيحة أم أمير المؤمنين هشام جزاها الله خيراً فبمروءتها وفضلها لم تحرم ولايتا (السيجا وكارمونا) من الماء...
وفاتها:
وفي عام 398هـ توفيت صبيحة وهي تعارك الدهر... ويبدو أن وفاتها كانت إيذاناً ببدء انهيار الفردوس المفقود في الأندلس.
رحم الله الملكة صبيحة وغفر لها.
المراجع:-
شهيرات النساء في العالم الإسلامي لقدرية حسين، أعلام النساء.
الشيخ عبدالله نجيب سالم
الصفحة السابقة