:: اخر الاخبار المضافة لدينا ::  اخر الاخبار المضافة لدينا  ::  اخر الاخبار المضافة لدينا   ::  اخر الاخبار المضافة لدينا

ديوان روائع المديح النبوي

تاريخ المساجد الشهيرة في العالم

التعريف ببعض علوم الإسلام الحنيف

الموسوعة الفقهية الصوتية

مقابلات صحفية

مقالات قصيرة

رسائل الثلاثاء العلمية

نساء من حضارتنا الإسلامية

رجال على طريق الإسلام

روابط إسلامية عامة

المكتبة الالكترونية

حلبيات

قصائد شعرية متنوعة

فتاوى شرعية

عرائس المدن الإسلامية

أدب الدنيا والدين

ابتسامات نبوية

الرحلات الشهيرة في الأدب العربي

الرعاية النبوية للشئون الدنيوية

مواقف إنسانية في السيرة النبوية

 

البحث في محتويات الموقع

 

 
 
 
 

 

 

رسائل بحثية تخصصية هادفة، يقدمها لفيف من طلبة العلم الجادين من أجل رؤية إسلامية صحيحة في جلسة في الكويت يشرف عليها الشيخ عبد الله نجيب سالم

          

 


العدوان على لغة القرآن

Oct 15 2009
رسائل الثلاثاء العلمية >>

العدوان على لغة القرآن
             إعداد الشيخ: عبدالرحمن محمد ناصر بركات*
 
    
 
الحمد لله الذي أحكم أعظم كتبه باللغة العربية، فشرفها وحفظها من قبيح عبث البشرية، والصلاة والسلام على أفصح ناطق بالضاد، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أولي الهدى والرشاد وبعد:
نزول كلام الله بلغة العرب ظاهرة تكريم من الله سبحانه للعرب ولغتهم،وبه ارتقت العربية على غيرها من لغات البشر وخصت من دونها جميعاً بأسباب الرفعة والقوة والخلود.
ولاشك أن اللغة إحدى مقومات الأمة لأنها سبيل توصيل العقيدة والانفعال بها، وأسلوب صياغة الأمة وتنظيم تفكيرها وطريقة إعادة بناء نسيجها وحماية ذاكرتها. وليست لغتنا العربية بدعاً في حفظ كيان الأمم وجمع شمل الشعوب، وإنما هو شأن اللغات جميعاً، يقول الأستاذ محيي الدين صابر : اللغة ليست رموزاً، ومواصفات فنية وحسب، ولكنها في الأساس منهج فكر وطريقة نظر، وأسلوب تصور. هي رؤية متكاملة تحدها خبرة حضارية منفردة، ويرفدها تكوين نفسي مميز، فهي تجارب وخبرة، وبصيرة، وفلسفة لأهلها. لكن العربية  فوق ذلك كله لغة دينية أيضاً فهي تجمع حول الشعوب العربية قلوبَ المسلمين من غير العرب.
 
& من هم أعداء اللغة العربية؟ :
باختصار شديد نقول: إن اللغة العربية لغة الدين والفكر الإسلامي، فقد تلازمت معه وعرفت به وحوته واحتمت به... والذين نقصدهم بقولنا: أعداء العربية ليسوا إلا أولئك الذين عارضوا الفكر الإسلامي قديماً وحديثاً، صراحة أو ضمناً، قصداً أو جهلاً، وهم ولا شك كثر، منهم المستشرقون الماكرون، ومنهم الملحدون الحاقدون، ومنهم النصارى المبشرون، ومنهم جهلة الكتاب والمثقفين، ومنهم البلهاء والمفتونون، ومنهم الضعفاء والمنهزمون... كل أولئك يلتقون على صعيد واحد وتحت راية عمية واحدة هي: معاداة اللغة العربية والعدوان عليها.... لأن إضعاف العربية والقضاء عليها إضعاف للإسلام وقضاء عليه.
 
 
& أسباب الخوف من اللغة العربية :
تمثل اللغة العربية كابوسا ثقيلا على صدور أعدائها وما ذلك إلا لامتلاكها مجموعة من الميزات الفريدة ليست تجتمع لغيرها أبدا . ومن هذه الميزات ما يلي :
1 ـ قدرة اللغة العربية على استيعاب الفكر العالمي واحتواء ترجمته إليها قديماً وحديثاً، ومن المفيد في هذا المجال الآن: أن هناك  كثيرين فكروا في عشرات الآلاف أو مئاتها من البحوث التي كتبها المبعوثون العرب للحصول على درجات الدراسات العليا، من الجامعات الأوروبية منذ القرن الماضي، ليس للثقافة العربية فيها شيء إلا ما ترجم منها، وهو قليل القليل. وقد بدأ العمل على جمع تلك الأعمال من الجامعات الأوروبية المختلفة، وفهرستها، كمرحلة أولى، ثم السعي إلى إقرار مبدأ ضرورة ترجمة الرسائل العلمية إلى اللغة العربية لإثبات قدرة اللغة العربية على استيعابها وهضمها    
2 ـ ثبات قواعد اللغة العربية على أصولها في وجه تغيرات لغوية شديدية انحنت لها اللغات الأخرى خلال القرون الفائتة والعصور اللاحقة لنشأة تلك اللغات وشيوعها.
3 ـ جمال الحرف العربي وخروجه من عالم المعنى إلى عالم الشكل الجميل والرسم الأنيق والتعرج الآسر والقولبة المقننة.
4 ـ سهولة النطق بالعربية لغير أبنائها سهولة تفوق قدرتهم على النطق بغيرها، مما يسهل تعلمها والتعامل معها .
5 ـ تجربة اللغة العربية الناجحة في التعامل مع لغات وفكر وآداب الشعوب غير العربية، خاصة الشعوب الشرقية التي استوعبت العربية علومهم وتاريخهم وعواطفهم وحاجاتهم الحياتية .
6 ـ الوجوه العديدة والأساليب الفريدة في البلاغة والبيان في اللغة العربية يعطيها أبعادا نفسية وصوتية ومعرفية واسعة للمتخاطبين بها. 
 
&مظاهر العدوان على اللغة العربية:
1-الدعوة إلى نشر غير العربية وترويجه:
بينما كان أعداء العربية يحاربون العربية بكل سلاح ويكيلون لها التهم جزافاً ، كانوا في الوقت نفسه يشجعون تعليم اللغة الكردية في مدارس العراق، ويحيون اللغة البربرية، وينشطون في وضع قواعد لها وتيسير تعليمها للناس في أرض الجزائر وشمال إفريقيه، كما نجد الدعوة إلى إحياء الفينيقية في لبنان، و إحياء الفرعونية في مصر .. وهكذا..
وقد صدرت رداً على ذلك قرارات في بعض الدول العربية تمنع استخدام لغات أخرى غير اللغة العربية وتفرض التاريخ الهجري، ولكن للأسف بدون تحديد للعقوبة، ومن أمن العقوبة أساء الأدب، فأجهضت تلك القرارات فولدت ميتة.
ونود هنا أن نشير إلى أن تعليم اللغات الأجنبية في رياض الأطفال (الانكليزية والفرنسية...الخ) يشوش المصطلح العربي في ذهن الأطفال، في مرحلة تكوّن المرجعية الفكرية واللغوية عند الناشئة، بينما تمنع الدول المتقدمة من تدريس اللغات الأجنبية قبل الثانية عشرة من العمر.
2-إحلال الحرف اللاتيني محل الحرف العربي:
ومن العدوان على العربية الدعوة إلى نبذ حروفها وإحلال الحروف اللاتينية محلها، فجملة مثل (كتب أحمد) تكتب هكذا: (Kataba Ahmed). وقد ظهرت هذه الدعوة في مطلع القرن العشرين وكان من أوائل المبشرين بها القاضي الإنكليزي ويلمور -أحد القضاة الإنكليز في المحاكم المختلطة في مصر- ثم تلاه مواطن عربي هو الأستاذ عبد العزيز فهمي فحبّر في سبيل ذلك كثيراً من المقالات و الرسائل، وتقدم إلى مجمع اللغة العربية بمشروع كامل لإحلال الحرف اللاتيني محل الحرف العربي، ثم تلا عبد العزيز فهمي طائفة من الدعاة كان آخرهم سعيد عقل، الذي وضع هذه الدعوة موضع التنفيذ، فأصدر كتابه (يارا) وهو ديوان شعر نظمه بالعامية وطبعه بالحرف اللاتيني في مطبعة أنطوان في بيروت، وتعد هذه الدعوة تجديداً لدعوة مصطفى كمال الذي أحل بقرار منه الحروف اللاتينية محل الحروف العربية التي كانت تكتب بها اللغة التركية.
 
& تهمة باطلة والرد عليها :
    وكانت حجة هؤلاء في دعوتهم لاستبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي أن رسم الكلمات بالحرف العربي لا تتيسر معه قراءة النصوص قراءة مسترسلة مضبوطة، وأن الشَكْل (التشكيل) الذي استعاضت به العربية عن حروف الحركات عند غيرها قد أثبت الاستعمال عدم غَنائه، لأن الشَّكلة المنفصلة عن الحرف كالفتحة والضمة والكسرة كثيراً ما تقع على حرف قبله أو حرف بعده، لعدم ضبط يد الكاتب أو الناسخ أو الطابع، وأن الكاتب العربي إذا استغنى عن الشَّكْل عرّض القارئ لقراءة الكلمة على جميع الحركات التي تحتملها الحروف. ومن هنا وجب في نظرهم على أهل العربية أن يأخذوا بطريقة تيسر لهم كتابة لغتهم على وجه لا تحتمل فيه الكلمة إلا صورة واحدة من صور الأداء ووجدوا أنه لا يتم لهم ذلك إلا إذا استبدلوا بحروفهم العربية الحروف اللاتينية.
ونحن حين ننظر إلى هذه القضية نظرة موضوعية يستبين لنا فسادها لأول وهلة، ففي العربية تسعة أصوات ممثلة في تسعة حروف لا نظير لها في الحروف اللاتينية، وهي الهاء والحاء والخاء والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين.
وقد وقف أصحاب هذه الدعوة حيارى أمام هذه الظاهرة، وافترقت كلمتهم في إيجاد الحلول لها، فرأى عبد العزيز فهمي أنه لا مفر له من أخذ هذه الحروف الزائدة بأشكالها العربية وضمّها إلى الأبجدية اللاتينية المقترحة، بحيث يجتمع فيها خليط عجيب من الحروف المتنافرة في الطبيعة والشكل. أما سعيد عقل فركب لتحقيق دعوته مركباً أخشن حيث كوّن الأبجدية التي استعملها في كتابه (يارا) من الأحرف اللاتينية الستة والعشرين، ثم أضاف إليها سبعة حروف جديدة اخترعها من عند نفسه، ثم ضم إليها أحد عشر حرفاً لاتينياً بعد أن زاد عليها طائفة من الإشارات الخاصة لتؤدي بعض الأصوات، وبذلك أصبح عدد حروف الأبجدية المخترعة أربعة وأربعين حرفاً.
وأمر ثان يقف في وجه هذا الاقتراح ويقضي على علة وجوده، وهو أن اللغة العربية تغاير اللغات الأوربية التي تكتب بالحرف اللاتيني، من حيث إنها لغة معربة تختلف أحوال أواخر الكلمات فيها باختلاف مواقعها من الجملة، ولذلك كانت الدلالة على الحركات بالحروف وإثباتها في صلب الكلمة تعرّض الكاتبين الذين لا يعرفون قواعد النحو للوقوع في فيض من الخطأ، و بذلك لا يستطيع السواد من شعبنا والصغار من تلاميذنا أن يكتبوا كلمة صحيحة إلا إذا أدركوا أحكام النحو التفصيلية كحكم الفاعل وحكماً لمفعول..الخ.
3-الدعوة إلى نبذ الفصحى وإحلال العامية محلها:
ومن العدوان على العربية الدعوة إلى نبذ الفصحى وإحلال العامية محلها وجعلها لغة الكتاب كما هي لغة الخطاب، وبدأت هذه الدعوة سنة 1881م حين حضت مجلة (المقتطف) على جعل لغة الخطاب لغة للكتاب، ودعت رجال الأدب والفكر إلى بحث ذلك الاقتراح ومناقشته، ثم أثيرت هذه المسألة مرة أخرى في مطلع سنة 1902م حين ألف ويلمور نفسه كتاباً دعاه (لغة القاهرة) حض فيه على إحلال العامية محل الفصحى، ونادى بجعلها لغة العلم والأدب، ووضع لها قواعد وضوابط، فاستقبلت (المقتطف) الكتاب بالثناء والتقريظ، وقدمته إلى جماهير القراء وأشادت به وبما دعا إليه، وتلا هذا القاضي الإنكليزي إنكليزي آخر هو السيد وليم ولكوكس أحد مهندسي الري في مصر، فدعا سنة 1893م إلى هجر الفصحى وإحلال العامية محلها، ووضع دعوته هذه موضع التنفيذ، فترجم شطراً كبيراً من الإنجيل إلى اللهجة العامية، كما ترجم إليها فصولاً من مسرحيات شِكْسِبير، ثم تلا هذين الإنكليزيين مواطن عربي هو سلامة موسى، فنادى بما ناديا به، ثم ازداد الدعاة يوماً بعد يوم.
 
& شبهات وتهم ... وأدلة وحجج:
وكانت حجج الدعاة إلى الأخذ بالعامية وإحلالها محل العربية الفصحى تدور حول الأمور التالية:
 أولاً: التباين الكبير بين لغة الكتاب ولغة الخطاب مما يجعل العلم وقفاً على طائفة محدودة من الناس
وردا على أولئك الذين ذهبوا إلى أن جعل العامية لغة للكتاب يصير العلم مشاعاً بين المواطنين العرب ويقضي على طبقية المعرفة، نسألهم  عن العامية التي يريدوننا أن نأخذ بها: أفنأخذ عامية العراق التي لا يفهمها إلا العراقيون وحدهم ؟ أم نستعمل عامية الجزائر التي تستغلق على أبناء العروبة في كل مكان ؟ أم نؤثر عامية اليمن أو مصر أو الشام أو السودان؟
 وهب أننا أخذنا عامية مصر مثلاً، أفنختار عامية القاهرة أم عامية الصعيد، وبينهما من الفرق ما هو أشد بعداً من الفرق بين الفصحى والعامية ؟.
وإذا كانت الفصحى تعزل بعض أبناء الأمة العربية عن لغة الكتاب، فإن الأخذ بأية عامية من هذه العاميات يعزل العرب والمسلمين جميعهم عن العامية المصطنعة، ويحرمهم من الانتفاع بثمرات قرائح مواطنيهم في عالمهم الإسلامي الكبير..ثم كيف يتم تعليم هذه العامية المختارة لهذه الشعوب الإسلامية التي تملأ أرجاء الأرض؟ وكيف سيتم لهذه الشعوب الاتفاق على اختيار هذه العامية؟ وهل نطلق الحرية لكل بلد ليختار عاميته؟ إضافة إلى ضعف تراكيب العامية وأساليبها واستحالة تدوينها واستمرار تغيرها بسرعة.
   وإذا كان الغرض من الأخذ بالعامية هو تنشيط العلم وتيسيره للناس، فهل يتفق ذلك مع ما تؤدي إليه الدعوة من وأد آلاف آلاف الكتب التي دونت بالفصحى خلال تاريخنا الحضاري التليد، وقطع صلة الأبناء بالآباء، وحرمان الأواخر من البناء على أساس الأوائل، والدنيا كلها تؤمن أن العلم تراث الإنسانية الخالد يتم فيه اللاحق ما بدأه السابق. من هنا يتبين لنا أن إحلال العامية محل الفصحى يلزم عنه تفريق شمل الأمة العربية نفسها فتصبح كل بلدة بل كل قرية أمة مستقلة لا علاقة لها مع غيرها.
 
ثانياً: صعوبة الفصحى وتعذر إتقانها على الرغم من الجهود السخية التي تبذل في هذا السبيل.      
 وأما دعوى صعوبة العربية وتعذر إتقانها فذلك غير صحيح على الإطلاق لدى الباحثين اللغويين، لأن قواعد اللغة العربية سهلة ميسورة فأصل اللغة: الكلام المفيد، والكلامَ مكون من كلمات لها ثلاثة أشكال: اسم وفعل وحرف، والإلمامَ بالعربية والتدرب عليها ليس بالأمر العسير إذ إنها لغة ذات صيغ ثابتة النطق معلومة الدلالة وقواعد الأسماء لا تمثل مشكلة في تعليمها وتعلمها إذا ما قورنت بلغات أخرى فالألمانية مثلاً أعسر من ذلك بكثير، ونطق الأسماء العربية أيسر من الإنجليزية أو الفرنسية التي لا يمكن أن تنطق إلا بمعرفة أصوات كل كلمة بعينها، وبنظرة سريعة في قواميس الإنجليزية والفرنسية نجد قبل كل كلمة مفتاح نطقها وبعض الحروف لا تنطق في الإنجليزية، وأكثر نهايات الكلمات في الفرنسية لا ينطق إطلاقاً، وهذا أقل بكثير من الكلمات العربية التي لا تنطق بعض حروفها، ولو أن أصحاب الأقلام وأرباب الكلام عكفوا على دراسة اللغة العربية في دورات تدريبية قصيرة لاستقامت ألسنتهم ولأسلمت لهم العربية قيادها، وما بقي من ذلك لطائف في اللغة تدرك بالحس وتترك لفحول الأدب والفصاحة يتمكنون منها ويشعون علينا بأنوارها. وفوق ذلك نقول للدعاة إلى العامية: هل سيكون تعلم العامية أقل صعوبة من تلك الصعوبة المزعومة في تعلم الفصحى؟!!
ثالثاً: قصور الفصحى عن الوفاء بحاجات الحضارة المتجددة النامية يوماً بعد يوم:
 ويزعم أعداء العربية أنها قاصرة ضيقة. فمن أين لهؤلاء هذه الدعوى بقصور اللغة العربية عن الوفاء بمطالب الحياة وعجزها عن النهوض بأعباء الحضارة وتفوق العامية عليها في ذلك ؟!من أين لهم ذلك ؟!وهي اللغة التي امتدت طاقاتها حتى وسعت كتاب الله لفظاً وغاية، وغزرت مفرداتها حتى عبرت عن أدق دقائق الحياة، ورحبت أساليبها حتى أفصحت عن أنبل المشاعر وأسمى الخلال..ثم لما أفاء الله على هذه الأمة بنعمة الإسلام ونشرته في مشارق الأرض ومغاربها استطاعت العربية أن تنشر ظلها الوارف على كثير من شعوب الأرض وتمكنت من أن تفتنهم عن لغات آبائهم وأجدادهم فلم يمض قرنان من الزمان حتى أصبحت اللغة العربية لغة سكان الرقعة الفسيحة الممتدة بين المحيط والخليج وذلك بالإضافة إلى بلاد الأندلس..فاتسعت لفلسفة اليونان وحكمة الهنود وأدب الفرس ووعت أعظم ما حفل به التراث الإنساني من طب وكيمياء وما إليهما من العلوم والفنون والمعارف.
وإذا كنا نجد بعض المثبطين يعجبون من عجز اللغة العربية عن التعبير عن المصطلح العلمي الذي ألفوه بكلمة واحدة أجنبية ويعجبون لأنهم يشعرون أن كلمة واحدة غير كافية للتدليل على محتوى المصطلح الأجنبي فإن هذا العجب وهم سببه الحقيقي هو عدم التمكن من اللغة العربية فإن الألماني مثلاً لا يستطيع كذلك أن يعبر بكلمة ألمانية واحدة عن مصطلح إنجليزي في مادة أو علم يدرسه.
رابعاً: جمود الفصحى وعدم استعدادها للتطور:    
 وأما قضية جمود اللغة العربية وعدم استعدادها للتطور فتلك دعوى باطلة فلقد أمضّ أعداء هذه اللغة أن تكون اللغة الوحيدة بين لغات الأرض التي اتصل تليد تراثها بطريفه خلال خمسة عشر قرناً والتي يستطيع الملايين من أبنائنا في العصر الحاضر تلاوة القرآن الكريم والحديث الشريف وأن يفقهوا معانيهما وأن يقف هؤلاء الأبناء على الآثار التي خلفها العرب في الجاهلية وصدر الإسلام بينما لا يستطيع سواد الشبان المثقفين من الإنكليز مثلاً قراءة ما كتبه شكْسِبير منذ ثلاثة قرون إلا بمشقة وعسر أما ما كتب قبل شكسبير فقد استحال عليهم فهمه وحال دونهم ودونه ذلك التطور الذي يدعوننا إليه.   
وبما أن العامية هي ظاهرة اعتلال في كيان العربية الفصحى وتاريخها فقد وجد فيها أعداء الأمة باباً واسعاً لبث سمومهم بالإبقاء على هذه العاميات وتأصيلها فوضعوا لها القواعد وألفوا المعاجم وبذلوا لهذا الغرض أعمارهم وأموالهم..
فـ ليتمان الألماني له كتاب (لغة دمشق العربية) و نللينو الإيطالي من كتبه (قواعد ومفردات العربية العامية في مصر) والأب فاكاري الإيطالي له (قواعد العربية المكتوبة والمتكلمة في طرابلس) سنة 1921 و بانيتا الإيطالي له (العربية المتكلمة في بنغازي) في جزأين و كانتينو الفرنسي له (الجغرافية اللغوية للعربية العامية في الجزائر والبدو والسوريين واللبنانيين والفلسطينيين) و دي مورينو الإسباني له (قواعد العربية المغربية ) والأب نخلة اليسوعي له (المدخل إلى اللهجة اللبنانية )في ثلاثة مجلدات وتبعهم سعيد عقل في تجربته التي أسماها: (اصطناع اللهجة اللبنانية كلغة أدبية).
4-الدعوة إلى دراسة الأدب العربي على أساس إقليمي
وبناء على هذه الدعوة أصبح بين أيدينا أدب شامي وآخر عراقي وثالث مصري ورابع حجازي وخامس نجدي وسادس جزائري وهكذا.. وكم أحرجنا هؤلاء الدعاة حين كنا نسألهم عن أبي الطيب الذي ولد في الكوفة من أرض العراق وغنى أعذب ألحانه في حلب من بلاد الشام وصاغ أحكم قوافيه في أرض الكنانة مصر وأعطى أصدق تأملاته في بلاد فارس أهو عراقي أم شامي أم مصري أم فارسي وفي أدب أي إقليم يمكن أن بوضع أدبه؟ وليس أبو الطيب بدعاً في ذلك وإنما يشاربه في هذا عدد كبير من أدبائنا الأفذاذ من أمثال أبي تمام والبحتري وأبي العلاء وغيرهم من الكتاب والشعراء(1).
5-وهناك دعوة أخرى تحض على العناية بالأدب الشعبي لأنه _كما يقولون_ الترجمان الذي يعبر عن روح الجماهير -وهي دعوة تهدف إلى إحياء العامية بطريق غير مباشرة- بل وأخذوا يؤصلون له فقام سيرجنت الإنكليزي بجمع (مختارات من الأدب العامي الحضرمي ) سنة 1951م وقدم كاكيا الإنكليزي دراسات بعنوان (استعمال اللغة العامية في الأدب العربي الحديث) وغيرهما.
6-وهناك كذلك دعوة إلى الإبقاء على الفصحى مع إلغاء الإعراب من أواخر الكلم حرصاً على تيسير العربية وتحقيق فهمها بسهولة كما يدعون-.
- والحقيقة هي أن كل تلك الدعوات والهجمات على العربية باءت بالفشل ورجع أصحابها بالخسران والحمد لله.
ولما لم تحقق لهم هذه الجهود المضنية ما كانوا يؤملون خرج أحدهم وهو جب عن توازنه ليقول: إن المعاهد الدينية لا تزال قائمة ولا يزال حافظو القرآن ودارسوه كما كانوا لم ينقص عددهم ولم يضعف سحر آيات القرآن وتأثيرها على تفكير المسلمين.
** متفرقات:
&&   عندما اخترعت الآلة الكاتبة وجد المرجفون فرصة للهجوم على الحرف العربي لأن أغلب الحروف متشابهة ولها أشكال مختلفة تبعاً لمكانها من الكلمة في أولها أو وسطها أو آخرها أو قائمة بذاتها. إن حرف اللغة العربية يحتاج في لوحة مفاتيح الآلة الكاتبة إلى 75خمسة وسبعين شكلاً بينما الحرف اللاتيني لا يحتاج سوى52 حرفاً فقط، وكانت معركة خاسرة للغة العربية وحرفها، وكان الأمر سجالاً لمزايا الحرف العربي وجماله، وجاء عصر الحاسوب ليحسم القضية ويخرجها من مجال الجدال إلى الفوز الكاسح للغة العربية وحرفها فقد تولى الحاسوب هذه المهمة وانخفضت الحروف العربية على لوحة المفاتيح إلى أربعة وثلاثين شكلاً، وبذلك هزم الحرف اللاتيني بالضربة القاضية.
&&  أصدرت فرنسا تشريعاً عام 1414هـ الموافق 1994م يعاقب من يستخدم لغة غير الفرنسية في تحرير الوثائق والمستندات والإعلانات وكافة مكاتبات الشركات العامة والمحلات التجارية وأوصت بعقوبة السجن أو الغرامة المالية التي تصل إلى ما يعادل ألفي دولار وهذا القرار جاء في مواجهة هجمة اللغة الإنجليزية التي أوصلتها الأقمار الصناعية إلى بيوت الفرنسيين.
&&    هذه الرسالة من رسائل الثلاثاء العلمية ذات صلة وثيقة بالرسالة السابقة لكاتبها نفسه وكانت بعنوان : في رحاب لغة القرآن العظيم (49). فلتراجع .
 
 
الإعداد الشيخ : عبد الرحمن محمد ناصر بركات
 المراجعة العلمية الشيخ : عبد الله نجيب سالم

الكويت / الثلاثاء 4 من ربيع الآخر 1427هـ / الموافق 2/5/ 2006م



* * ليسانس في الشريعة الإسلامية من جامعة الأزهر، وإمام وخطيب بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت.
الصفحة السابقة

 
 

هل اطلعت على نسخة من الموسوعة الفقهية؟


نعم اطعلت عليها
70%
لا لم اطلع عليها
10%
سمعت بها
7%
لم اسمع بها
11%

مجموع الأصوات :115
 
  
الفجر 4:9
الشروق 5:29
الظهر 11:45
العصر 3:16
المغرب 6:0
العشاء 7:21
حسب التوقيق المحلي لدولة الكويت   
 
حالة الطقس في الكويت
 

 


----------
( تفاءلوا بالخير تجدوه ) حديث شريف

 

جميع الحقوق محفوطة لموقع روائع الاسلام

خريطة الموقع | حقوق الملكية | السرية | اجعلنا موقعك المفضل