:: اخر الاخبار المضافة لدينا ::  اخر الاخبار المضافة لدينا  ::  اخر الاخبار المضافة لدينا   ::  اخر الاخبار المضافة لدينا

ديوان روائع المديح النبوي

تاريخ المساجد الشهيرة في العالم

التعريف ببعض علوم الإسلام الحنيف

الموسوعة الفقهية الصوتية

مقابلات صحفية

مقالات قصيرة

رسائل الثلاثاء العلمية

نساء من حضارتنا الإسلامية

رجال على طريق الإسلام

روابط إسلامية عامة

المكتبة الالكترونية

حلبيات

قصائد شعرية متنوعة

فتاوى شرعية

عرائس المدن الإسلامية

أدب الدنيا والدين

ابتسامات نبوية

الرحلات الشهيرة في الأدب العربي

الرعاية النبوية للشئون الدنيوية

مواقف إنسانية في السيرة النبوية

 

البحث في محتويات الموقع

 

 
 
 
 

 

     


مفاوضات شاقة قبل الفتح الكبير

Oct 20 2009
مواقف إنسانية في السيرة النبوية >>

 

مفاوضات شاقة قبل الفتح الكبير
 
 
سياسة الدعوة إلى الله
 ما هو الرابط بين الدعوة إلى الله وبين السياسة الحكيمة والمواقف الفذة؟.. وهل يمكن القول: إن هناك نوعاً من التلازم والتواؤم بين بعد النظر وبين السعي إلى هداية الخلق.
إن الدعوة إلى الله سفينة تمخر عباب بحر الحياة، وهي تستهدي في مسارها بنور الله حتى تصل إلى هدفها المنشود، ولكنها تسير وسط بحر ملىء بالصخور والنتوءات والمياه الضحلة والتيارات المتقلبة والعقبات المفاجئة، لهذا، فلا بد لمثل تلك السفينة المحاطة بالأخطار من ربّان ماهر وقائد خبير ومقدام عاقل.
إن الدعوة إلى الله تهدف إلى زرع الطمأنينة في قلوب الحيارى، وفتح مغاليق القلوب البشرية بمفاتيح تناسب أنواع أقفالها، وإدخال السكينة في الأفئدة التي تعددت أسباب خوفها واضطرابها.
إن تصدر المرء للدعوة إلى الله يعني أن يتحمل تبعات مجتمعه في نقده له، وتصديه لآرائه، ومعاندته في اتباعه، كما يعني أن يواجه الداعية مسئوليات الحياة بكل ثقلها، وعنفوانها وآلامها ومآسيها ونزعاتها، وترهاتها، وحلوها ومرها.

فأين هو الداعية العارف بالله، العالم بالشريعة، الواعي للواقع، الخبير بالأشخاص، المتطلع إلى المستقبل بلا تعجيل، العزيز في نفسه بلا تكبر، الحليم بلا تردد، الجرئ بلا تهور، الذي لا تستفزه الترهات، ولا تفوته الفرص، ولا يعطله زبد السيل، ولا تخطفه مناقير الطير فتهوي به في واد سحيق.

 
 
الرسول الحكيم
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي اجتمعت فيه صفات الكمال كلها بلا استثناء، ودون مجاملة.
 وإذا كان الحديث من قبل قد تشعب وامتد حول بعض صفاته الكريمة، كالرحمة والكرم وغير ذلك، فلابد أن يعود الحديث نفسه ليقف وقفة تأمل وتفكر في صفة السياسي المحنك . . . تلك الصفة التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم صاحب مبادرة جريئة ونظر ثاقب ومبدأ صلب ومفاوضة حكيمة.
 ونستطيع أن نعدد – دون إحاطة – بعض المواقف التي تجلت فيها هذه السمة البارزة.
 فلقد واجه شدة قريش وعنفها في معاملته ومعاملة أصحابه بمكة بمنتهى الهدوء والسكينة .
 ثم بعد أن هاجر إلى المدينة اتخذ – مباشرة دون تأخر – تدابير وقائية حكيمة جداً في توضيح وتحديد العلاقة وأسلوب التعامل بين المهاجرين والأنصار وبين المسلمين عموماً وجيرانهم اليهود من سكان المدينة ومجاوريها .
 ولقد اجتمعت عليه في فترات متعددة عداوات قبائل العرب قاطبة، فكان رابط الجأش ثابت الجنان، لا يتعجل أمام حادثة عابرة، كما لا يتوانى أمام خطة آجلة، أو فرصة لائحة.
 وبأسلوب التدرج في التشريع، والهدوء في المعاملة ، والرفق مع الخلق، والاعتصام بالحق، حمل أعظم رسالة ربانية إلى البشرية، ليحرك بها دماء الحياة في شرايين العرب، الذين انطلقوا بعد ذلك من جزيرتهم يحملون مشعل الإسلام إلى العالم.
 هذه السياسة الحكيمة تتجلى في أكثر من موطن أمام ناظري دارس السيرة النبوية . . . ولا يستطيع زاعم أن يزعم أن النبي لم يكن موفقاً أو مسدداً أو ناجحاً في لحظة من لحظات حياته، بل على العكس تتابع لقطات النجاح والتوفيق، وتتكرر مع كل قيام وقعود، ورحيل وسكون وسلم حرب، ومعاهدة ومفاوضة.
 
 
التوفيق في الحديبة
وصلح الحديبة مثل واضح وحجة ظاهرة . . . وهو خير مثال في هذا المجال!!.
 خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في ألف وخمسمائةٍ من أًصحابه الكرام تجاه البيت العتيق، سنة ست للهجرة، وكانت تلك السنوات الست بما حدث فيها من مواجهات متعددة ومعارك متتالية كافية لإقناع قريش ألا سبيل إلى الوصول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والنيل منه، أو إيقاف دعوته عند الحدود التي لا يرغبون بتجاوزها.
 ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج هذه المرة إلى مكة لا يريد الحرب، ولا ينوي القتال، بل يريد أمراً غير ذلك، يريد العمرة، والعمرة عبادة ونسك، وفيها دلالة على عزة المؤمنين وعزة دينهم، إذا استطاع هو وأصحابه أداءها دون أن تقدر قريش على منعهم . . . ولذلك فإن النبي عليه السلام إذا كان خروجه هذه المرة لغير الحرب، فإن لهذا الخروج معنى أبقى من الانتصار في معركة أو الظفر في موقعة.
 لهذا خرج بأصحابه محرماً غير حامل من السلاح إلا سلاح المسافر البسيط : السيوف في القرب (1) يوسف الهدي أمامه، ويجهر بالتلبية والدعاء . . . إنه يريد العمرة بعد أن اشتد به الحنين إلى البيت الحرام .
وأحست قريش عند خروجه بنذر الخطر تقترب، فأرسلت الرسل تترى، تتحسس رغبته وتتعرف قصده : جاءه أولاً بشر بن سفيان الكعبي فعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد، كما حول أن يدخل الخوف والرعب في قلوب المسلمين ليجس نبضهم بمثل قوله :
 
 
تهديد . . . ورد
- هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل (2) قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوىً، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كُرَاع الغميم (3) . . . فإذا به يجيبه رسول الله عليه بنفس الأسلوب :
 - يا ويح قريش!.. قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أردوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة. . . فما تظن قريش، فو الله لا أزال أجاهد على هذا الذي بعثني الله به حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة (1).
 وعاد بشر بن سفيان إلى قريش بما سمع لم يُجْد نفعاً، بل رأى ونقل إلى قريش عزم وتصميم رسول الله.
 ولم يمكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكانه هذا الذي لقيه فيه بشر بن سفيان طويلاً، خوفاً من التعجل بلقاء الجيشين، ورغبة منه في مشاغلة المشركين زمناً، لأنه لم يكن يرغب بالقتال أو لم يكن يحرص عليه ما دام قد جاء معتمراً، لذا أوعز إلى أصحابه :
 - من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها.
 
 
قريش في حيرة
وهكذا فقد ارتبك القرشيون وعادوا للتكفير ثانية : هل هي الحرب يخطط لها محمد؟ أم إنها السلم يسعى نحوها.
 وجاء ثاني الرسل من مكة، وكان رجلاً من قبيلة عُرفت بحيادها في مخاصمة رسول الله، بل كان معه تعاطف ظاهر، جاءه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة ، فكلموه وسألوه : ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً، وإنما جاء زائراً للبيت ومعظماً لحرمته . فرجعوا إلى قريش وقد استمالهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 فقال بديل لهم :
- يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، وإن محمداً لم يأت لقتال، إنما جاء زائراً لهذا البيت.
 إذن فقد بدأت بعض الأطراف المشركة تلوم قريشاً وتعنفها نتيجة حسن تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 يقول ابن كثير في سيرته وهو ينقل عن ابن إسحاق والزهري:
- ثم بعثوا إليه، مكرز بن حفص بن الأخيف ، أخا بني عامر بن لؤي. فلما رآه رسول الله صلى لله عليه وسلم مقبلاً، قال : هذا رجل غادر . . . أي نبّه أصحابه ليكونوا على حيطة منه.
 ثم بعثوا بحليس بن علثمة – وكان يومئذ سيد الأحابيش (1) – فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
- إن هذا من قوم يتألهون (2) – فابعثوا الهدي في وجهه.
 فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى.

وقد كان لمبادرة النبي صلى الله عليه وسلم في بعث الهدي أمام الرجل أثرها الكبير في نفس الحليس, مما دفعه إلى مخاصمة قريش والتنابذ معها بالكلام... خاصة عندما قالت له قريش: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك.

قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر أن الحُليس غضب عند ذلك وقال:
ـ يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاهدناكم... أَيُصَدّ عن بيت الله من جاء معظماً له, والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد!..
فاستدركت قريش وقالت تريد طمأنته واسترضاءه:
ـ مه... كفّ عنا, حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
وهكذا ضعف موقف قريش, وتخاذل أنصارها عن متابعتها واحداً إثر آخر... وهذا مكسب كبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ساحة المفاوضات.
وعلى الرغم من وضوح الصورة أمام قريش, واطلاعها على حقيقة نية رسول الله التعبدية, إلا أنها لم تقطع الأمل في صد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت بوسيلة أو بأخرى... لذا فإن الرسل منها لم تنقطع, ولم تفتأ تتوارد على مسعكر المسلمين, كلّ يحاول بإسلوب مختلف عن غيره, ولكنهم نحو هدف واحد يعملون
 
 
عروة... الرجل الحكيم
 وجاء أخيراً عروة بن مسعود الثقفي وقد وضع نفسه من قريش موضع الولد من الوالد, وكان جمع من أطاعه من قومه ثم حشدهم في صف قريش... جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه بنحوٍ ما كلّمه الرسل السابقون من قريش, وحاول أن يغمر من الصحابة بالتلميح إلى تأكده من فرارهم عن رسول الله لو وقعت الواقعة بينه وبين قريش... فما أسرع ما رد عليه أبو بكر الصديق رداً مفحماً, كما حاول عروة ثانية التبسط في الحديث ـ على عادة العرب ـ مع رسول الله, وذلك بتناول لحية النبي صلى الله عليه وسلم ساعة محادثته... فما أسرع ما رجها عليه المغيرة بن شعبة رداً شديداً.
وكان مقام عروة بن مسعود في معسكر المسلمين على ما يبدو أطول من مقام غيره من المبعوثين إذ لفت نطره شدة التفاف المسلمين ومحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم علي عكس ما تصور بادئ ذي بدء.
يقول ابن كثير في سيرته: فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه, لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه, ولا يبصق بصاقاً إلى إلا ابتدروه, ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه, فرجع إلى قريش فقال:
ـ يا معشر قريش: إني قد جئت كسرى في ملكه, والنجاشي في ملكه, وإني والله ما رأيت ملكاً في قومه قط مثل محمد في أصحابه!, ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيْ أبداً, فَرَوْا رأيكم.
ولا يغفل كتّاب السيرة النبوية ذكر حادثة لها مغزى عميق, فقد ذكروا أن قريشاً بعثت منها أربعين أو خمسين رجلاً, وأمروهم أن يُطيفوا(1) بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا من أصحابه أحداً, ولكن هؤلاء القوم الربيئة(2) أخذوا على حين غفلة منهم, في اللحظات التي ظنوا فيها غفلة المسلمين وضعفهم, ومع أنهم رفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع إليه أنهم رموا في عسكر المسلمين بالحجارة والنبل, إلا أن النبي عفا عنهم وخلى سبيلهم.
وهذه الحادثة المهمة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرغب في تصعيد المواجهة أو تأزيم الموقف.
 
 
عثمان... رسول رسول الله
 بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مضى خطوة إلى الأمام أكثر مما سبق كله, حينما ندب من طرفه رسولاً ذو مكانة وشرف في مكة, إضافة إلى تميزه بالهدوء وشدة الرقة والحلم, وكان هذا الرسول هو عثمان بن عفان رضي الله عنه زوج ابنته, ندبه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب, وإنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته... فانطلق إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد ابن العاص وهو من أبناء عمومته فحمله بين يديه, ثم أجاره(1) فمضى حتى بلّغ أبا سفيان وغيره ما أُرسل به...
وقد رغب بعضهم أن يتحفه بأمر طن أن له رغبة به فقال لعثمان:
ـ إن شئت أن تطوف بالبيت فطف‍.. فرد عثمان بلباقة وكياسة:
ـ ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وبذلك طهرت حنكة مبعوث رسول الله من جهة, وحسن اختيار الرسول عليه السلام لعثمان من جهة أخرى...
واحتبست قريشاً عثمان عندها أياماً: ولعلها كانت تريد اختبار صلابة المؤمنين, أو أمراً آخر... وقد أثار تأخر عثمان عند قريش مخاوف المسلمين, خاصة وأن بعض الروايات تذكر محاولة قريش إيذاء رجل مرسل من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش قبل عثمان هو خِراش بن أُمية الخزاعي, مما عزز مخاوفخم, بل ونشر شائعات تقول: إن عثمان قد قتلته قريش, وتناقل المسلمون هذه الشائعة حتى بلغت النبي صلى الله عليه وسلم نفسه فقال عندما سمع ذلك:
 
 
إشاعة... وبيعة الموت
 ـ لا نبرح حتى نناجز القوم.
وكان لهذه الكلمة أثرها الفعال المؤثر.
وأكثر من هذا... تحرك النبي صلى الله عليه وسلم وحزم, فدعا أصحابه إلى البيعة على الموت, وأطهر البأس والتأهب, ولم تكن هذه الخطوة أكثر من خطوة تكتيكية تحرك الأمور, وذلك لما ظهر من أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعتبر عثمان قتيلاً, بل اعتبره مبايعاً له مع المبايعين, عندما ضرب بكفه على الكف الأخرى قائلاً:
ـ وهذه من عثمان!!.
وهنا اضطرت قريش إلى الاستجابة بسرعة لهذا التحرك المخيف غير المتوقع, فأعادت عثمان رضي الله عنه, وأرسلت في عقبه بمفاوضها الجاد سهيل بن عمرو وبعد أن فوضته قائلة:
ـ ائت محمداً وصالحه... ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامة هذا, فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها عنوة أبداً.
وقد علق النبي صلى الله عليه وسلم على قدوم سهيل بقوله:

ـ قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل.

ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهتم كثيراً برغبة قريش في صده عن البيت هذا العام, أو بخوفها من سماع العرب بدخوله مكة عنوة... بل ما أسرع ما أعطى قريشاً ما أرادت لينقل الاتفاق إلى أمور أهم وأكبر, تتعلق بجوهر الصراع بين الفريقين ولبِّه...
واهتمام النبي صلى الله عليه وسلم, يفسر لنا كيف أن بعض أصحابه اعترضوا بادئ الأمر على أمور ظنوها من الدنية في الدين, ومن هؤلاء الصحابة عمر بن الخطاب, فقد جاء أبا بكر معترضاً ثم عرج على رسول الله متسائلاً, إلا أنه في النهاية سلم أمره ولزم غرزه.
وما كان اعتراض المعترضين, ثم ظهور خطئ اعتراضهم إلا دليل بعد النظر وعمق فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عواقب الأمور.
ونستطيع أن نوضح هذه النقطة أكثر, فنقول:
 
 
تشدد ومرونة
 إنه في الوقت الذي كان فيه سهيل بن عمرو يطيل الكلام, ويظهر التشدد والرغبة في تسجيل المواقف, كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر نوعاً من المرونة والمسايرة تفوق تصور كثير من الصحابة الذين أبدوا اعتراضهم على أمور عديدة, فمنهم من رفض مبدأ تأجيل العمرة إلى العام القادم. ومنهم من أغاظه شرط إعادة من أسلم من مكة ولحق بالمسلمين إلى أهلها, ومنهم من استفزه تعنت سهيل في عدم الاستفتاح بالبسملة المعهودة بسم الله الرحمن الرحيم, ومنهم من أغضبه عدم قبول سهيل لوصف محمد بصفة رسول الله... ومنهم ومنهم, وكان عليه السلام مع انشغاله بإدارة دفة المفاوضات مع عدوه منشغلاً في نفس الوقت بتهدئة الموقف وتخفيف الغليان في قلوب المسلمين بعد أن كاد يبلغ حد العصيان والانفجار.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد من قريش اعترافاً صريحاً بالدين الجديد والأمة الوليدة, وبحق الدعوة الإسلامية في استقطاب من تشاء من قبائل العربو ولا مانع في سبيل ذلك من العودة بأصحابه هذا العام, على أن يعون إلى البيت في العام القادم, ليدخله ثلاثة أيام بمن معه من أصحابه... كما كان عليه السلام يرى في الهدنة المفترضة, ومدتها عشر سنين, فرصة ذهبية لتوجيه كل قوة المسلمين إلى الدعوة السلمية والتوسع فيها.
وقد تم للنبي صلى الله عليه وسلم دخول مكة بعد عام, ولكن في صورة مهيبة واستعداد من أصحابه أعظم, واستعراض لقوته أبلغ, ومهانةٍ لقريش دفعتهم إلى مغادرة مكة ثلاثة أيام بلياليها إلى شعاب الجبال.
 
 
مكاسب الصلح أكبر مما توقعه البعض
 وعلى الرغم منم أن الحرب لم تضع أوزارها بعد الصلح إلا لفترة بسيطة لم تجاوز السنة كثيراً, بسبب إدراك قريش لخطئها العظيم في توقيع الصلح, وقيامها بنقضه حتى لا تخسر من بقي من أنصارها من قبائل العرب... برغم هذا فإن مكاسب المسلمين في هذه المدة القصيرة كانت كبيرة جداً, خاصة في أعداد الذين دخلوا في الإسلام, أو دخلوا في حلف مناصرة مع رسول الله, تلك الأعداد الكبيرة التي لم تكن تخطر على بال أحد من المسلمين من قبل...
ويدلنا على صدق هذا الاستنتاج أن جيش النبي صلى الله عليه وسلم حينما دخل مكة بلغ عشرة آلاف مقاتل, وهو الذي لم يبلغ في أحسن أحواله قبل صلح مكة ثلاثة آلاف مسلم, وكان معظم الفرق بين العددين من مسلمة صلح الحديبة الذي سُمّي في القرآن الكريم بالفتح المبين.
هكذا تجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكمته وسياسته النظرات الضيقة والمطالب الآنية المتعجلة, وركز كل اهتمامه على الهدف الأكبر حجماً والأبعد أثراً, والأكثر قيمة وخطراً.
وهكذا كانت سياسته عليه السلام بعامة من الدعوة إلى الله... لم يكن يتعجل عندما يكون التروي هو المطلوب, ولم تستفزه دعوات المتهورين أو المزايدين, ولم يضعف موقفه معارضة البعض له, كما لم يكن مفرطاً في إعلاء شأن أصحاب ومناصريه في وجه عدوهم إلى حد الغرور.
لقد كانت سياسته في الدعوة والحياة مضرب المثل لكل قائد شجاع, ومصلح حكيم, وداعيةٍ واع.
وما ذلك إلا بتوفيق الله له... وهو القائل له: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)(1).
وصدق فيه قول الله عز وج: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)(2).
 
صلى الله عليك يا رسول الله, علمتنا بُعْد النظر وحُسْن التدبير.


الشيخ عبد الله نجيب سالم


(1) قراب السيف : بيته الذي يعمد فيه، ويسل منه.
(2) هي الإبل مع أولادها، كناية عن استعدادهم بنسائهم وأولادهم للمعركة.
(3) كراع الغميم، وذي طوى أسماء أماكن على طريق مكة إلى المدينة
(1) صفحة العنق.
(1) القبائل التي حالفت قريشاً .
(2) يعظمون الآلهة.
(1) أي يقتربوا ويلتفوا.
(2) أي الطليعة.
(1) أدخله في جواره.
(1) [آل عمران: 159].
(2) [الحجرات: 7].
الصفحة السابقة

 
 

هل اطلعت على نسخة من الموسوعة الفقهية؟


نعم اطعلت عليها
70%
لا لم اطلع عليها
10%
سمعت بها
7%
لم اسمع بها
11%

مجموع الأصوات :115
 
  
الفجر 4:9
الشروق 5:29
الظهر 11:45
العصر 3:16
المغرب 6:0
العشاء 7:21
حسب التوقيق المحلي لدولة الكويت   
 
حالة الطقس في الكويت
 

 

الآباء يزرعون والأبناء يحصدون , عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه , نهج البلاغة
----------
نظف قلبك من الكره والعداء بالحب والتسامح فتنظف جسدك من الأمراض

 

جميع الحقوق محفوطة لموقع روائع الاسلام

خريطة الموقع | حقوق الملكية | السرية | اجعلنا موقعك المفضل