
جلال الدين السيوطي
849 ـ 911هـ
1445 ـ 1505م
كان أجداده أهل علم ورئاسة ووجاهة، فأبوه الذي مات ـ والسيوطي طفل دون السادسة ـ كان من فقهاء الشافعية، أما جده الأعلى همام الدين فكان من أهل الصلاح والتقى والتصوف.
يتيم... لكن البداية مشرقة
ولد أبو الفضل جلال الدين عبدالرحمن بن الكمال أبي بكر الحضيري الأسيوطي في القاهرة، ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، ونشأ يتيماً تحت وصاية الكمال بن الهمام ـ أحد أعلام الفقه الحنفي ـ فأشرف ابن الهمام على توجيهه التوجيه السليم، حتى ظهرت عليه مخايل الفطنة وبوادر الذكاء، حفظ القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنين، كما حفظ كتاب العمدة، وألفية ابن مالك، وقرأ على الشمس السيرامي صحيح مسلم إلا قليلاً منه، ومنهاج النووي، ومنهاج البيضاوي، والشفا، وسمع عليه الكثير من ابن المصنف، والتوضيح، وشرح الشذور، والمغني في أصول الفقه الحنفي، وشرح العقائد للتفتازاني، كما قرأ على الشمس المرزباني الحنفي كثيراً ولزمه حتى مات، ثم قرأ الحساب والفرائض على علامة زمانه الشارماجي، ثم لزم دروس العلم البلقيني فقرأ عليه ما لا يحصى، كما لزم محقق الديار المصرية سيف الدين محمد ابن محمد الحنفي، ودروس التقي الشمني، والكافيجي، وحضر مجالس الجلال المحلي وزين الدين رضوان القصبي وغيرهم.
رحلة إلى مختلف بلاد المسلمين
ونلاحظ أن نفسه التواقة إلى الاستزادة من العلم لم تكن لتقف عند الحد البسيط السهل، بل كانت تهدف إلى مرامي بعيدة دوها الجهد الجهيد، ومن هنا شد حبال الرحلة مطوفاً في بلاد المسلمين، من الشام إلى الحجاز فاليمن فالهند ثم المغرب ثم بلاد تكرور فدمياط والفيوم من مدن مصر... وكان في حجه يشرب من ماء زمزم، ويسأل الله سبحانه أن يصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ بن حجر العسقلاني.
وقد ذكر تلميذه الإمام الشعراني في الطبقات الصغرى: أن السيوطي أخذ العلم عن ستمائة شيخ، وأحصى تلميذه الآخر الداودي أسماء واحد وخمسين نفساً منهم.
هذا ولم يقتصر السيوطي على الأخذ والتلقي عن الرجال العلماء الأفاضل، بل أخذ عن عدد من النسوة الفاضلات المذكورات بالعلم والصلاح، منهن: فاطمة بنت جار الله بن صالح الطبري، وصفية بنت ياقوت المكية، ورقية بنت عبدالقوي بن محمد الجاوي وغيرهن.
وما زال يجد ويدأب حتى وصل إلى مقام في العلم رفيع، وأصبح إماماً في كثير من العلوم، ورُزق التبحر في سبعة منها: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع والتاريخ.
وقد أجيز بتدريس العربية عام 866، وفي تلك السنة ابتدأ التأليف، كما أجيز في الإفتاء والتدريس العام سنة 876هـ.
إعادة مجالس الحديث الشريف
وفي سنة 872هـ أعاد وصل مجلس إملاء الحديث، وكان إملاء الحديث قد انقطع بوفاة الحافظ ابن حجر، واستمر انقطاعه قرابة عشرين عاماً، فجلس السيوطي للإملاء، فأملى أربعة عشر مجلساً، ولما وقع الطاعون في مصر توقف قليلاً عن مجلسه، ثم استأنفه في شعبان سنة 873 لفترة، ثم عاد إليه عام 874 حيث أملى خمسة وأربعين مجلساً في تخريج أحاديث (الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة) للإمام الغزالي.
ومؤلفات لا تنتهي في كل علم
واشتغل السيوطي رحمه الله بالتأليف، فكان كالبحر الهادر لا يهدأ له بال، ولا يقر له قرار إلا بإخراج درره، ما يفتأ ينتهي من كتاب حتى يشرع في غيره، حتى أثرى المكتبة الإسلامية بما يعجز عنه الجمع الكثير من العلماء الكبار، ويكفي ان نعلم أنه ترك وراءه ما يقارب الألف من كتبه، ما بين كتاب جامع عظيم متفرد به ورسالة صغيرة مختصرة، لقد كان آية في سرعة التأليف.
يقول تلميذه الداودي: عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفاً وتحريراً، وكان مع ذلك يملي الحديث، ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مئتي ألف حديث، قال: ولو وجدت أكثر لحفظته.
وللعبادة نصيب كبير
وكان رحمه الله صحيح العقيدة، سليم الاعتقاد، نصر مذهب أهل السنة والجماعة وقواه.
وقد بقي ملازماً للتدريس والإفتاء حتى جاوز الأربعين، وعند ذلك تجر للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن الدنيا وأهلها، كأنه لم يعرف أحداً منهم، وأكب على تحرير مؤلفاته، وأقام في روضة المقياس ـ المسماه اليوم بالمنيل ـ فلم يتحول عنها إلى أن مات.
وكن الأمراء والأغنياء يأتون إليه لزيارته، ويعرضون عليه الأموال النفيسة فيأباها ويردها، وأهدى إليه السلطان الغوري خصياً ـ أي عبداً ـ وألف دينار، فرد الألف، وأخذ الخصي فأعتقه، وجعله خادماً في الحجرة النبوية الشريفة، وقال لرسول السلطان:
ـ لا تعد تأتينا بهدية قط، فإن الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك.
ولم يكن يترك النصيحة والأمر بالمعروف نثراً وشعراً، وإن كان غالب شعره الكثير في الفوائد العلمية والأحكام الشرعية، كألفيته في مصطلح الحديث... ومن شعره:
أيها السائل قوماً
ما لهم في الخير مذهبْ
اترك الناس جميعاً
وإلى ربك فارغب
ومن شعره أيضاً في الرجاء:
لم لا نرجو العفو من ربنا
وكيف لا نطمع في حلمه
وفي الصحيح أتى أنه
ارحم بالعبد من أمه
وكان رحمه الله من المذكورين بالصلاح والتقى، المحبين لأهل الاستقامة والورع يعتقد بكرامات الأولياء الصالحين، وقد عزا كل ما حباه الله به من علم ومعرفة وتأليف إلى سببين، أحدهما: شرب ماء زمزم، والآخر ما قاله عن نفسه: حملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، وكان من كبار الأولياء، فبرك علي (أي دعا لي بالبركة من الله سبحانه).
قاب قوسين أو أدنى من الاجتهاد
وقد تحدث السيوطي عن فضل الله ونعمته عليه فقال:
ـ وأما الاجتهاد فقد بلغت ـ ولله الحمد والمنة ـ رتبة الاجتهاد المطلق في الأحكام الشرعية وفي الحديث النبوي وفي الغربية... ورتبة الاجتهاد في هذه الأمور الثلاثة كانت مجتمعة في الشيخ تقي الدين السبكي... ولم تجتمع في أحد بعده إلا في...
ويقول أيضاً:
ـ لو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفاً بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها، ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله تعالى، لا بحولي وبقوتي.
ولقد أكرم الله السيوطي بثلة كبيرة من التلاميذ، كانوا أئمة زمانهم وشيوخ عصرهم، استفادوا فائدة جلى ومنفعة عظيمة من شيخهم الإمام جلال الدين السيوطي، نذكر منهم على سبيل المثال: شمس الدين محمد الداودي المصري الشافعي، وهو الذي جمع ترجمة السيوطي في مجلد ضخم، ومحمد بن علي بن محمد الشهير بابن طولون الفقيه الحنفي، ومحدث الديار المصرية الزاهد محمد بن يوسف الشامي وكان صاحب عبادة وعلم غزير، وشمس الدين بن محمد الشهير بابن العجيمي المقدسي المحدث الواعظ الصوفي، وغيرهم ممن لا يقع تحت حصر.
خصوم... وصفح كريم
وقد وقع السيوطي خصام شديد مع بعض أقرانه من العلماء، تنافساً بينهم وحسداً، وأوذي بسبب ذلك من خصومه وأتباعهم، فصبر وصفح عمن آذاه، يقول عن ذلك في بعض رسائله:
وبعد: فإني رجل حبب إلى العلم والنظر فيه... وجبلت على ذلك، فليس في منبت شعرة إلا وهي ممحونة بذلك، وقد أوذيت على ذلك كثيراً من الجاهلين والقاصرين، وذلك سنة الله في العلماء السالفين، ويقول في ذلك.
طوبى لمن مات فاستراحا
ونال من ربه فلاحا
وما نحن إلا في قوم سوء
أذاهم قد بدا ولاحا
كما ناله بعض الأذى من السلطان قايتباي عندما دخل عليه وعلى رأسه الطيلسان، بخلاف العادة المرعية، فلما عوتب على ذلك أصر على صحة موقفه، وكتب رسالته (الأحاديث الحسان في فضل الطيلسان) وقد زاد الأذى عليه بع تولي ابن السلطان محمد بن قايتباي الحكم.
غروب شمس الإمام
وفي آخر المطاف مرض السيوطي سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر، وتوفي سحر ليلة الجمعة تاسع عشر من شهر جمادي الأولى سنة 911 بعد أن قرأ في احتضاره سورة (يس)، وصلي عليه بجامع الأفاريقي تحت القلعة، وكان له مشهد عظيم، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة، كما صلي عليه صلاة الغائب في دمشق بالجامع الأموي.
وقيل: إن الغاسل أخذ قميصه وقبعته، فاشترى بعض الناس من الغاسل القميص بخمسة دنانير، وباع القبعة بثلاثة دنانير، وغالى الناس في ثمنهما رغبة منهم في التبرك بأثر من آثاره.
وعلى الرغم من أن زمن وفاة السيوطي كان زمن جور واستلاب للأموال، إلا أن أحداً لم يتعرض لتركته بعد وفاته وقال السلطان الغوري:
لم يقبل الشيخ منا شيئاً في حياته، فلا نتعرض لتركته.
رحم الله السيوطي وتغمده بفضله.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة