
W المسجد الجامع في عمّان (الحسيني الكبير)W
لم تسعفنا المراجع التاريخية القديمة ولا الحديثة بحديث مسهب عن المسجد الجامع في عمان والذي يطلق عليه بعضهم المسجد الأموي، بينما يسميه آخرون المسجد الجامع، وسماه بعضهم المسجد العمري، واسمه المتفق عليه حالياً المسجد الحسيني الكبير نسبة إلى الشريف حسين بن عون جد الأسرة الهاشمية الحاكمة حالياً في الأردن.
وأول أشارة لهذا الجامع نقلها المؤرخ القدسي في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم فقد ورد عندما تحدث عن مدينة عمان قوله:
وبها جامع ظريف بطرف الصحن وقد قلنا إنه يشبه مكة أي شبيه بالحرم المكي. ولا ندري بالتحديد ماذا أراد بهذه العبارة: هل قصد سعة المسجد؟ أم جمال بنيانه أم غير ذلك؟ ويبدو أن ياقوت الحموي المؤرخ الجغرافي كرر نفس العبارة نقلاً عن المقدسي في معرض حديثه المسهب عن مدينة عمان وتاريخها وآثارها، ولما وصل إلى جامعها وصفه بقوله:
ولها جامع ظريف في طرف السوق مغسس الصحن شبه مكة.

وصف الرحالة كوندر... والخطأ التاريخي:
وقد نقل لنا الكابتن كوندر في كتابه (بحث عن فلسطين الشرقية) THE SURVEY OF EASTERN PALESTINE وصفاً مفصلاً لهذا المسجد القديم في عام 1881م، فكان مما قاله:
وصلنا إلى الواجهة الشمالية ـ وقد رأيت عليها سمات لعشائر العربان التي ترد إلى عمان، ولكل عشيرة سمة خاصة...
وبعد حديثه عن المسجد، رجح ـ خطأ ـ أن يكون بناء مسجد عمان من عمل أحد خلفاء العباسيين في القرن الأول من دولتهم، بل مال إلى أن الخليفة المأمون قد يكون هو بانيه، حيث انشئت في عهده أبنية كثيرة في القدس، كما ينسب إليه القصر العربي في قلعة عمان...
وقد وقع في هذا الخطأ لأنه رأى أقواس مسجد عمان مدببة وهو يظن أن الأقواس المدببة لم تظهر إلا في أبنية القرن التاسع الميلادي كمسجد ابن طولون.
والحقيقة هي ـ كما يظهرها كتاب الأمانة العامة لعمان الكبرى، وهو من تقديم عبد الرؤوف الروايده ـ أن القوس المدبب ظهر في القرن السادس الميلادي في قصر ابن وردان في سوريا، ثم في قصرعَمْره وحمام الصراح، وكلاهما من العصر الأموي... وهذا ما يؤكد أن مسجد عمان ذي الأقواس المدببة أموي قديم
فأما بيت الصلاة فيه فله ثلاثة أبواب في الجدار الشمالي، ويعتبر الأوسط منها المدخل الرئيسي له، وفوقه عتب مستقيم يعلوه عقد منبطح من صنجات معشقة، وارتفاع هذا الباب 16 قدماً وعرضه عشرة أقدام
.
وأما البابان الآخران فهما على جانبي الباب الرئيسي وكلاهما على شكل مستطيل، فالباب الغربي فتحته تبلغ سبعة أقدام ويعلوه عقد مدبب، أما الباب الشرقي فتبلغ فتحته سبعة أقدام أيضاً، ولكن يعلوه عتب مستقيم طوله تسعة أقدام وفوقه عقد مدبب...
وطول بيت الصلاة 120 قدما وعرضه 37 قدما ويتكون من سبع بلاطات عمودية على جدار القبلة، والملاحظ أن البلاطة الوسطى تمتد عمودية من الباب الأوسط الرئيسي على المحراب وهي كبيرة تقوم فوقها قبة المحراب.
ويقوم سقف بيت الصلاة في مسجد عمان الجامع على دعائم تتعامد مع جدار القبلة، وقد تدلى من هذه الدعائم عقود مدببة، ويستند العقد الأخير في كل الجهات الأربع على دعامة ملتصقة بالجدار نفسه.
وقد روعي في بناء بيت الصلاة أن يتلاءم مع المناخ الشتوي البارد لمدينة عمان، لذلك فهو أقرب إلى الانغلاق حيث لا توجد نوافذ إلا أربع نوافذ في الجدار الشمالي المواجه لجدار القبلة، وهذه النوافذ موزعة بين الأبواب الثلاثة، وتعلوها عقود نصف دائرية.
أما المحراب فيتوسط جدار القبلة في مواجهة قبة المحراب. وهو مجوف يبلغ اتساعه 12 قدما، وقد بني في داخل تجويفة المحراب محراب آخر أصغر منه.
وبالطبع فإن المنبر يقع إلى جواره، وهو يضفي على المسجد عموماً بجماله ووقاره هيبة وبهاء
.
صحن المسجد ورواقاته:
وصحن المسجد الجامع بعمان مستطيل مكشوف كباقي صحون المساجد القديمة، واتساعه 135 قدماً طولاً و120 قدماً عرضاً، وله ثلاثة أبواب في الجانب الشمالي منه، يبلغ اتساع كل منها قرابة سبعة أقدام، وقد زين هذا الصحن بالفسيفساء ذات الرسوم الجميلة.
وتدول حول الصحن رواقات من جهاته الثلاث.
ومن المعهود في المساجد القديمة أن تكون الميضأة في أحدها، بينما تتوسط الصحن نفسه نافورة أو فوارة للوضوء تعلوها قبة.
ومئذنة المسجد الجامع القديم في عمان (المسمى حالياً الحسيني الكبير) كانت تنتصب في الركن الشمالي الغربي لبيت الصلاة، وقد بنيت هذه المئذنة من الحجر المشهر ولكنه أصغر حجماً من تلك الحجارة التي بني منها الجامع نفسه.
والمئذنة مربعة الشكل، وتعتبر من أقدم المآذن التي بنيت في الأردن، ويدور بداخلها درج عدد درجاته 33 درجة، ترتفع كل واحدة عن الأخرى نحو قدمين.
وفي أعلى المئذنة شرفة بارزة عن بنائها ترتكز على كوابل حجرية تقوم مقام المقرنصات. وهذه الشرفة يقال لها: بيت المؤذن، أو بيت الأذان، كان يقف فوقها المؤذنون ويدورون حولها وهم يجهرون بالدعوة إلى الصلاة، وحول هذه الشرفة جدار من الحجارة المحفورة تحف به (كالدرابزين) ارتفاعها نحو متر.
وينفتح في جدار الصومعة تحت الشرفة أربع نوافذ معقودة بعقود نصف دائرية.
وفوق بيت الأذان هذا ترتفع طاقية المئذنة أو تاجها المرفوع نحو ثمانية أقدام على مقرنصات بارزة مثمنة الزوايا...
وفي أسفل المئذنة من جهة الشرق باب صغير مستطيل يعلوه عتب مستقيم، وفوقه كتابة عربية قديمة فيها الشهادتان: لا اله إلا الله محمد رسول الله.
وقد كان هذا المسجد يتزود بالماء من نهير عمان كبقية المنشآت العامة في المدينة القديمة.
وقد أشار الرحالة كوندر إلى أنه عندما مر بمسجد عمان الجامع أواخر القرن التاسع عشر لم تكن فيه عناية أو اهتمام، بل كانت بعض أجزائه قريبة من الهدم، ومع ذلك فقد قدم له وصفاً شاملاً كما رأينا.

وقد استعنا بالدكتور يوسف غوانمة في كتابه (عمان حضارتها وتاريخها) للوصول إلى تلك الصورة المفصلة
وظل مسجد عمان الكبير قائماً على حاله تلك، حتى جاء الشراكسة إلى عمان، وأخذوا يقيمون الصلاة فيه ويولونه اهتمامهم، ويقومون ببعض الإصلاحات فيه.
واستمر الوضع على هذه الحال حتى مجيء الأمير عبدالله بن الشريف حسين واتخاذه عمان عاصمة للإمارة الاردنية، وقد وجد أن من الواجب أن يجدد بناء هذا المسجد فأمر عام 1341هـ ( 1922م) بهدم البناء القديم وبناء مسجد جديد محل المسجد القديم، واطلاق اسم (الجامع الحسيني الكبير) عليه. واستمر العمل نحو عامين حتى أنتهى سنة 1924م.
وبالرجوع إلى مقال للدكتور عبدالاله عابدين بعنوان (الطابع المعماري الإسلامي في مدينة عمان) نرى وصفاً كاملاً للمسجد الحسيني المقام على انقاض المسجد العمري أو المسجد الأموي في عمان. وذلك على النحو التالي:
تبلغ مساحة المسجد الحسيني نحو (2000)م2، ويتكون من صحن رئيسي مساحة 360م2 تتوسطه ميضأة رئيسية على شكل مثمن، مغطاة بقبة على شكل قطع ناقص، محمولةٍ على عشرة أعمدة. ويحيط بصحن المسجد ثلاثة أروقة.
وبيت الصلاة واسع نسبياً تبلغ مساحته 630م2، ويتوسط بيت الصلاة من جهة القبلة منبر رائع ومحراب بديع. ويقوم سقف بيت الصلاة ـ المتضمن قبة واسعة ـ على صفين من الأعمدة الحجرية.
وواجهة المسجد الحسيني الرئيسية جميلة جداً وهي مبنية من الحجر المنحوت بشكل متناظر، وطولها 43 متراً.
ويتوسطها المدخل الرئيسي للمسجد، والذي يبلغ عرض فتحته ثلاثة أمتار، ويحيط به وعلى جانبيه عمودان منحوتان بشكل لولبي جميل، وتعلو ثلاثة أقواس فوق هذا المدخل على شكل متدرج تعطي المدخل عمقاً جميلا وتصل هذه الأقواس إلى ارتفاع الواجهة الكلي.
وفي الجزء العلوي من الواجهة توجد أربع فتحات مشابهة للفتحات السفلية للأبواب الجانبية وتقع فوقها مباشرة. إضافة إلى وجود أربع فتحات دائرية تقع فوق الأبواب.
ويعلو الواجهة شريط من المقرنصات على شكل أقواس نصف دائرية محلاة بزخارف مشغولة بشكل جيد...
وقد وضعت فوق المدخل الرئيسي لوحة من الرخام نقشت عليها أبيات تسجل تاريخ البناء هذا.
وللمسجد الحسيني في عمان مئذنتان مختلفتا الطراز ومختلفتا الارتفاع، فأما المئذنة الشرقية فيبلغ ارتفاعها 25متراً، وأما الغربية فيبلغ ارتفاعها 46متراً، وكلا المئذنتين محلى بزخارف جميلة خاصة عند شرفة الأذان.
وقد أجريت أعمال اصلاحات وتجديدات واسعة في المسجد خلال عامي 1986 ـ 1987م.
ويؤمل أن تظهر للوجود الدراسة التي أعدتها أمانة عمان لترميم المسجد وازالة المحلات والأبنية الملاصقة لواجهات المسجد الثلاث ومن ثم تأمين مساحة حول المسجد مبلطة ومناطق خضراء تعطي المسجد مكانة رفيعة ومظهراً لائقاً يناسب القيمة التاريخية والدينية لهذا الأثر الضارب في جذور التاريخ.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة