
الإمام أشرف علي التهانوي
1280 ـ 1362هـ
1863 ـ 1942م
الإسلام في الهند حمل ثقيل وعبء ضخم، نتيجة تعدد الآراء، واختلاف الأعراق، وكثرة اللغات، واتساع البلدان، وكثافة السكان، لذلك فرجال الإسلام في تلك القارة منذ القديم تميزوا بالعلم الوافر والدأب المتصل والتجرد الصادق.
ومن مشاهير هؤلاء، أو أشهرهم على الإطلاق في العصر الحديث الإمام أشرف علي التهانوي، الملقب بحكيم الأمة.
خصائص ربانية لهذا الفتى
ولد رحمه الله عام 1280 للهجرة في قرية (تهانه بهون) التابعة لمدينة (مظفر نكر) في بيئة دينية خالصة، وحفظ فيها القرآن الكريم، وتعلم مبادىء الفارسية والعربية وعلوم الدين على أيدي أساتذة مهرة، وكان منذ نعومة أظفاره ميالاً إلى الطاعات، رقيق الطبع، بحيث لا يستطيع النظر إلى بطن أحد وهو عريان، وكان إذا فاجأه الصبي من أقرانه ببطنه المكشوف غلبه القيء، فربما تعمد ذلك الصبية من باب العبث ومعاكسة الشيخ عندما كان في سنهم.
وتعود الشيخ الكبير أشرف علي التهانوي على صلاة الليل منذ كان ابن اثنتي عشرة سنة، وكانت زوجة عمه التي رعته صغيراً تشفق عليه لحداثة سنه، فتحاول ان تعيده إلى النوم إذا رأته في منتصف الليل مصلياً فكان لا يستجيب، لما يلقى في نفسه من عذوبة العبادة.
ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره رحل إلى أكبر المراكز العلمية في القارة الهندية وأقدمها، إلى دار العلم (بديوبند) فدخل فيها، وتلقى جميع العلوم العربية والأدبية والعقلية النقلية لدى أساتذة قد جددوا سيرة سلف الأمة في سعة اطلاعهم وجودة إتقانهم.
ويذكر أنه رحمه الله لما أرادت دار العلوم ان تحتفل بتخريج دفعته ـ كعادتها عند تخريج كل دفعة ـ بإقامة حفلة كبيرة للعلماء والأعيان وتوزيع الشهادات والعمائم على المتخرجين، لم ير نفسه أهلاً لذلك لشدة تواضعه، فمضى إلى رئيس المدرسين الشيخ محمد يعقوب النانوتي رحمه الله قائلا:
ـ إننا سمعنا أن المدرسة ستمنحنا شهادة الفراغ من العلوم، وتضع على رؤوسنا العمائم، ولكن الحقيقة أننا لا نستحق هذه الشهادة وهذا الأكرام، ونخشى أن نكون سبباً لسوء الظن بالمدرسة بأنها تخرج أمثالنا من الذين لا علم عندهم.
بدايات مشرقة
وقد ابتدأ التهانوي حياته العملية بعد التخرج من (ديوبند) بالتدريس في مدرسة (الفيض العام) في (كانبور) فانتشر صيته، وذاعت شهرته بحسن التدريس وقوة الخطابة وغزارة العلم، ثم أسس هو نفسه (بكانبور) مدرسة أخرى باسم (جامع العلوم)، فتتلمذ على يديه فيها خلق كثير، منهم الشيخ العلامة ظفر أحمد العثماني صاحب كتاب (إعلاء السنن) والذي يقع في ثمانية عشر مجلداً كباراً.
وقد مكث الشيخ التهانوي في كانبور مدة أربع عشرة سنة، يفيد الناس بدروسه ومواعظه وتصانيفه، ثم حبب إليه الخلوة والانصراف إلى العزلة، فاستقال من مدرسة كانبور، وخلف فيها تلميذه الشيخ محمد إسحاق البردواني، وعاد بعد ذلك إلى موطنه الأصلي (تهانه بهون) ولزم زاوية شيخه المسماه (بالخانقاه الإمدادي) لأن شيخه امداد الله الذي هاجر إلى مكة أوصاه بذلك وعهد إليه به.
العبء الثقيل... والمسؤولية الكبيرة
ولقد اشتغل رحمه الله في معظم أوقاته ـ بل فيها كلها بثلاثة أمور رئيسية: التأليف، والوعظ، وتنقية التصوف.
أما عن التأليف فقد كان حكيم الأمة التهانوي أكثر الناس تأليفاً في عصره، ولا يكاد يوجد في هذا القرن من بدايته في كثرة المؤلفات، فقد خلف وراءه للمكتبة الإسلامية نحو ألف كتاب ورسالة مطبوعة، ما بين صغير وكبير، بعضها في التفسير مثل (بيان القرآن) في أربع مجلدات، وبعضها في الحديث مثل (جامع الآثار)، وبعضها فلي الفقه مثل (إمداد الفتاوى) في ست مجلدات، وبعضها في العقائد والكلام مثل (الانتباهات المفيدة في الاشتبهات الجديدة)، وبعضها في التصوف مثل (التشرف بمعرفة أحاديث التصوف)، وبعضها في الدعوة والإرشاد مثل (تعليم الدين)، و (آداب المعاشرة) وبعضها في الأدعية والأذكار مثل (المأمول المقبول في قرباتٍ عند الله وصلوات الرسول)، وبعضها في السيرة مثل (نشر الطيب في ذكر النبي الحبيب)، وبعضها في النوادر مثل (بدائع الفوائد).
يفضل الترغيب على الترهيب
وأما عن اشتغاله رحمه الله بالوعظ والدروس والخطب الإصلاحية، فإنه منذ أن كان في (كانبور) كانت تعقد له في كل ناحية من نواحي البلد، ثم في انحاء أخرى من الهند، واشتهرت مواعظه تلك، وانتهز الناس الفرصة لحضورها، وتحملوا المشاق لسماعها، وكان لمواعظه الأثر الكبير في إصلاح النفوس وتوبة الضلال وهداية المتشككين على يديه.
وكان من عادة التهانوي في الوعظ أنه لا يقبل عليه أجراً، كما كان يرجح جانب الترغيب في وعظه عن الترهيب فيقول:
ـ قد جربت طباع الناس في هذا العصر، فوجدتهم ينتفعون بما يشوقهم أكثر من انتفاعهم بما يخوفهم وكان يدعو الله سبحانه قبل الشروع في الوعظ، قائلاً: اللهم وفقني لبيان ما يحتاج الحاضرون إليه وما يصلح أحوالهم.
وكان لا يتعرض في مواعظه للمسائل الخلافية بين المسلمين.
وكان رحمه الله يعقد كل يوم بعد الظهر مجلساً عاماً في الخانقاه الإمدادي، يجتمع فيه التلاميذ والمسترشدون وعامة الناس وأصحاب الأسئلة، وهو يجيب هذا، وينصح ذلك، ويبين أمراً معروفاً، وينهى عن منكر مكروه، وكان بعض الحاضرين يدون كلامه وإفاداته ولطائفه، وقد طبع من كلامه وإفاداته ولطائفة، وقد طبع من كلامه بعنوان (الملفوظات) أكثر من عشرين مجلداً.
التصوف الشرعي المصفى
وأما اشتغاله بتنقية التصوف، فقد كان للتهانوي رحمه الله دور كبير في الرد على إفراط المفرطين وتفريط المفرطين.
فبينما رد حكيم الأمة على القائلين: بأن التصوف بدعة ليس له أصل من الكتابة والسنة، فرد عليهم بأن بين أن التصوف إنما هو الإحسان، الذي هو جزء من أهم أجزاء الدين، لكونه يتعلق بالأعمال الباطنة من الأحكام الشرعية، من مثل الصبر والخشوع والتوكل والخضوع، وحب الله ورسوله، والإنابة والإخبات إلى الله تعالى، وترك الرياء والعجب والتكبر والحقد والحسد... والأعمال الباطنة في الكتاب والسنة صنو الأحكام التي تتعلق بالأعمال الظاهرة.
فبينما شرح هذا ووضحه، وأكد عليه وبينه، وعلّمه للناس كافة قريبهم وبعيدهم ودعاهم إليه... نراه أيضاً من جهة أخرى قد رد بحزم على الذين يعتبرون التصوف اسماً لجملة من التصرفات والأحوال والتجارب النفسية، ويعتبرون أن من صدرت منه بعض الشعوذة، أو ظهرت له بعض الكشوف والمواجيد في اليقظة والمنام، فهو إمام وقدوة مهما زاغت عقيدته وفسدت أعماله وأخلاقه!!..
ومن هنا كان الشيخ التهانوي رحمه الله على موقف وسط، لا قصور فيه ولا شطط...
ولقد كان تصوف الشيخ أشرف علي التهانوي مسلكاً عملياً لا نظرياً فقط، فكان يقول:
ـ إنني أصرف أكثر عنايتي إلى أن لا يُؤذى أحد مني ولا من أصحابي، سواء كان الإيذاء بدنياً كالضرب، أو مالياً كغصب الحقوق والأكل بالباطل، أوما يتعلق بعرض كإهانة رجل واغنيابه، أو نفسياً مثل أن يترك أحد غيره في اضطراب وتشويش أو يعامله بما يكرهه، وإن صدر شيء من ذلك خطأ فالواجب ان يبادر إلى طلب العفو والصفح.
ولقد كان الخانقاه الشيخ (الخانقاة الإمدادي) دور كبير في ترجمة أفكاره السلوكية، فكان يجتمع فيه العلماء والمشايخ الكبار والأطباء والمهندسون والموظفون والمدرسون وأصحاب الزراعة والصناعة، فيشرف الشيخ بنفسه على تعليمهم الدين، وتدريبهم على الأخلاق الإسلامية، وتمرينهم على آداب المعاشرة، وكان الخانقاه يتمتع بنظام محكم في كل شيء، لا يستطيع أحد أن يخالفه، مما ساعد على ضبط الأوق ات، وتنظيم الحياة، والعناية بأداء الحقوق، والقيام بالواجبات، حتى تتخرج النفس منه محلاة بالفضائل مهذبة عن الرذائل.
صفات فريدة ومزايا عديدة
وأهم ما كان مؤثراً في الناس أخلاق وصفات الشيخ حكيم الأمة التهانوي.
(1) كان رحمه الله كلما احتاج إلى شخص في أمر من الأمور يذهب إليه بنفسه، ولا يطلب منه الحضور إليه، وله في ذلك كلمة مشهورة هي:
ـ الواجب أن يذهب المحتاج إلى المحتاج إليه، ولا يعكس الأمر.
ولعل هذه اللفتة الكريمة هي التي كانت تدفع بالشيخ ليذهب إلى طبيبه وهو مريض، دون أن يكلفه عناء الحضور إليه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
(2) وكان رحمه الله لا يأمر خادمة بأمرين في وقت واحد، بل كان ينتظر حتى يفرغ من أمر فيأمره بغيره، ويقول في هذا:
ـ إني أفعل ذلك لئلا يثقل على الخادم خفز الأمر الثاني، فأحتملُ مشقة الحفظ بنفسي، ولا أكلف بها الخادم.
(3) كان لا يشفع لأحد إلا بحق، بشرط أن يتأكد أن ذلك لا يثقل ولا يشق على المشفوع عنده، فيقول:
ـ إن الناس عامة يراعون في أمر الشفاعة جانب المشفوع له، ولا يراعون جانب المشفوع إليه، مع أن إعانة رجل مستحب، والاحتراز عن الإيذاء واجب، فكيف يجوز ترك واجب لحصول مستحب.
(4) وكان لا يلح على ضيف بالإكثار من الإقامة عنده، أو الاستزادة من الطعام، ولو كان الضيف أحب الناس إليه، وكان مضيافاً كريماً.
(5) ومن طرائف أحواله أنه إذا كتب رسالة إلى أحد يستفسره عن أمر من الأمور، وضع له لفافة فيها العنوان وطابع البريد.
هكذا عاش هذا الرجل الفريد..
وقد توفي الشيخ عام 1362 للهجرة في صفر.
رحم الله حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي وأجزل مثوبته.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة