
محمد يوسف الكاندهلوي
1335 ـ 1383 هـ
1917 ـ 1965م

لم يكن يحلم ـ فيما أحسب ـ أن تصل به الأمور إلى هذه الدرجة الرفيعة من النجاح... ولكن المؤكد أن توفيق الله له وإخلاصه في عمله هما اللذان بلغا به ما بلغ، من تحقيق أهداف عجز عنها الكثير غيره.
ويكفي أن نعلم أن الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي ابن الشيخ محمد إلياس مؤسس "جماعة التبليغ" في الهند، قام قبيل وفاته برحلة طويلة إلى باكستان زار خلالها المدن الكبرى فيها، وعقد خلال زيارته تلك اجتماعات واسعة لا يكاد يوجد لها نظير في التاريخ القريب المعاصرة، ضمت ألوفاً من الوافدين عليها والحاضرين إليها، وقد كان محور تلك الاجتماعات الدينية العظيمة كلها الشيخ محمد يوسف نفسه بخطبه المدوية، وصوته المجلجل، وقلبه الواثق، وفكره المتوقد، مما كان له أكبر الأثر في إنهاك صحته واشتداد السعال والحمى عليه... وكانت كلمته الأخيرة في حفل "لاهور" آخر ما استطاع أن يجود به من سهام في سبيل الدعوة إلى الله، غشي عليه بعدها، ثم قبل وصوله إلى المستشفى في اليوم الثاني كان قد لحق بالرفيق الأعلى...
هذه هي الصفحة الأخيرة في حياة مجاهد كبير وعالم عامل وإمام قدوة وإن لم تكن الأخيرة في فكره وأثره... فقد ترك وراءه فكراً حياً، وأمة متحركة.
ولا شك ولا ريب أن من رجال الأمة الأعلام في هذا العصر الحديث ذلك الرجل الهندي، الذي كان متوسط القامة، وضيء الوجه، ضخم الجثة، أسود اللحية، في عينيه بريق وجاذبية، دائم الابتسامة مع شدة اهتمامه بأحوال المسلمين، واسع العلم والمعرفة مع بساطة في العيش وعدم تكلف في الملبس...
ولد الشيخ محمد يوسف يوم الأربعاء في الخامس والعشرين من جمادى الأولى عام 1335هـ (مما يوافق عام 1917م) في قرية "كاندهله" في غربي الولاية الشمالية بمديرية (مظفرنك)، وكان أبوه الشيخ محمد إلياس من كبار العلماء ومن الدعاة إلى الله، شأنه في ذلك شأن معظم رجالات تلك الأسرة المشهورة بالعلم والتدين وخدمة الإسلام... كما ذُكر عن تدين نساء الأسرة وورعهن الشيء الكثير.
حفظ القرآن الكريم وهو ابن عشر سنين، وهذا أمر غير بعيد بالنسبة للمسلمين في الماضي بعامة ـ وبالنسبة للمسلمين في الماضي بعامة ـ وبالنسبة للمسلمين في الشرق حتى اليوم بخاصة ـ ثم تلقى دراسة الحديث في مدرسة (مظاهر العلوم) بسارنبهور على أيدي كبار علماء الحديث في عصره، وتولى توجيهه وتربيته في تلك الفترة ابن عمه الشيخ الكبير محمد زكريا الكاندهلوي حتى تخرج عام 1345 من المدرسة التي توازي في أعرافنا اسم الجامعة... فأهل الهند والباكستان يسمون جامعاتهم العربية (مدارس).
ولئن كان في أول عمره قد اشتغل بالتأليف، فشرع في كتابه "أماني الأحبار" الذي هو شرح مستفيض لكتاب "معاني الآثار للطحاوي" بلغ عدة مجلدات، إلا أن وفاة والده الشيخ محمد إلياس عام 1362هـ أحدثت في حياته تحولاً جذرياً.
فلقد ترك والده بعده جماعة (التبليغ) أمانة في يده، مما حمله مهام شاقة في حمل راية الدعوة إلى الله في ظروف صعبة، وإمكانات ضعيفة، ومعوقات كثيرة... لذلك فقد فرّغ نفسه لإلقاء الخطب التي تستغرق ساعات طوالاً، ولرعاية الرحلات التي كان يقودها بنفسه، أو يرسل بها أتباعه، وتلك أعمال كانت لا تترك له أكثر من ثلاث ساعات للراحة في يومه كله، وأحياناً أقل من ذلك.
ويكفي أن نعلم أنه رحمه الله أنفق عشرين سنة من عمره، عقد خلالها ما لا يقل عن (53) حفلاً كبيراً في مختلف مدن الهند الكبيرة، كما سافر إلى باكستان الشرقية والغربية بعد انفصالهما عند الهند أكثر من (16) مرة كان فيها دائم الحركة لا يهدأ، دائب العمل لا يفتر، موفور النشاط لا يمل، يواجه كل عنت ومشقة بوجه باسم وقلب خاشع.
وكان ثاقب النظر بعيد المرمى، لم يقنع أن تكون دعوته إلى الله على الطريقة التي ارتضاها وهي ـ طريقة العلم والعمل والاستقامة وإصلاح الآخرين ـ لم يقنع أن تكون تلك الدعوة محصورة في الهند وباكستان، مقطوعة الصلة بالعرب أهل الإسلام الأوائل، لذلك ركز اهتمامه منذ البداية على الحجاج الذين يزورون الحرمين الشريفين، فكان يؤثر فيهم بما آتاه الله من قوة تأثير عجيبة، ليكونوا رسله إلى المسلمين عامة والعرب خاصة، حتى اتخذ له مقراً في ميناء كراتشي وبمباي، وكان يطوف بنفسه على بواخر الحجاج.
وسرعان ما انتشرت دعوة الشيخ محمد يوسف رحمه الله في الحجاز، ثم أرسل أول جماعة من عنده إلى مصر والسودان والعراق، ثم إلى سائر بلاد العرب... ثم كانت بعد ذلك الجماعات التي تخرج إلى أنحاء آسيا وأفريقيا وأوروبا... وهو في كل الأحوال ينفث في أعضاء تلك الجماعات ـ بكلامه الفياض المؤثر ـ روحاً وهمة ونشاطاً، يحثهم على تحمل النفقات مهما كانت، واستسهال العقبات مهما كثرت.
وقد أكرمه الله بإقبال الناس عليه ووضع له القبول في القلوب، ولقد حج ثلاث مرات، واعتمر مرتين، وكان في حجته الأخيرة وعمرتيه ـ وبصحبته جماعات كثيرة من أتباعه وإخو انه ـ يطوف في البلدان ويعقد الجلسات الكثيرة، ويتحدث مع العلماء والعامة حول إحياء الإسلام والدعوة إليه من الصباح حتى المساء.
ولعل أهم خصلة ميزت نشاطه في حياته كلها ـ وهي الخصلة التي غرسها في أتباعه ـ أن دراسة الكتب والاكتفاء بالشعائر الظاهرية مع الركون والسكون لا يغيران وضع المسلمين، بل كان يرى أن لا بد من أمور عدة هي: تغيير الباطن وتزكية الأخلاق والأعمال، وإجلال العلم والعلماء، والتضحية والكفاح، والاتصال بالله والتعلق به، وتشكيل الجماعات للخروج في سبيل الدعوة، وإقامة حلقات التعليم، والشورى، والدعاء... وكان هو نفسه يرحمه الله خير مثال وقدوة.
ولما رأى كثيراً من أتباعه من عوامل المسلمين، ممن يحتاجون إلى تعليم عملي، وتوعية إيمانية من أجل الاستقامة والاستمرار، ألف كتابه الشهير الذي سارت به الركبان "حياة الصحابة" ليكون دستوراً ومنهجاً... وقد لقي الاستحسان والقبول لدى الخاصة والعلماء قبل العامة.
ولم يلتفت الشيخ رحمه الله إلى العمل السياسي، بل كانت له نظرة أبعد من الاهتمام بالمناصب، أو الاكتفاء بإحداث التغيير في القرارات والمراسيم، هذه النظرة هي الاهتمام بإصلاح الأمة، لتكون توطئة لإصلاح أحوال المسلمين.
ولئن كان الشيخ رحمه الله في ظاهرة يمتاز بالسمت الهادىء الوقور، إلا أن المقربين إليه كانوا يعلمون مدى تحرقه واضطرابه ولهفته وقلقه... إنه كالبحر صاف في وجهه يمور في جوفه... كان أثناء تكلمه يلف كمه مرة ويحله أخرى، وبعد قليل يتنفس الصعداء، وذلك يزيده اضطراباً وحماساً.
وكان ذا تأثير عجيب نادر على جلسائه، إذا أخذ في كلمة حوّل مستمعيه من عالم المادة والشهوات إلى عالم الغيب والتضحيات، وكان ذلك التأثير يظهر في المجتمعين به من أول يوم في قلب حياتهم وتحويلها.
أما عبادته ودعاؤه وإخلاصه وتبتله فإنهما من أسباب قبوله عند الله وعند الخلق... كان إذا دعا ومد يديه إلى السماء وأخذت شفتاه بإرسال كلماته الرقيقة الهادئة، ثم العميقة الهادرة انفعل، وانفعل الحاضرون معه، فلا يقومون إلا وقد كثر بكاؤهم، وازداد تململهم وأسفهم على ذنوبهم، وتعلقت أرواحهم بعفو ولطف خالقهم، يضطربون اضطراب السليم، ويذهلون ذهول الخائف، ويفرون إلى الله فرار المحب المشفق، ويرتج المجلس بصوت آمين... آمين.
وكان الشيخ محمد يوسف ورعاً تقياً، زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة... كان يلف رأسه بالمنديل، أو يلبس القلنسوة الهندية البسيطة، وكان ملبسه الإزار والقميص الطويل، واحياناً يلبس السراويل.
ونستطيع الجزم ـ غير مبالغين بالقول ـ أن دعوته لاقت من النجاح في الهند وباكستان، وفي كثير من المناطق الإسلامية الأخرى ما لم تحظ به أي دعوة أخرى في العهد المعاصر، مع اتفاق جميع المسلمين على سلامة طريقة الشيخ، وبعده عن الاحتكاك بأي من المسلمين، مع حبه لكل من قال: لا إله إلا الله، وحرصه على نفعه ولو كان في حال من المعصية والبعد عن الله... فذاك مريض يحتاج إلى علاج، أكثر من كونه مجرماً يحتاج إلى عقاب.
ولقد استشعر فضل الله عليه، وهو يعالج سكرات الموت، فكان يردد قبل وفاته: "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده" كما اشتغل لسانه بالشهادة والدعاء حين النزع الأخير.
وبعدما توفي كانت البسمة تعلو وجهه.
ونقل خبر وفاته إلى الناس، فساد الحزن وعم الأسى، واجتمع حشد من الناس كبير حول جنازته، وصلى عليه في لاهور صلاتين، ثم حمل جثمانه ليلاً إلى دهلي بالطائرة، وصلى عليه مايقارب سبعين ألف مسلم عند شروق الشمس يؤمهم الشيخ المحدث محمد زكريا، ودفن بعد ذلك وسط دعوات المسلمين واستغفارهم له، بالجانب الغربي من قبر والده.
هكذا ودع الدنيا رجل لم يجعل همه إلا في الآخرة، وفارق الأرض من حاول تمتين صلة الخلق بالسماء.
رحم الله الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي، وأجزل مثوبته.
جماعة التبليغ... وجموح المهتدين
صفات قيادية... وإيمانية
مبادىء عامة في الإصلاح والنهضة
نظرات إصلاحية بعيدة
بداية تحول رئيسية
الولد سر أبيه
حماس دائم... ونجاح باهر
الصفحة السابقة