
الشاعرة الغريدة ندى الرفاعي… وصوت نسائي في مديح رسول الله r
الشاعرة ندى السيد يوسف الرفاعي أديبة كويتية فاضلة معاصرة، سليلة البيت النبوي الطاهر، تلقب بشاعرة الحرمين، لها ديوان شعري باسم (زهرة المصطفى) ضمنته قصائد خرائد، عذبة النغم، لطيفة المعاني، جياشة العاطفة تجاه رسول الله r وآله الطيبين الأكرمين. اخترتُ شعرها ليكون ممثلاً لشاعرات الإسلام الكثيرات اللواتي لهجت ألسنتهن ـ كما الرجال ـ بمديح رسول الله r ، قديماً وحديثاً فليس مدحه والثناء عليه حكر على شعراء الرجال، ولا هو نهج غادرته شاعرات النساء المسلمات.
* * *
تقول السيدة ندى الرفاعي في قصيدتها (إلى حبيبي محمد):
أَضْنَى الفؤادَ على الهَوَى بُعْدُ هلْ من سبيل لِلَّقا بَعْدُ
جاشتْ بي الأشواقُ ليس لها سَكَنُ يُريحُ، وما لها حَدُّ
يَرْنو إلى مَرْآهمُ بصري ما حِيلتي والنَأْيُ مُمْتدُّ
إنْ قلتُ في أمداحهم كَلِماً شَدَّ الهيامُ وهزَّني الوجدُ
أنوارُهم سبقتْ مَشَاهِدَهم قدْ فاحَ من أطيابِهم وَرْدُ
بِأَبي وأُمي يا رسولَ هدُى لا تَتْركوني دونَكم أَغدو
أنتمْ مرادي يا مُنى أَمَلي ما ضاءَ برقٌ أو دَوَى رعدُ
لي عندَكم طلبٌ يراودُني هل لي بُقْربِ جوارِكم لحْدُ.
* * *
وتنطلق الشاعرة ندى الرفاعي المادحة لرسول الله، الصادحة بين يديه، فتحلق في قصيدتها (بين واديك والقرى):
مَثَلٌ قد تَجَسَّدا وقَديِمٌ تجدَّدا
رحمةٌ مالها مَدَى وجمالٌْ به اقَتَدَى
جمعَ النورَ وجهُه يَتَهادى به الهُدى
عَلَمُ أَيْقَظَ الوَرَى والمَعاني وَوَحَّدا
هو أسمَيَ مَذَاهباً في خُطاهُ ومَقْصِدا
صاحبُ الكوثرِ المؤ يَّدُ باللهِمُذْ غَدَا
خُلْقُه قد تَمَجَّدا والعطايا لها صَدَى
اسمُه كلَّما أَتَى نالَ خَيراً وسُؤْددا
باتَ قلبي ولم يَزَلْ في هَواهُ مُقيّدا
أولُ المرسلينَ خا تَمُهم كانَ أَحْمدا
مَنْ رَآه فقد رَأَى كلَّ حقٍّ محمدا.
* * *
وإذا طافتْ صورة الروضة الشريفة الآسرة بذهن الشاعرة الكويتية ندى الرفاعي تدفقت المعاني الإيمانية الوجدانية متلاحقة ترى. تقول في قصيدتها (روض الحبيب):
لا بدَّ من يومٍ قريبْ أَلْقَى به روضَ الحبيبِ
قد طال بي ليلُ النَّوى يُطْوى مع الدمْعِ الصَّبيبِ
والروحُ من نارِ الجَوَى ظَمْأَى كما الوادي الرَّغيبِ
أصبحتُ من فَرْطِ الأسَى من نَأْيِهم مثلَ الغريبِ
وببعدِهم حالي غَدَا كالطيرِ في القفصِ الكئيبِ
تَمْضي السُّنون بحسرةٍ تَهفي مع الريحِ الهُبوبِ
فَمَتى المضيُّ إليهم مَعْ بسمةِ الصبحِ الرطيبِ؟
وَمَتى الصلاةُ بروضةٍ تُطفِي لَظَى القلبِ الوجيبِ؟
وَمَتى يصيرُ لنا المُنى بلقاِئهم بعد المغيبِ؟
أنّى أَمرُّ بطيبةِ الها دي فَأَشْكيها كُروبي قد آنَ ألقى الذين هواهم مِسكي وطِيبي
وبقربهم ماءُ الحياةِ بذكرِهم تَحْيَا طُيوبي
أُفْضي لربي المُشْتكى ولخالِقي خيراً مجيبي.
* * *
أما في قصيدتها (في حب طه) فتتولد لدى الشاعرة الفاضلة السيدة ندى الرفاعي معان جديدة أصيلة، خاصة وهي تقرأ في وجوه القادمين من طيبة ما لا تخطه الأقلام، تقول:
يُراودني الحنينُ إلى رُباها فأُنكرُ كلَّ معشوقٍ سِواها
وأقضِي الليلَ في حالٍ غريبٍ ولا أَدري أَأَهْلَك في هواها
أُحَمْلقُ في السماءِ فربَّ نجمٍ يمرُّ الآنَ قُرْباً من سَمَاها
وأُبْصِرُ في ضياءِ البدرِ شيئاً يذكّرني ببدرٍ في حِماها
وأَلحظُ وجهَ من قَدِموا كأَنّي أَرَى في ذاك وَمْعَناً من سَناها
ويَمضي العامُ في ثِقلٍ عصيبٍ ألا يا هل تُرىِ بغَدٍ أَراها
ويَجْني الشوقُ مني مُبتغاهُ حصادَ محبةٍ عِشْنا جَوَاها
ألامنْ زَوْرةٍ لديارِ طَهَ لأَبحثَ عن فُؤادِي حيثُ تَاها
فما أَبغي سِوى قُرْبى حبيبٍ وما أبغي كنوزَ الأرضِ جاها
سلامٌ يا دياراً كم تسامتْ وربُّ الكونِ نوراً قد حَبَاها
خُذوني، اطفِئوا نَاراً تلظَّى فإني لا يفارقُني مَدَاها
خُذوني للبقيعِ إلى قُباءٍ إلى أُحدٍ ومن حَمَلوا لِواها
نُصَلّي ركعتين بدارِ تقوى نُطَيِّبُ في مساجدِها الِجباها
دَعوني أمتطِي رَحْلي وأَمضي فليسَ الشوقُ يَفْتَقُد اتِّجاها
ذَروني لا تَلوموني فإنّي عَشَقْتُ لأجلهم سُكْنى ثَرَاها
فيا رَبّاً قديراً في عُلاهُ ويا مَنْ أوْدَعَ الدنيا بَهَاها
ويا مَنْ رِزقُه للطيرِ يَسْري ثوَلَّ الروحَ وامْنَحْها مُناها
* * *
وشاعرة الحرمين السيدة ندى الرفاعي، وهي تمتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيقة الأحاسيس، شفافة الرؤية عميقة الحب لرسول صلى الله عليه وسلم. تقول في قصيدتها (إلى المدينة المنورة):
رُوحي الظمْأى في الدروبِ لم تزلْ تسألُ غفارَ الذنوبِ
أنْ يَلمَّ الشمْلَ بالنورِ الحبيبِ رغمَ تقصيري وَقَد بانتْعُيوبي…
عائُدُ قلبي إليكم والمصيرُ كلما مرَّ زمانٌ ومسيرُ
شدةُ الوجدانِ والحبُّ الأثيرُ فمضى يَتبَعُكم صَبٌّ أسيرٌ…
يا رسولَ اللهِ قد طالتْ سنيني بعدَكم لاغَدوةٌ تَشْفي حَنيني
أَتُراني في مَنامِي أم يَقيني هانَ باللقْيَا انتظارِي وأَنيني…
صاحبَ المحرابِأشجاني اشتياقُ خاطبتكَ الروحُ والدمعُ المراقُ
أَبتغي وَصْلاً إذا آنَ الفَراقُ أبداً أُفديك والعهدُ وثاقُ
يا دليلُ الناسِ في خيرِ طريقِ مَنْبَعَ الأخلاقِ والقولِ الصدوقِ
في هَواكم طابَ لي أَزْكى الرحيقِ نَفْحَةٌ تُذْهِبُ عني كلّ ضيقِ...
يا أبا الأيتامِ ذا القلبِ الرحيمِ سيدَ الإحسانِ والبَرِّ الكريمِ
ولقد أقبلتَ بالمسْعَى القويمِ تُبْرئُ الخَلق من الشركِالذَّميمِ
فَلَكمْ علمتَنا حبَّ العَطاءِ ولكمْأَرسيتَ في بَرِّ النقاءِ
حينما أسَّست بُنيان الوفاءِ مَرْسلاً بالحقِ من ربِ السماءِ...
أنتم في الدهرِ كالدرِّ الفريدِ يا شَفيعاً عند توابٍ حميدِ
ولقد شرّفَ ذِكراكم قَصيدي ولقد زانَ بمرآكُمْ وُجودي...
فالهُدى والعزمُ والطهرُ لديكم والحَصَى سبَّح من بينِ يَديكم
وأنينَ الجِذع إذْ حَنَّإِليكم وصلاةُ اللهِ قد فاضتْ عليكمْ...
في مَزَايا خلقِكم آيُ الجمال وعَطَايا ربَكِّم فوقَ الخَيالِ
قد تجلّتْ في كمالاتِ الخِصالِ وصلاُة اللهِ يا طَه تُوالي...
وسلامُ اللهِ ما دامَ السلامُ كلما حلَّ ضياءٌ أو ظلامُ
ما بَدَا وما هَلَّ الغمامُ ما شَدَا طيرٌ وما مَرَّ الكرامُ
* * *
وفي قصيدتها الرقيقة (طيبة الهادي تجلت) تخاطب شاعرة الحرمين ندى الرفاعي قلبها وحادي العيس فتقول:
أيّها القلبُ تزودْ من هَوَى الحِبِ محمدْ
طيبةُ الهادي تجلتْ نحوَها الأَنياق تَشْتَدّْ
أيها الحَادي فعَجِّلْ أسرعِ الخطوَ وسددْ
علّنا اليومَ نُداوي من به الشوقُ توقّدْ
يا إمامَ المُسلمينا أيها النورُ المؤيدْ
جئتكم أَشْكو بُعاداً أَلْثمُ التربَ وأشهدْ
أَنكّم مني فؤادي حبُّكم أغلى وأمجدْ
قربُكم أَحْلى وأزْكى أَرْضُكم مِسْكٌ وعَسْجدْ
جئتكمْ مِلئِي فَرَحْ أشكرُ اللهَ وأحمدْ
حينما نفسي لاقتْ دوحة الخيرِ الممجدْ
حيث واجهتُ الأحبهْ روضةٌ تزهو بأحمدْ
سيدُ الخلقِ رسولٌ جاء بالحقِ المؤكدْ...
أيها القلب تزودْ مِنْ هَوَى الحِب محمدْ
سلَّم الله تُعالى والوَرى في كلِ مَسْجدْ
في الفيافي والأَقاصي كلما النورُ تجددْ
ذَاكراً اسمَ حَبيبي رحمةُ الباري محمدْ
* * *
ومن ألوان المديح للنبي r الذي تقلبت فيه شاعرة الحرمين السيدة ندى الرفاعي امتداحها لزوجته r خديجة بنت خويلد أم المؤمنين حيث قالت فيها:
أنتِ المثالُ وأنتِ النبلُ والشيمُ أنتِ الوفاءُ وأنتِ الفضلُ والكرمُ
يا ربةَ الصونِ في عزٍ وفي شرفٍ يا زوجةً فُخَرتْ من صُنعِها الأممُ
يا بَرّةً نذرتْ للهِ إذ بَذَلتْ يا مَنْ لحكمتِها داَنتْ لها الحَكمُ
يا دُرةُ وهبتْ من دَمعِ مُهجتِها الركنُ يشهدُ ما أسديتِ والحرمُ
يا مَنْ وقفتِ مع المختارِ في جَلَدٍ تبغينَ نُصْرتَه تَحْدو بك القِيَمُ
يا منْ سبقتِ إلى الإسلامِ مؤمنةً تَفْدينَ دعوتهَ والكفرُ يَضْطرمُ
أنتِ الولودُ التي إيثارُها مددٌ أمَّ العيالِ فيا للهِ دَرُّهمُ
أنتِ الودودُ التي كَلْماتُها سَكَنٌ لما دَعَاه نداءُ الوحْي يِختتمُ
وَثّريِة بدثار الحبِّ حانيةً زمّلْتِه حينما اشتدتْ به الغُمَمُ
كنتِ القريبةَ منه عندَ مِحْنتِه يا نفحةَ المِسك أنتِ الطيبُ يُنْتسمُ
حياكِ رُّبك والوحيُ الكريمَ لِمَا أدّيْتِ من عملٍ تَرقى به الهِممُ
أَهْداك أرْفعَ بيتٍ لا ضجيجَ بهِ في جنةِ الُخلد حيثِ النورُ والنعمُ
* * *
وكما امتدحت شاعرة الحرمين ندى الرفاعي ـ في إطار المديح النبوي ـ خديجة الزوجة الوفية، امتدحت بنات النبي r الطاهرات رضي الله عنهن. فقالت تفاخر في ذلك:
بناتُ نبينِا شُرِّفنَ قَدْرا فهنَّ حرائرُ البيتِ التليدِ
تَفَيَّأْنَ الحنانَ بخيرِ ظلٍ وأُرضِعنَ الفَضائل في المهودِ
إذا ما الروضُ قد باهتْ بزهرٍ فهنَّ نقاءُ أنفاسِ الورودِ
إذا ما النجمُ باهَى بالثريِا فقد ألُبْسنَ تِيجانَ السّعودِ
إذا ما البحرُ باهَى باللآلي فهنَّ لآلئُ الدّرِ النَضيدِ
إذا ما الأرضُ قد باهت بكنزٍ فهنَّ جواهرُ العِقِد الفريدِ
تقياتٌ كريماتف السَّجايا فهنَّ كنسمةِ الصبحِ الجديدِ.
* * *
وخصت الشاعرة المحبة ندى الرفاعي من بنات رسول الله r واسطةَ عقدهن فاطمة البتول الزهراء، فقالت تمدحها:
ريحانةُ النورِ والأغياتُ تغمرها أَندى القواريرِ في أَسمى مَعَانيها
كنزُ المواهبِ في زُلْفى مشاربِها ليتَ القريضَ بقدرٍ كي يُوَفّيها
يا بَضْعةً من رسولِ اللهِ غاليةً في مجلسٍ فاضَ فيه الودُّ يُدنيها
ما كانَ يُغْضبُها قد كان يُغْضِبُه بنتُ الأزاهرِ إنَّ الروحَ تَفْديها
لما دَنتْ سَكَراتُ الموتِ في إلمٍ من والدِ الخيرِ(طَه) صارَ يُبكيها
حتى أَسَرّ اليها ما يُطَيِّبُها قُرْبُ اللحاقِ به سَلوى تُواسِيها
تَبقى المدائحُ ما حَفّتْ مُقَصِّرةٌ دونَ المقامِ فمن ذا في مَعَاليها.
# # #
وهكذا كان صوت الشاعرة المسلمة في دوحة المديح النبوي الوارفة رقيقاً أصيلاً ندياً. طبت يا ندى الرفاعي وبورك فيك.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة