 |
|
أبحاث علمية حول اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشئون المسلمين الدنيوية ورعاية مصالحهم
|

الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية
تمهيد:
ونقصد هاهنا بالعلاقات الخارجية: الصلات والروابط والاتفاقيات والمعاهدات التي من خلالها تحققت عدة أهداف للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل إبلاغ الدعوة وحسن الجوار وتأمين القوافل ونشر الإسلام، كما تحددت من خلالها كذلك صورة العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم وكل من الأمم والممالك المجاورة، من فرس وروم ونصارى عرب وقبط وأحباش وغيرهم.
كما يدخل معنا في الحديث عن الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية الحديث عن مواطني الدولة من غير المسلمين، كاليهود والنصارى، ممن سموا: أهل الذمة.
بالهجرة إلى الحبشة ولدت العلاقات الخارجية:
ولا بد أن نبدأ بالنظر في البدايات الأولى للدعوة أيام مكة قبل الهجرة. فهناك بدأت العلاقات الخارجية مع غير المسلمين تضع بذورها... ففي السنة الخامسة للبعثة النبوية وإثر اشتداد البلاء على المسلمين من قبل قريش؛ أشار النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه بالخروج إلى الحبشة، فخرج منهم أولاً أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، ثم بعد ذلك كثر العدد حتى بلغ ثلاثة وثمانين نفساً، أميرهم ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب، وذلك ولا شك بداية الانطلاق نحو إنشاء صلات للنبي صلى الله عليه وسلم بالعالم الخارجي.
يقول د. محمد رواس قلعجي في كتابه (قراءة جديدة للسيرة النبوية): وفي اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للحبشة بالذات لتكون مهاجر أصحابه دليل على أن رسول الله قد درس الموقف جيداً، وعرف أحوال دول العالم آنذاك... وبذلك يظهر لنا أن رسول الله كان يفكر على مستوى دولة، ويعمل على مستوى دولة قبل أن تكون له دولة... خاصة إذا علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شفع أمره لأصحابه بالهجرة بشهادة طيبة وتزكية راقية لملكها، مما يفتح المجال أمام علاقات وطيدة حسنة.
هذه البدايات القوية للعلاقات الخارجية بالأمم المجاورة كانت خاضعة ولا شك لظروف الدعوة العامة، إلا أننا نرى اهتماماً من النبي صلى الله عليه وسلم بها باستمرار... ومن ذلك أن أباطالب، عم النبي صلى الله عليه وسلم ووالد جعفر أمير المهاجرين إلى الحبشة، أرسل رسالة إلى ملك الحبشة ـ ولعلها كانت بإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم ـ يوصيه خيراً بجعفر وأصحابه. وكانت أبياتاً من الشعر فيها:
تعلّم أبيتَ اللعن أنك ماجد كريم فلا يشقى إليك مُجانب
ونعلم أنّ الله زادك بسطة وأسبابَ خير كلُّها بك لازب
ونجران أيضاً ذات صلة:
ومن نتائج هذه الهجرة الجانبية أن نصارى نجران ـ وهم جيران الحبشة ـ قدم وفد منهم إلى مكة قبل الهجرة ليستكشف أمر هذا النبي الجديد.
ينقل ابن كثير عن ابن إسحاق عند تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (المائدة/ 55) قوله: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره، من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم بالدمع... فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب... وأغلظوا لهم القول. فردوا عليهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيراً.
وتلك الصفحة من الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية مع الحبشة ونجران؛ طويت مؤقتاً بشكل جزئي بالانشغال بالهجرة الكبرى إلى المدينة المنورة وما رافق ذلك من أحداث تذهب بالعقول. إلا أن ملف العلاقات الخارجية نشط على جبهة أخرى، وهي جبهة يهود المدينة الذين كادوا ـ لولا سوء تصرفاتهم ونياتهم وتوريط حلفائهم من العرب لهم بالمؤامرات والمكائد ـ كادوا أن يصبحوا جزءاً من الدولة النبوية الناشئة في طيبة.
فلقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم منذ وصوله إلى المدينة على أن يكتب وثيقة سياسية واجتماعية مهمة تتناول موضوعات أساسية في السيادة والمواطنة والحقوق والواجبات على كلٍ من المهاجرين والأنصار واليهود، لتكون الأمور واضحة والصورة جلية والمستقبل أقل احتمالاً للمفاجآت والمنغصات، فكان مما جاء في الوثيقة مما يخص اليهود ـ جيران المدينة ـ: (إن اليهود يتفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته... وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وإنه لا تُجَار قريش ولا من نصرها... إلخ). وهي ولا شك قاعدة أساسية لدمج اليهود في مجتمع المدينة.
إلا أننا نرى من تتبع أحداث السيرة أن اليهود قد رفضوا تلك الفرصة التاريخية المهمة، وأبوا إلا الانفصال النفسي والبدني والاجتماعي، مما حدا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى إجلائهم عن المدينة، طائفة بعد طائفة، إجلاءً مؤقتاً إلى خيبر. فأجلى عن المدينة أولاً بني قينقاع، ثم بني النضير، ثم قضى على بني قريظة... وذلك إجراء بدا منه أن العلاقات الخارجية مع هؤلاء اليهود كانت متوترة وسيئة وغير قابلة للإصلاح داخل المجتمع... وقد تابع النبي صلى الله عليه وسلم هذا النهج في علاقته مع اليهود،
فسار إليها أخيراً في خيبر وما حولها حتى أخضعهم لسيطرته تماماً، وأبقاهم كعمال وإجراء في الأرض، لا سلاح بأيديهم ولا سلطان لهم. مع توصية لأصحابه قبيل وفاته أن يجلوهم عن جزيرة العرب قاطبة إجلاءً لا عودة لهم بعده.
بعثات نبوية شتى إلى مختلف جهات العالم:
على أننا نرى أن ملف العلاقات الخارجية فتح على أشُده مرة واحدة عام ستة بعد الهجرة، بعد أن استقرت الأوضاع الداخلية في مجتمع المدينة، إثر تصفية تجمعات اليهود فيها..
وقد كانت العلاقات الخارجية أبرز أعمال هذه السنة، وذلك عندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى ملوك الأرض بكتبه.
فأرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس بمصر، وبعث شجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمْر الغساني ملك تخوم الشام، وبعث عمرو بن العاص إلى ابني الجلندي ملكي عمان، وبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى ملك الروم قيصر، وبعث سَليط بن عمرو إلى هَوذَة بن علي الحنفي وإلى ثمامة بن أثال وهما رئيسا اليمامة، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى ملك الفرس كسرى، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين...
وقد تفاوتت ردود الملوك على رسله وكتبه صلى الله عليه وسلم. يقول المقريزي في (إمتاع الأسماع): فأما المقوقس ملك الإسكندرية فإنه قبّل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى إليه أربع جواري، منهن مارية القبطية التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له ابنه إبراهيم. وأما قيصر واسمه هرقل فإنه قبل أيضاً الكتاب واعترف بالنبوة ثم خاف من قومه فأمسك. وأما الحارث بن أبي شمر الغساني فإنه لما أتاه الكتاب قال: أنا سائر إليه (يعني محارباً) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغه ذلك عنه: " بادَ ملكه ". وأما النجاشي فإنه آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرسل ابنه أو ابن أخيه في ستين من الحبشة، فيقال إنهم غرقوا في البحر. وأما كسرى ملك فارس فإنه مزق الكتاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مزق الله ملكه "، فسلط عليه ابنه شيرويه فقتله. وأما هوذة بن علي الحنفي فإنه أراد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون الأمر له من بعد وفاته وإلا قصده وحاربه، فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم اكفنيه" فمات بعد قليل. وأما المنذر ابن ساوى فإنه أسلم وأسلم أهل البحرين معه.
النتائج الناجحة والثمرات الطيبة:
وبكل المقاييس فقد كانت تلك البعثات موفقة ناجحة، وإن لم يكن التوفيق في إسلام المدعوين واتباعهم كلهم للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ففي إبلاغهم وإقامة الحجة عليهم وإشعارهم بقوة الدين الجديد وعالميته، وتطلعه إلى سائر الآفاق والأمصار والشعوب على أنها مجالات مفتوحة أمامه، شاء من شاء وأبى ومن أبى.
ويبدو أن أطيب العلاقات الخارجية وأنجحها كان مع الحبشة، فقد تضمن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إليه مع عمرو بن أمية الضمري ثلاثة مطالب:
أولها أن يسلم فأسلم.
وثانيها أن يزوجه أم حبيبة المسلمة المهاجرة من مكة إلى الحبشة بعد أن فارقها زوجها وتنصر؛ فزوجه إياها وأصدقها من عنده وجهزها وبعث بها إليه.
وثالثها أن يبعث إليه بمن بقي عنده من أصحابه المهاجرين وأن يحملهم؛ فحملهم في سفينتين أوصلتهم إلى قريب من المدينة المنورة، وكانوا أكثر من سبعين رجلاً وامرأة.
الاعتداء على الرسل لا يغتفر!! :
ولكن أسوأ تلك العلاقات وأقساها كان مع شرحبيل بن عمرو الغساني أمير بصرى الشام من قِبل الروم، فقد كان هذا الأمير موتوراً من المسلمين لتعطل التجارة الخارجية بسبب اعتراضهم طريق القوافل، فلما جاءه رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي، قبض عليه شرحبيل وأوثقه رباطاً، ثم ضرب عنقه دون مراعاة لحرمة الرسل التي لا تقتل. فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن جهز جيشاً ليؤدب ذلك الأمير الغساني الذي بالغ في الإساءة إلى الدولة المسلمة، واستنفر الناس للخروج فيه، فبلغ أفراده ثلاثة آلاف مقاتل ـ وهذا عدد كبير بالنسبة للسرايا ـ ثم عيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمراء للجيش على التتابع، أولهم زيد بن حارثة، وثانيهم جعفر بن أبي طالب، وثالثهم عبد الله بن رواحة. ولما لم يرتض النبي صلى الله عليه وسلم نتيجة هذه السرية (غزوة مؤتة) ـ رغم أنها لم تكن فاشلة تماماً ـ أعاد الكرة ثانية، فجهز بقيادته هو صلى الله عليه وسلم جيشاً أكبر من ذلك عدته ثلاثون ألفاً. ثم أعاد الكرة ثالثة قبيل وفاته عليه السلام عندما جهز جيش أسامة بن زيد بن حارثة ليغزو أرض الشام حيث قتل أبوه رحمه الله. فكان بذلك عليه السلام مضرب المثل في الثأر لرسله والإصرار على إبقاء هيبته في نفوس أعدائه.
وتذكر بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى بعض القبائل كتاباً، فقام كبيرهم بمحوه ثم رقع به دلواً، فلم يتركه النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى أخذ أهله وماله سبياً.
علاقة حسنة مع نجران ووصية طيبة بمصر وغيرها.
ومن الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية مع من حوله، أن نصارى نجران ـ الذين قدم بعضهم قبل الهجرة إلى مكة ـ جاء وفدهم ثانية إلى المدينة، فجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجادلهم حتى أقام عليهم الحجة، إلا أنهم لم يسلموا، واكتفوا بدفع الجزية، وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل معهم رجلاً من أصحابه يقضي بينهم ويقبض جزيتهم، فأرسل معهم أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة.
ومن قبيل الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى المسلمين ببعض الأمم المجاورة ذات الصلة الحسنة خيراً. فقد روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنكم ستفتحون مصرَ وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً..." وعند الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتركوا الترك ما تركوكم " كما جاء عنه عليه السلام في المجوس " سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ".
المحافظة على حقوق الذميين والمعاهدين:
ويجب أن لا ننسى أن من الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية وصيته المؤكدة المكررة بحسن معاملة المعاهدين والذميين والمستأمنين والمستجيرين من أهل الكتاب، الذين يقيمون بين أظهر المسلمين أو يدخلون ديارهم أو يكونون تابعين لحكمهم.وفي هذا القبيل جاء قوله سبحانه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) (التوبة/ 9) وجاء قوله عليه السـلام: "من آذى ذمياً أو انتقصه حقـه فأنا خصمه يوم القيامة ".
كما جاء الأمر بالإيفاء بالعهود والعقود والمواثيق والمعاهدات المبرمة معهم، قال تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة/ 4)، كما جاء البيان بقربهم من المؤمنين إذا كانوا مسالمين موادعين (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ...) (المائدة/ 82).
روى المقريزي في (إمتاع الأسماع) في غزوة خيبر بعد انتهائها فقال: وجعل المسلمون يقعون في حرثهم (اليهود) وبقلهم بعد المساقاة، فشكت يهود ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن يهود شكوا أنكم وقعتم في حظائرهم وقد أَمّناهم على دمائهم وعلى أموالهم التي في أراضيهم، وعاملناهم، وإنه لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها. فكان المسلمون لا يأخذون من بقولهم شيئاً إلا بثمن.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة