 |
|
أبحاث علمية حول اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشئون المسلمين الدنيوية ورعاية مصالحهم
|

الرعاية النبوية للتجارة الداخلية
تمهيد:
للتجارة الداخلية في حياة العرب أهمية كبرى، فهي شريان الحياة الذي يوفر لهم حاجاتهم المعاشية، ويؤمن للمجتمع البدوي الصحراوي في جزيرة العرب منتجات ومصنوعات المجتمعات الأخرى المحيطة به من كل جانب، مقابل ما ينتجه هو من مواد وسلع، كما أن قوافل التجارة كانت بالنسبة للعرب تمثل قنوات للاتصال وتبادل الأخبار والأفكار مع العالم الخارجي.
وإذا نظرنا إلى المجتمع المكي والمجتمع المدني نجد أن التجارة هي القاسم المشترك بينهما، فكل من المدينة ومكة مركز تجاري مهم لتبادل السلع ونقطة عبور أساسية للقوافل... لذلك فلا عجب إن كان للتجارة حظ وافر من اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم من نواحٍ شتى.
التجارة داخلية وخارجية:
ولكننا من باب تبسيط البحث وإثرائه سوف نقسم التجارة بحسب حركتها إلى نوعين:
تجارة داخلية تتعلق بتقليب الأموال وتداول السلع داخل إطار الدولة النبوية وتأمينها وتنظيم سوقها والإشراف على مسيرتها.
وتجارة خارجية تتعلق بالقوافل التي كانت تتردد فيما بين اليمن والشام ومصر والحجاز.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم تاجراً:
ويجب أن لا ننسى ابتداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ريعان شبابه دخل معترك التجارة بقوة، عندما قاد قافلة خديجة بنت خويلد نحو الشام، بمالها الوفير الذي كان يعدل أحياناً مال قريش. قال ابن هشام: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالٍ لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار... وهكذا كان.
ولم ينقطع النبي صلى الله عليه وسلم عن الاتصال بالأسواق رغم عبء الرسالة في مكة، حتى كان تردده على الأسواق مثار عجب عند قريش: أيكون رسولاً من عند الله وتاجراً في آن واحد! (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) (الفرقان/ 7)، كأنهم يعيبون عليه ذلك، وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعاب...
أسواق المدينة ورعايتها:
إلا أن الرعاية الكبرى للتجارة وإدارة السوق وتتبع مصالح المجتمع فيه برزت بشكل واضح في المدينة المنورة، بعد أن أمن المسلمون على أنفسهم ودينهم، وبعد أن وجد لهم كيان مستقل، وبعد أن أصبحوا قوة اقتصادية لها وزن واعتبار.
ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان فيها عدة أسواق متنوعة الأغراض. منها سوق حباشة وهي مخصوصة لبيع العبيد، وسوق زبالة، وسوق بني قينقاع وتسمى سوق الجسر، وسوق مزاحم، وسوق الصفصاف.
وكان أعظم تلك الأسواق وأكثرها نشاطاً سوق بني قينقاع من
اليهود وكان بنو قينقاع واليهود عموماً هم الذين يتحكمون فيها ويستفيدون منها ولا ينافسهم فيها أحد، رغم أن كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم ـ وكانوا في مكة تجاراً ـ شاركوا في تلك السوق في بداية الأمر... وعلى رأسهم عبد الرحمن بن عوف الذي سأل أخاه الأنصاري سعد بن الربيع أن يرشده إلى السوق بعد هجرته إلى المدينة مباشرة، شاكراً له عرضه مقاسمته ماله وأهله.
للمسلمين سوق خاص:
ويذكر السمهودي في (وفاء الوفا) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة حدد لأصحابه مكاناً معيناً للسوق في موضع بقيع الغرقد، وضرب فيه قبة ودعاهم إلى التعامل فيه بعيداً عن سوق اليهود.
ثم لما كثر الناس فيه وزادت السلع رأى غير هذا المكان أنفع منه وأكثر تحقيقاً لمصالح المسلمين، فعدل عنه وذهب إلى مكان فسيح وخطه برجله طولاً وعرضاً، وكان أقرب إلى الطول منه إلى العرض، في المنطقة المعروفة اليوم بالمناخة غربي المسجد النبوي، وهي تمتد من الحد الشمالي لمصلى العيد (في موضع مسجد الغمامة اليوم) إلى منطقة جرار سعد في منازل بني ساعدة قرب ثنية الوداع شمالي المدينة... وقال لأصحابه: (هذا سوقكم فلا ينتقصن، ولا يضربن عليه خراج).
ويبدو من النصوص الواردة في هذا الشأن أن النبي صلى الله عليه وسلم استعرض أسواق المدينة فلم يعجبه منها شيء حتى أنشأ سوق المسلمين هذا. روى ابن ماجة عن أبي أسيد: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى سوق النبيط فنظر إليه فقال: ليس هذا لكم بسوق. ثم ذهب إلى سوقٍ فنظر إليه فقال: ليس هذا لكم بسوق. ثم رجع إلى هذا السوق فطاف فيه ثم قال: هذا سوقكم ... إلخ."
الدعوة لممارسة التجارة:
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على العمل في التجارة ودعاهم إلى المشاركة فيها، خاصة أولئك المهاجرين الذين لم يكونوا يملكون أراضٍ زراعية يستغلونها. فكان مما قاله في هذا المضمار؛ ما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء".
كما روي عنه أنه امتدح العمل في التجارة مبيناً أن فيها رزقاً كثيراً. روى سعيد بن منصور في (سننه) عن نعيم بن عبد الرحمن مرسلاً " تسعة أعشار الرزق في التجارة"... وهذا ولا شك يشمله قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) (الجمعة/10) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء/29) . وقد روى ابن أبي الدنيا عن موسى بن عقبة مرفوعاً " إذا رزق أحدكم في الوجه من التجارة فليلزمه ".
استجابة طيبة من المسلمين:
ويلاحظ هنا أن كثيراً من المهاجرين اشتغلوا بالتجارة حتى كأنهم اختصوا بها. كما أشار إلى ذلك أبو هريرة رضي الله عنه عندما قال: (وأما إخواننا المهاجرون فكان يشغلهم الصفق في الأسواق)...
وكان على رأس هؤلاء التجار من الصحابة رضوان الله عليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وحكيم بن حزام وسعد بن عائذ المؤذن ومنقذ بن عمرو الأنصاري وغيرهم كثير... روى البغوي أن سعد القرظ (المؤذن) اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قلة ذات يده، فأمره بالتجارة، فخرج إلى السوق فاشترى شيئاً من قرظ فباعه فربح فيه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره بلزوم ذلك...
بل كان يشجع الصبيان الصغار على التدرب في التجارة قبل البلوغ. روى البغوي عن عمرو بن حريث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعبد الله بن جعفر وهو يبيع بيع الصبيان فقال: " اللهم بارك له في بيعه أو صفقته "... وفي رواية: كنا غلماناً نعمل في السوق.
كانوا سماسرة فأصبحوا تجارا:
وقد غيّر النبي صلى الله عليه وسلم اسم المتعاملين في السوق من سمسار إلى تاجر. فعند ابن ماجة والطبراني عن قس بن أبي عرازة قال: (كما نُسمى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم السماسرة فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن منه. فقال: " يا معشر التجار إن البيع محضرة الحلف واللغو فشوبوا بالصدقة " فكان أول من سمانا التجار).
أنواع السلع والبضائع:
هذا وقد كانت سوق المدينة في عهده صلى الله عليه وسلم عامرة بأنواع من سلع كثيرة، منها السمن والأقط واللبن والتمر والحنطة ونحوها من المطعومات، وكان ممن اشتهر بها حاطب ابن أبي بلتعة والمقداد بن معد يكرب رضي الله عنهما.
ومنها اللحم، واشتهر ببيعه الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز وخالد بن أسيد بن أبي العيص الأموي.
ومنها الجلود المدبوغة التي اشتهر بها سعد القرظ وأم المؤمنين زينب بنت جحش وأسماء بنت عميس وأم المؤمنين سودة بنت زمعة كانت تعمل الأديم الطائفي. روى ابن سعد في طبقاته عن أسماء بنت عميس قالت: أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر (زوجها) وأصحابه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ولقد هنأت (يعني دمغت) أربعين إهاباً من أدم... إلخ.
ومن بضائع السوق (البز) القماش، الذي اشتهر ببيعه عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسويد بن قيس العبدي. روى أحمد وأصحاب السنن عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزاً من هجر، فأتيت مكة " فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى، فساومنا سراويل فبعناه منه، فوزن ثمنه وقال للوازن: زن وأرجح ". وقد قيل أنه كان للبزازين جناح خاص في سوق المدينة.
ومنها أنواع الطيب والعطور والأسلحة والماشية والخيل والإبل والبقر وغير ذلك من السلع التجارية المنتجة محلياً أو المستوردة بواسطة القوافل...
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحض على ملء السوق بالسلع المطلوبة، وينهى عن حبسها في المخازن انتظاراً لفقدها من السوق وغلاء أسعارها فقال: " الجالب لسوقنا مرزوق والمحتكر ملعون ".
مراقبة السوق:
ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى تعهد النبي صلى الله عليه وسلم لشئون التجارة والبيع والشراء في السوق، فكان عليه السلام يتردد عليه بنفسه مراقباً أحواله. فعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أنه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى (بداية السوق آخر المصلى) فرأى الناس يتبايعون فقال: " يا معشر التجار. فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه. فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق " رواه الترمذي.
وكما شدد النبي صلى الله عليه وسلم على الصدق في بيان حقائق السلع شدد كذلك على عدم استخدام الأيمان الكاذبة لإنفاق السلعة.
البيوع المحرمة:
وشدد على منع كثير من البيوع المتعارف عليها في الجاهلية، وهي بيوع مشتملة على الغرر أو الغبن أو الغش والخداع أو الربا، ومنها بيع الملامسة أو المنابذة، أو بيع الملاقيح، أو بيع حبل الحبلة، أو بيع ما لم يملك الإنسان. ومن تلك المتابعات النبوية الكريمة للسوق ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على صَبُرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعُه بللاً. فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس منا".
تحريم الربا:
أما الربا فله شأن كبير في التحريم لا يدانيه فيه محرم آخر، فقد استشرى التعامل بالربا بين التجار بشكل خاص وبين الناس بشكل عام، حتى غالوا فيه ووصلوا إلى المراباة بالأضعاف المضاعفة، واستعملوا الربا التجاري والربا الاستهلاكي. وكان المستفيدون الأساسيون في الربا اليهود أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة الذين يضمنون أرباحهم سلفاً في البداية، وكانوا إضافة إلى تعاملهم بالربا يتعاطون تجارة السلاح، فيحرضون القبائل ويهيجون المتخاصمين وينحازون إلى هؤلاء وهؤلاء، وهم في ذك كله يراعون مصالحهم التجارية...
فلما جاء تحريم الربا ونقل السوق من ديارهم وتضررت مصالحهم بشكل قوي عمدوا إلى التآمر مع قريش وغطفان وقبائل أخرى لضرب المسلمين واجتثاثهم، مما دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعجيل بإجلائهم عن المدينة وإخلائها منهم.
ومما جاء في تحريم الربا قوله عليه السلام: " لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه"، وقال: " ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب "...
وبناء على تحريم الربا فقد منع النبي صلى الله عليه وسلم جملة من المبايعات تتعلق بالربا، كبيع العينة والمزابنة والعرايا، وبيع الكالئ بالكالئ، وبيع اللحم بالحيوان، وبيع الرطب بالتمر، وبيعٍ وسلف، وبيع وشرط، ونحو ذلك، أخرج عبد الرزاق عن يحيى بن كثير أن عثمان بن عفان وحكيم بن حزام رضي الله عنهما كانا يبتاعان التمر ويجعلانه في غرائر، ثم يبيعانه بذلك الكيل، "فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعاه حتى يكيلا لمن ابتاعه منهما". وفي رواية أحمد عن عثمان قال: كنت أبتاع التمر من بطن من بطون يهود ويقال لهم قينقاع، وأبيعه بربح فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا عثمان إذا اشتريت فاكتل وإذا بعت فكل".
بيع المحرمات:
كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المحرمات، كالأصنام وآلات اللهو والكلاب، ونهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ونهى عن البيع في وقت صلاة الجمعة، ونهى عن السوم على سوم أخيه والبيع على بيع أخيه، ونهى عن بيعتان في بيعة وغير ذلك من أصناف البيوع المحرمة.
النساء، والوكلاء في السوق:
واشتركت النساء في التجارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعلمه، فأقرهن على ذلك، وكن يملكن كسبهن، وأحياناً يستأجرن الرجال للاتجار والعمل في أموالهن.
وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أحياناً وكلاء عنه في البيع والشراء. فقد وكل عروة بن أبي الجعد البارقي مرة، ووكل حكيم بن حزام مرة أخرى. فعند البخاري عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه. وكان لو اشترى التراب ربح فيه. وعند الترمذي عن حكيم بن حزام قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: " لا تبع ما ليس عندك ".
التسعير والاحتكار:
وكان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في السوق أن لا يتدخل بالأسعار في التجارة حتى ولو غلت بعض الشيء، وذلك اتباعاً لمبدأ حرية السوق. روى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعّر لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال..."
وبدلاً من التسعير فقد منع النبي صلى الله عليه وسلم الاحتكار المؤدي إلى غلاء الأسعار، وخاصة في المواد الضرورية كالطعام والغذاء. روى أحمد والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ ". زاد الحاكم قوله عليه السلام: " وقد برئت منه ذمة الله ". وروى أحمد وأبو يعلى والبزار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه".
ويلاحظ أنه كانت هناك عقوبات مادية للمخالفين للأوامر في شأن السوق. روى البخاري عن سالم عن أبيه: رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم.
مراقبة سوق مكة:
وكما كان عليه السلام يراقب أحوال التجارة في المدينة كان يصدر أوامره إلى أهالي مكة للتقيد بالتوجيهات النبوية في ذلك. روى ابن حبان والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث أفتأذن لنا أن نكتبها؟ قال: " نعم ". فكان أول ما كتب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة: " لا يجوز شرطان في بيع، ولا بيع وسلف جميعاً، ولا بيع ما لم يضمن، ومن كان مكاتباً على مائة درهم فقضاها إلا عشرة دراهم فهو عبد، أو على مائة أوقية فقضاها إلا أوقية فهو عبد ". هذا إضافة إلى ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية بعد الفتح على سوق مكة.
لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله:
وأخيراً فقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يحث التجار على الإكثار من ذكر الله في أسواقهم والصدقة الدائمة من أموالهم، مصداق قوله سبحانه: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ) (النور/ 37)، وقد نقل بعض المفسرين في تفسير الآية قال: كانوا حدادين وخرازين فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى، فسمع الأذان، لم يخرج الأشفى من الغرزة ولم يوقع المطرقة ورمى بها، وقام إلى الصلاة. ويؤيد هذا ما أخرجه عبد الرزاق من كلام ابن عمر (أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة فإنها تطفئ غضب الرب".
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة