 |
|
أبحاث علمية حول اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشئون المسلمين الدنيوية ورعاية مصالحهم
|

الرعاية النبوية للرعي والحيوانات
تمهيد:
تنتشر المراعي الخضراء بكثرة في عموم الجزيرة العربية، وهي منذ القدم أماكن تجمّع القبائل المتنقلة في الصحراء التي ما تكاد تجد الماء والكلأ حتى تلقي حوله رحالها وتنصب خيامها وتطلق العنان لقطعانها من الأنعام المختلفة، تذهب وتجيء فيه وتملأ أجواء الفضاء بثغائها وخوارها ورغائها...
وقد كانت حرفة الرعي حرفة مشتركة بين جميع قبائل العرب من شمال الجزيرة العربية إلى جنوبها، إضافة إلى ما عرف عن بعضها من اشتغال بالتجارة أو الزراعة.
البداية الأولى:
وانطلاقاً من هذا التصور لحال الجزيرة العربية عموماً، ونظراً للأهمية البالغة للرعي والمراعي والأنعام والحيوان في الحياة الاقتصادية لجزيرة العرب، فإن من المفيد أن نتتبع في السيرة النبوية الرعاية النبوية لهذا الجانب الهام جداً في حياة المسلمين، سواء عندما كانوا في مكة أول الأمر، أم بعد أن استقروا في المدينة آخر الأمر.
ونشير بداية هنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد باشر بنفسه الكريمة رعي الأغنام كعمل اكتسب منه بعض رزقه، وذلك إبان حداثة سنه، بل إنه عليه الصلاة والسلام أشار إلى أن رعي الغنم سنة مضى عليها الأنبياء من قبل، ليتعلموا من سياسة الأغنام وحسن تدبيرها سياسة البشر وحسن التعامل معهم، يقول: (ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم. قالوا: وأنت يا رسول الله. قال: وأنا، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة).
الحث على العناية بالأنعام:
ولذلك فنحن نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كما حث أصحابه على الزراعة والتجارة حثهم ـ كلاًّ فيما يحسن أو يتيسر له ـ على اقتناء الماشية عموماً، غنماً كانت أو إبلاً أو خيلاً أو عنزاً. ففي سنن ابن ماجة عن أم هاني رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (اتخذي غنماً فإن فيها بركة). وفي نفس السنن عن عروة البارقي يرفعه قال: (الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة).
كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن ذبح الماشية التي تلد وتتكاثر ويكون فيها لبن، فعن جابر رضي الله عنه قال: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم فعمدت إلى عنز لي لأذبحها فقال: (لا تقطع دَرّاً ولا نسلاً).
وبين عليه الصلاة والسلام أن العناية بالحيوان عموماً والماشية على وجه الخصوص فيها أجر كبير عند الله، فقد سألوه عن الإحسان إلى الحيوانات فقالوا: إن لنا في البهائم لأجراً. قال: (في كل ذات كبد رطبة أجر).
بل أشار عليه السلام إلى أن المسلم إذا اتخذ لنفسه في أيام الفتن وآخر الزمن قطيعاً من الماشية، يبتعد به عن الناس، فقد أحسن الاختيار. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتْبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن).
هذا وقد اقتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأنعام. ذكر ابن جماعة في (مختصر السيرة) أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النعم: الناقة التي هاجر عليها من مكة، اشتراها من أبي بكر بأربعمائة درهم، وكان له جمل يقال له الثعلب، وغنم يوم بدر جملاً مهرفاً لأبي جهل، وكانت له عشرون لقحة (ناقة)
العناية النبوية المباشرة بالحيوانات:
بالغابة على بريد من المدينة من طريق الشام يراح إليه صلى الله عليه وسلم كل ليلة بقربتين من ألبانها، وكانت له خمس عشرة لقحة غرار، كان يرعاها يسار مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له سبع لقاح. وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شياه عديدة منها سبعة أعنز ترعاهن أم أيمن، وغيرها عند غيرها.
وكان عليه الصلاة والسلام يباشر بنفسه وسم إبل الصدقة بالعلامة المميزة لها، فعند البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم يسم به إبل الصدقة.
حقوق الرعي والحمى:
وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس كلهم يباح لهم الرعي حيثما شاءوا، لا يمنع أحد أحداً، فقال: (الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار).
ونهى من كان على ماء فأخذ منه حاجته وفاض فوق حاجته أن يمنع ذلك عن الناس، فيتسبب بتركهم الرعي بسبب منع الماء. فقال: (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا الكلأ)...
ولم يستثن من منع احتكار المراعي والاختصاص بها ـ وهو ما يسمى بالحمى ـ إلا إبل الصدقة وفي هذا الصدد روى البخاري عن الصعب بن جثامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حمى إلا لله ورسوله).
وقد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم البقيع لخيل المسلمين، والبقيع أو النقيع صدر وادي العقيق على عشرين فرسخاً من المدينة المنورة، وهو أخصب الوديان هناك.
متابعة أحوال المراعي:
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم كثيراً لحال المراعي وخصبها وجدبها، فإذا شحت السماء بالمطر أو أمحلت الأرض وجاء الناس يشكون عجل لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالاستسقاء، طلباً للمطر الذي ينبت به المرعى. أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أن الناس قد قحطوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل رجل من باب المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وخشينا الهلاك على أنفسنا، فادع الله أن يسقينا. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً غدقاً مغدقاً عاجلاً غير رائث ... إلى آخر الحديث).
الرفق بالحيوانات:
وقد كان الإحسان إلى الحيوانات والرفق بها ـ أياً كانت ـ ديدن ودأب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى رويت عنه في ذلك الأحاديث العجيبة الشأن.
فمن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم شدد على إعطائها حاجتها من العلف أو المرعى. روى أبو داود عن سهل بن عمرو قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: ( اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة ). وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض).
ومن ذلك أنه نهى أن تحمل فوق طاقتها من العمل حتى تكاد تهلك. روى أبو داود عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جرجر (صوّت) وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح سراته (سنامه) وذفراه فسكن، فقال: (من رب هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟) فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لي يا رسول الله. قال: (أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها. فإنه يشكو إليّ أنك تجيعه وتدئبه) أي تتعبه.
ومن ذلك أنه عليه السلام حرم عادة جاهلية كان بعض الأعراب يلجأ إليها في حالة الجوع، فيشق سنام البعير ويأخذ من شحمه ثم يخيطه، أو يقطع طرفاً من كفل الشاة وهو لا يريد ذبحها ويريد الاستفادة منها، ولا يخفى ما في ذلك من العذاب عليها... فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، واعتبر ما يؤخذ من الحيوانات قبل ذبحها ميتة نجسة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أبين من حي فهو كميتته).
ومن ذلك أنه نهى عن اتخاذ الحيوان هدفاً للرمي عليه، لما ينوبه من الخوف المتجدد مع كل نبلة يرمى بها… روى الشيخان أن ابن عمر رضي الله عنهما مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً...
ومن ذلك أنه نهى عن وسم الحيوانات في وجوهها لما ينالها من تشويه وعذاب وكذلك نهى عن ضربها على وجوهها. روى مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ عليه حمار قد وسم في وجهه فقال: (لعن الله الذي وسمه) وفي رواية لمسلم، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه...
ومن ذلك أنه نهى عن أخذ أفراخ الطيور قبل بلوغها، ونهى كذلك عن إحراق الحيوانات غير المؤذية، روى أبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة تَعْرِش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من فجع هذه بولدها، ردوا ولدها إليها). ورأى قرية نمل قد حرّقناها فقال: (من حرق هذه) قلنا: نحن. قال: (إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار) .
ومن ذلك اهتمامه بالحيوانات الأليفة كالقطة ونحوها. فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصغي الإناء للهرة حتى تشرب. وأراد أن يشدد النكير على حبس تلك الحيوانات الأليفة دون إطعام فقال: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض).
ومن ذلك نهيه عن التحريش بين الحيوانات وإغراء بعضها ببعض كالكلاب والديكة والقطط وغيرها.
للخيل اهتمام خاص:
وكان للخيل من عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم النصيب الوافي. فقد كانت تمثل آلة الجهاد في سبيل الله، لذلك فقد ورد عنه عليه السلام ما يفيد تشجيعه لتربيتها وادخارها للجهاد والإكثار منها. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر فرجل ربطها وياءً وفخراً ونواءً على أهل الإسلام فهي له وزر، وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر، وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طِوَلَها فاستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات).
وقد كان صلى الله عليه وسلم يرعى بنفسه الشريفة تدريب الخيل والمسابقة بينها وتضميرها. روى ابن ماجة في سننه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن تضمر الخيل، وأنه سابق بين الخيل التي ضمرت والتي لم تضمر، فكان يرسل التي ضمرت من الحفياء إلى ثنية الوداع، والتي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق.
حماية الصيد:
وكذلك أفادت بعض الروايات عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بمنع الصيد في بعض النواحي وذلك فيما يبدو لنا رعاية لبقاء الحيوانات وحفاظاً عليها من الانقراض. قال الكتاني: ترجم في الإصابة لضرار بن الأزور الأسدي فقال: يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى منع الصيد من بني أسد.
حماية أموال أصحاب الأنعام:
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العدوان على أموال أصحاب الحيوانات باستهلاك ما ادخرته ضروعها. ففي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذا رأينا إبلاً مصرورة بعضاة الشجرة، فثبنا إليها، فنادانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا إليه فقال: إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويمنهم بعد الله، أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذُهِب به، أترون ذلك عدلاً ؟ قالوا: لا. قال: فإن هذا كذلك).
الأحكام الشرعية المتعلقة بالأنعام:
وأهم ما يمكن الحديث عنه في موضوع الرعاية النبوية للري والحيوانات. أنه عليه السلام جعل في الأنعام التي ترعى بنفسها دون علف يقدمه صاحبها لها زكاة واجبة وحقاً للفقراء متعلقاً بها، أما التي يعلفها صاحبها وتكلفه مؤنة ذلك فلا وجوب. ومثلها الحيوانات العوامل. روى الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (في كل خمس من الإبل السائمة شاة). وروي عنه أنه قال: (ليس في العوامل والحوامل والبقر المثيرة شيء). ولكن يجب الانتباه إلى أن الزكاة المقررة في الحيوانات استثنى منها ما كان معداً للاستيلاد أو نحوه لقوله عليه السلام لساعي الزكاة: (إياك وكرائم أموالهم) رواه البخاري.
وأجمع كتاب لمقادير الزكاة في الأنعام كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وقد رواه الإمام أحمد في مسنده.
أما الحيوانات التي لا تتوفر فيها شروط زكاة الأنعام لكنها تتخذ للتجارة فتشملها أحكام زكاة عروض التجارة.
وبعد: فهذه جملة مختصرة من رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لشئون الرعي والحيوانات والمواشي مما يعتبر ضرورياً ومهماً للحياة واقتصادياتها مثل المجتمع البدوي العربي وأمثاله.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة