 |
|
أبحاث علمية حول اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشئون المسلمين الدنيوية ورعاية مصالحهم
|

الرعاية النبوية للشئون الصحية
مقدمة:
لا نرى أنفسنا ملزمين بالتنويه إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن طبيباً متخصصاً، كما لم يكن منصرفاً فقط إلى ما يتعلق بالصحة والطب من مسائل فنية أو إدارية دون سواها من الأمور الأخرى المتعلقة بالمجتمع الإسلامي في حياته كلها.
إلا أننا مع هذه القناعة الأولية الثابتة نجد أنفسنا ـ عند البحث في السيرة النبوية عن رعايته صلى الله عليه وسلم واهتمامه بالشئون الصحية للمسلمين ـ أمام نصوص وحوادث ودلائل عظيمة جداً تؤكد ما نهدف إليه، من أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يغفل الجانب الصحي للمجتمع، وإنما تحمل مسئولية تجاهه بكل جدية وحرص.
الطب النبوي:
ولو ذهبنا ابتداء نستعرض ما اصطلح العلماء على تسميته بعلم (الطب النبوي) وما أفردوه من التآليف أو كتبوه من الأبحاث فيه لتملكنا العجب.
فتحت اسم (الطب النبوي) ألف كل من عبد الملك بن حبيب الأندلسي، وأبو بكر بن السني، والحميدي، وعبد المحسن الأشبيلي، والسخاوي، وحبيب النيسابوري، وأبو نعيم الأصفهاني، والذهبي، وابن القيم، والبدر بن جماعة، هؤلاء كل منهم ألف كتاباً تحت ذلك المسمى...
بينما كتب غيرهم في نفس المجال تحت أسماء أخرى، مثل كتاب (الشفا في الطب) للتيفاشي، و(الأحكام النبوية في الصناعة الطبية) لابن طرفان، و(الأربعون الطبية المستخرجة من سنن ابن ماجة) لمحمد البرزالي عدا ما كتب المحدثون من الأطباء المسلمين في هذا المجال... ولعل أفضلهم وأجودهم في ذلك الشيخ الطبيب محمود ناظم نسيمي رحمه الله صاحب كتاب (الطب النبوي والعلم الحديث) في ثلاثة مجلدات.
أقسام الطب النبوي:
ولكن مع ذلك فلا بد من التوضيح أن الطب النبوي لم يكن طباً متكاملاً يضم كل فروع الطب كما هو الحال في الطب اليوناني أو الهندي أو الفارسي، بل كان طباً مميزاً عما سبقه أولحقه، إلا أن معظمه يدخل تحت قسم الطب الوقائي، وبعضه وهو الأقل يدخل تحت الطب العلاجي، كما أن بعضه ـ وهو قليل أيضاً ـ يتعلق بشيء من علوم الطب كعلم الأجنة والوراثة،
وبعضه يتعلق بآداب المهنة الطبية وأحكامها الشرعية... وهذه الأقسام كلها نستطيع معرفتها من خلال تتبع مجموع ماثبت وروده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما له علاقة بالطب، سواء كان آيات قرآنية كريمة، أو أحاديثَ نبويةً شريفة.
الحث على التداوي وتعلم الطب:
1 ـ من الرعاية النبوية للشئون الصحية أنه صلى الله عليه وسلم حث على معرفة أنواع الدواء جملة، وملاحقة المستجدات في ذلك المجال، كما حث أصحابه على التداوي والعلاج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم ينزل داء إلا وأنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله) وبين عليه السلام أن الشفاء
لايحصل إلا بإذن الله عندما يصيب الدواء الداء (إن لكل داء دواء، فإذا أصاب دواء الداء برئ بإذن الله) كما نهى صلى الله عليه وسلم الجهلة بالطب المدعين له أن يتعرضوا لعلاج أحد، فلربما أدى ذلك إلى ضرر به يتحملون وزره ويلامون عليه فقال: (من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن)، ومفهوم من هذا أن الطبيب إن كان حاذقاً ماهراً مختصاً غير ضامن ضمن حدود عمله واختصاصه.
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه مثلاً للتداوي، ففي كتاب (الجيش العرمرم الخماسي) لأبي عبد الله اكنسوس المراكشي: شرع سيد المتوكلين التداوي وكان يستعمله في نفسه ويأمر غيره، حتى قيل: إن القدر التي تطبخ فيها أدويته عليه السلام لا تكاد تنزل عن النار، وروى ابن الجوزي في (صفة الصفوة) أن عروة بن الزبير قال لخالته عائشة رضي الله عنها: يا أمتاه لا أعجب من علمك بالشعر وأنت ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب!! فضربته على منكبه وقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره، فكانت تقدم إليه وفود العرب من كل وجه فتنعتُ له الأنعات، فكنت أعالجه بها.
مشاهير الأطباء:
كما كان عليه الصلاة والسلام يأمر أصحابه بالذهاب إلى الأطباء المعروفين، فقد روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: مرضت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى قد وجدت بردها في فؤادي، فقال: إنك مفئود بفؤادك (أي مريض به) ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطبب (أي يعرف الطب) وروى ابن سعد أنه عليه السلام كان يأمر من كانت به علة أن يأتي الحارث فيسأله عن علته أو فيستوصفه.
كما قال ابن أبي أصيبعة في (طبقات الأطباء): إن ابن أبي رمتة كان طبيباً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مزاولاً أعمال اليد وصناعة الجراح.
وترجم في (الإصابة) للشمردل بن قباب الكعبي أنه كان يتطبب وأن المصطفى عليه السلام ذاكره في مسائل طبية، وأخيراً قبّل الشمردل المذكور ركبة النبي صلى الله عليه وسلم وقال: والذي بعثك بالحق أنت أعلم بالطب مني.
وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب أن ضماد بن ثعلبة كان صديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم وكان عاقلاً يتطبب ويرقى... وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه...
ويذكر أصحاب السيرة فوق ذلك خيمة رفيدة الأسلمية التي كانت في المسجد وكانت حبست نفسها على علاج المرضى... كما يذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخير النساء الخارجات معه لتمريض الجرحى بين أن يكن في رفقة نساء قومهن وعشيرتهن، أو أن يكن مع من خرجت قرعتها من أزواجه.
هذا كله من باب الآداب الطبية والضمانات العامة في هذه الصنعة.
مسائل في الطب:
2 ـ ومن الرعاية النبوية الشريفة للشئون الصحية الطبية: ما جاء من الآيات والأحاديث متناولاً مواضيع بحتة، وإن كان المقصود من إيرادها الاستدلال على قدرة الله وعظمته فإن الطب النبوي بالحديث عنها والإشارة إليها سبق الطب العالمي كافة وذلك بالتناول الموضوعي الصادق كالحديث عن خلق الأجنة في بطون الأمهات (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون/ 12ـ14) وقوله عليه السلام: (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك....) وكالحديث عن الأرحام وظلماتها الثلاث، والحديث عن خلق الذكر والأنثى، والحديث عن وراثة الصفات عن الوالدين، والحديث عن عدة المرأة المطلقة أو غيرها للتأكد من خلو الرحم... كل ذلك وما شابهه يدخل ضمن التوعية الصحية والحديث الطبي.
وصفات علاجية نبوية:
3 ـ وفي مجال الطب العلاجي نقل إلينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر وصفات علاجية لبعض الأمراض كالعسل، وهو غذاء قيم ودواء نافع، قال تعالى: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ) (النحل/69)، وقال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن).
كما ذكر في الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم الاستشفاء بالحبة السوداء وماء الكمأ والحجامة والكي والسنا والسَّنوُّت والقسط الهندي وألبان الإبل وأبوالها وتبريد الماء للحمى والإثمد وغير ذلك.
وفي مجال الطب العلاجي اعتنى صلى الله عليه وسلم عناية عظيمة بالعلاج الروحي المعتمد على الاستشفاء بالقرآن الكريم والأدعية الصالحة والاستغاثة بالله سبحانه وحده (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) (الإسراء/ 82)، كما نهى عن الاستشفاء بالسحر أو اللجوء إلى الدجالين أو الخوف من الجن ونحو ذلك، ومن العلاج الروحي ما روي عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما أنام من الأرق، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت ورب الأرض وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت، كن جاراً لي من شر خلقك كلهم جميعاً أن يفرط عليّ أحد منهم أو يبغي عليّ، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ولا إله إلا أنت).
الصحة النبوية والطب الوقائي:
4 ـ وفي مجال الطب الوقائي فقد كان للصحة البدنية حظ وافر من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك أنه أمر باستعمال الماء في الوضوء أو الغسل عند إرادة كل صلاة وفي مواطن عديدة، كما أمر بتقليم الأظافر ونتف الإبط والعانة وغسل اليدين عند القيام من
النوم وعند الطعام، وأمر باستعمال السواك دائماً لتنظيف الفم فقال عليه السلام: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، وأمر بتعهد الشعر بالقص والتسريح، وأمر بنظافة السبيلين بعد كل تبول أو تغوط.
كما أنه صلى الله عليه وسلم في مجال الطب الوقائي أمرنا بتحريك أعضائنا في كل صلاة بالقيام والركوع والسجود، وذلك نوع من الرياضة البدنية إن لم يكن مقصوداً لذاته عند المصلي فهو حاصل على كل حال.
كما جاء عليه السلام بحل الطيبات من الطعام والذبائح والحيوانات وتحريم الخبائث منها كالميتة والخنزير والدم، وأمرنا بالاعتدال في الطعام والشراب وعدم الإسراف فيهما فقال عليه الصلاة والسلام: (ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه).
كذلك جاءنا عليه السلام بالصيام كعبادة أصلاً، إلا أنها تتعلق من جوانب كثيرة بالوقاية من الأمراض الجسمية وتحصّل كثيراً من الفوائد الصحية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوموا تصحوا)...
وحرّم عليه السلام الخمر التي لا تعد ولا تحصى أضرارها الصحية وغير الصحية، وألحق بها كل مسكر من الحشيش والمخدرات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخمر أم الخبائث)...
كما أمر عليه السلام بالختان الذي هو سبب من أسباب الاحتراز عن الإصابة بالأمراض،
كما أمر بالزواج الذي لا تخفى منافعه الصحية على البدن، كما نهى عن مخالطة المرأة الحائض أو النفساء وفي ذلك ما فيه من الفوائد الصحية... وجاء عليه السلام بتحريم الزنا واللواط والاستمناء وهي أشياء أشد ما تكون إضراراً بالصحة.
وأمر عليه السلام بنظافة الثياب والمساكن والبيوت والتحرز فيها عن الأوساخ والنجاسات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال نظيف يحب النظافة، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود).
وأمر بالابتعاد عن الأمراض المعدية مع اعتقاد أنها لا تصيب إلا بإذن الله فإذا وقع الطاعون في بلد فلا ندخله، وإذا كنا فيه فلا نخرج منه حتى لا تنتقل إلينا العدوى، ففي الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا كان الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها)، وأمر بالابتعاد أيضاً عن الأماكن التي تستوطنها الأمراض، أو يكثر وخمها ويفسد هواؤها، فعند أبي داود عن مروة بن مسيك قال قلت يا رسول الله، أرض عندنا يقال لها أرض أَبين (قرية إلى جانب البحرين جهة اليمن) هي أرض ريفنا(مزارعنا) وميرتنا (الطعام المجلوب) وإنها وبئة فقال صلى الله عليه وسلم: (وباؤها شديد دعها عنك فإنها من القرف التلف) (أي من ملابسة الداء ومداناة المرض المهلك).
وأمر عليه السلام بعزل المصابين بالأمراض المعدية فقال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) وأخرج أبو نعيم في الطب النبوي عن أم سلمة رضي الله عنها أنه كان عليه السلام أذا رمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها.
واهتم صلى الله عليه وسلم بالصحة النفسية والقلبية لأمته اهتماماً زائداً ما عليه مزيد... وأمر بالتفاؤل في كل شيء ونهى عن التشاؤم والتطير والخرافات الباطلة.
ممرضات ومتطلبات:
5 ـ ومن المفيد أن نسوق عبارة الإمام المقريزي يحكي لنا عن دور النساء في التمريض يوم أحد قال: وكن قد جئن أربع عشرة امرأة منهن فاطمة رضي الله عنها يحملن الطعام على ظهورهن، ويسقين الجرحى ويداوينهم، ومنهن أم سليم بنت ملحان وعائشة أم المؤمنين ومنهن حمنة بنت جحش ومنهن أم أيمن...
ثم قال: ولما رأت فاطمة الدم من جرح رسول الله لا يرقأ، وهي تغسله وعلي يصب الماء عليها بالمجن، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً، ثم ألصقته بالجرح فاستمسك ويقال: داوته بصوفة محروقة.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة