 |
|
أبحاث علمية حول اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشئون المسلمين الدنيوية ورعاية مصالحهم
|

الرعاية النبوية للشئون الدينية...
تمهيد:
ينبغي أن نذكر ابتداء أن المقصود بالشئون الدينية هنا المعنى الضيق، المقتصر على العبادات وأماكنها والإطار العام للدين، وما يتعلق بالأركان الأساسية للإسلام، ودحض الشبهات حول هذا الدين ونحو ذلك.
ومن البدهي أن نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رعى في مجتمع المدينة المنورة الشئون الدينية رعاية بالغة تنم عن تحمله المسئولية الكاملة عنها في هذه الدولة الوليدة، وذلك بالطبع ذو علاقة أساسية بكونه رسول الله والداعي إليه، كما هو ذو علاقة بكونه الراعي الأول لهذه الأمة الساهر على مصالحها.
بناء المسجد النبوي:
وأول ما وقع عليه اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله المدينة المنورة في هذا المجال بناء المسجد النبوي الشريف الذي ينطلق منه النشاط الديني كله... وبناء المسجد بحد ذاته إنجاز كبير على مستوى جزيرة العرب التي لم تكن تعرف من قبل أماكن خاصة للعبادة سوى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة...
وقد كان بناء المسجد النبوي ملحمة حضارية أشرك فيها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، جميعاً واشترك معهم بنفسه الكريمة، حتى استوى المسجد على أكتافه وأكتافهم، فكان رمزاً للتضامن بينهم ورمزاً لانطلاقتهم الجديدة نحو الحياة المدنية.... كما أنه أرسى بذلك عملياً مبدأ عمارة بيوت الله في الأرض بعد أن انقرضت في جزيرة العرب أو انحرفت عن التوحيد خارجها..( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (الجن/ 18).
ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل قبل الهجرة إلى المدينة المنورة مصعب ابن عمير رضي الله عنه ليؤم الناس في الصلاة، فإن إمامة المسلمين في الصلاة في المسجد النبوي كانت من اختصاصاته صلى الله عليه وسلم، فكان يتقدمهم في الصلوات الخمس جميعاً، والإمامة في الصلاة شأن ديني مهم جداً لارتباطه آنذاك بمعنى القيادة الدنيوية الكبرى.
بناء المساجد الأخرى:
ولم يكن المسجد النبوي المسجد الوحيد الذي رعى بناءه صلى الله عليه وسلم، بل كانت في عهده مساجد عدة موزعة على الضواحي ومنازل الناس.
وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع بنفسه الأحجار الأولى لمسجد قباء قبيل دخوله المدينة المنورة مهاجراً، كما ورد أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يعود فيصلي إماماً بمسجد قومه، كما وردت أسماء مساجد أخرى كمسجد بني عمرو ومسجد بني زريق ومسجد بني ساعدة ومسجد بني عبد الأشهل ومسجد بني سلمة ومسجد رابخ ومسجد غفار ومسجد أسلم ومسجد جهينة... ذكرها الزناتي في شرحه على رسالة أبي زيد القيرواني...
وما كان انتشار المساجد وعمارتها إلا امتثالاً للتوجيه النبوي ببناء المساجد والإكثار منها تلبية لحاجة المسلمين (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة).
الأئمة والمؤذنون:
وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم للمساجد نظاماً بديعاً دقيقاً يليق بها كبيوت خصصت لعبادة الله، فللإمامة فيها نظام معين (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً)، وينبغي أن تكون المساجد مصانة عن الأذى والامتهان (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وإقامة حدودكم) وينبغي أن يدخلها الناس على سكينة وذكر لله كما أنها أحب البقاع في الأرض إلى الله...
كما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم لمسجده مؤذناً هو بلال الحبشي رضي الله عنه وكان ندي الصوت، كما كان معه مؤذنون آخرون رضي الله عنهم كابن أم مكتوم وسعد القرظ، وعلم بنفسه أبا محذورة الأذان.
وأمر المؤذنين بضبط أوقات الصلاة، لأن المؤذن كما قال (المؤذن مؤتمن).
وكانوا يقتدون في ضبط أوقات الأذان بشيخ المؤذنين بلال مؤذن المسجد النبوي، وقد روى أبو داود في مراسيله عن بكير بن عبد الله بن الأشج كانت مساجد المدينة تسعة سوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يصلون بأذان بلال. كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم بديلاً لبلال إذا غاب لظرف طارئ، ففي (الإشراف) عن سعد القرظ قال: كان إذا جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يؤذن له بلال، قال سعد: رضي الله عنه فرقيت على عذق فاجتمع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سعد إذا لم تر بلالاً فأذن.
وعيّن صلى الله عليه وسلم إماماً للمسجد النبوي في حالة مرضه، فقد ثبت أنه عليه السلام أمر في مرض موته أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس فكان يصلي بهم. صلى بهم سبع عشرة صلاة وقيل بل صلى بهم تسعة أيام... بل قيل إنه خطب عنه الجمعة قبيل وفاته صلى الله عليه وسلم... كما كان من شأنه عليه السلام أن يعين إماماً للمسجد كلما خرج مسافراً في غزوة فكان يترك في المدينة إماما وأميرا.
نظافة المسجد:
وكان عليه السلام يهتم بنظافة المسجد فلربما قام بنفسه الشريفة بتنظيف المسجد، وكانت امرأة سوداء من الصحابيات الكريمات تقم المسجد حتى ماتت، وكان ينهى عن البصاق في المسجد، ولو كانت أرضه تراباً ويقول: إن كفارة ذلك دفنه. وجاء فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد ( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِعَزْلِ إمَامٍ لِأَجْلِ بُزَاقِهِ فِي الْقِبْلَةِ ) .
كما كان عليه الصلاة والسلام يراقب الأوضاع في المساجد عموماً، فقد اشتكى إليه رجل أن فلاناً (إمام مسجدهم) يطيل الصلاة بهم إطالة فاحشة، فنهاه صلى الله عليه وسلم وقال: (إذا أمَّ أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة).
كما أمر أصحابه بهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون وأرادوا اتخاذه وكراً لهم ولمكائدهم.
الاهتمام بالمصحف الشريف:
ومن رعايته صلى الله عليه وسلم للشئون الدينية الخاصة أمره بكتابة المصحف فقد كان الحال أنه كلما نزل شيء من القرآن أمر بعض كتابه ـ وكانوا عدداً جيداً ـ بكتابة ما نزل، فكانوا يستخدمون الورق أو الجلود أو ألواح الشجر أو العظام حتى حفظ لنا القرآن الكريم كاملاً مكتوباً في السطور عند أكثر من صحابي جليل، إضافة إلى قيامه عليه السلام بتحفيظ أصحابه القرآن حتى حواه كلَّه جمع غفير منهم في الصدور، وكان يدارس بعضهم القرآن فيستمع إليه أو يسمع منه.
الاهتمام بالتوحيد وقمع البدع وملاحقة المفترين:
ومن رعايته صلى الله عليه وسلم للشئون الدينية حرصه على سلامة دين هذه الأمة من أي دخيل ينحرف بها عما أقامها الله عليه من التوحيد الخالص والعبودية التامة لله، فقد كان عليه السلام لا يرضى لأصحابه أن يتداولوا كتب أهل الأديان السابقة المنحرفة خوفاً عليهم من التعلق بها أو التأثر بما فيها، وفي هذا المجال نراه يشتد غضبه عندما يرى أحد أصحابه الكرام وفي يده صحيفة من التوراة، فيأخذها منه وينتهره بشدة: (أترغبون عن كتاب الله؟! والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي).
وكان من طرف آخر يحذر التحذير القاطع من تقبل أي فكرة أو عمل لا يوافق الدين أو يحل محله (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) و(إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)...
وهو من جهة ثالثة يقف بالمرصاد لكل من يحاول التلاعب بالدين كلية فيدخل فيه برضاه ثم يخرج منه مرتداً ساخطاً... فيقول: (من بدل دينه فاقتلوه)....
كما أنه من باب حماية النصوص الدينية وحفظ مقام النبوة من التزيد والتقول عليها فقد أهدر دم من كذب عليه، لأنه رسول الله لا ينطق عن الهوى، والافتراء عليه افتراء على الله (إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحدكم، من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وقد أمر بإحراق رجل تجرأ فكذب على لسانه الشريف لمصلحة دنيوية له عند آخرين... وقد فر الرجل قبل إدراكه.
ومن إجراءاته صلى الله عليه وسلم في الحفاظ على دين الأمة أمره أصحابه بهدم الأصنام، إذ أرسل من يهدم صنم مناة في الطائف، وأمر بهدم صنم ذي الخلصة، وقام بيده الكريمة يوم الفتح فهدم الأصنام التي كانت حول الكعبة ـ وعددها ثلاثة وستون صنماً ـ وهو يردد قوله تعالى: (قُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء/ 81).
التسامح مع اتباع الأديان الأخرى:
ومن رعايته صلى الله عليه وسلم للشئون الدينية الخاصة سماحه للنصارى بممارسة شعائر وطقوس دينهم بحرية تامة داخل كنائسهم أو في بيوتهم، بل و أكثر من ذلك، فقد ورد أن بعض الوفود النصرانية لما وردت عليه أنزلها في مسجده وضرب لها خيمة فيه، وقام أفراد ذلك الوفد بأداء صلواتهم داخل المسجد في ظل حماية النبي صلى الله عليه وسلم من غضب الآخرين... بل قد ورد في السيرة النبوية أنه منع أصحابه من الاحتكاك العنيف باليهود في المدينة وذلك حينما تضارب مسلم ويهودي حول أفضلية رسول الله صلى الله عليه وسلم على موسى أو غيره من الأنبياء فنهاهم عليه السلام قائلاً: (لا تفضلوني على يونس بن متى) وقد جاء عنه في صدد عدم التعرض للذميين قوله: (من آذى ذمياً فقد آذاني) و (من آذى ذمياً أو انتقصه حقه فأنا خصمه يوم القيامة) وقد كتب لبعض النصارى كتاب أمان لهم ولكنائسهم ولصلبانهم لا يتعرض لهم أحد ما داموا مسالمين مؤدين ما عليهم من جزية.
تعليم الناس الصلاة:
وقد تولى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه تعليم الناس أمور الدين عامة فكان قوله وعمله وحاله قدوة للناس وهو يقول لهم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ويقول: (خذوا عني مناسككم) ونحو ذلك، وكان يكلف أصحابه بتعليم الناس أمور دينهم (بلغوا عني ولو آية، فربّ مبلغ أوعى من سامع، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
تعليم الصيام:
ولقيت أركان الإسلام عموماً أكبر اهتمام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كنا قدمنا رعايته للصلاة والمسجد، فلن يفوتنا أن نشير إلى اهتمامه بالصيام الذي كان عليه الصلاة والسلام يعلن للملأ كيفية ترقب هلال رمضان وإثبات دخول الشهر وكيفية إثبات نهايته (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) بل كان صلى الله عليه وسلم بنفسه يباشر إعلان بدء الصوم عندما يقبل شهادة الرائين، وكذلك يعلن دخول شهر شوال ونهاية رمضان بنفس الأسلوب، وكان لرمضان مزيد من الاهتمام في خطبه ومواعظه صلى الله عليه وسلم وفي إحياء لياليه بالتراويح ونحوها.
تعليم الزكاة:
وكذلك الأمر بالنسبة للزكاة وهي الركن المالي في الإسلام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بين للناس فريضتها في أموال الأغنياء باشر بنفسه جمعها منهم، وأرسل السعاة (جباة الزكاة) لجمعها من الناس في أطراف البوادي، وكتب لمن سأله عن مقاديرها كتاباً مفصلاً.
وكان يوزعها عليه السلام في مستحقيها من الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل.
وكان يهدد البخلاء بها المانعين لحقها فيقول عنهم: (ومن لم يؤدها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا) وكان يتابع أعمال جباة الزكاة فيرفع مقام الساعين عليها، وينهي الذين يريدون استغلالها حتى لا يشتطوا أو يشددوا في جمعها...
وكان يجمع أيضاً إضافة إلى الزكاة الصدقات العامة الأخرى ويضعها في مواضعها الملائمة.
تعليم الحج:
أما الحج فقد لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية الاهتمام، فقد قاد موكب الحج بنفسه الشريفة متقدماً على الناس يعلمهم مناسكهم ويدعوهم إلى أدائها بسكينة وخشوع (خذوا عني مناسككم).
ويذكر أنه لما كانت السنة الثامنة للهجرة ـ وهي سنة الفتح ـ حج بالناس أمير مكة من قبل النبي صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسعد رضي الله عنه نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر الماوردي في (الحاوي) أنه عليه السلام لما فتح مكة استعمل عتاب بن أسيد عليها للصلاة والحج، وفي السنة التاسعة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميراً على الحج، ثم كانت في السنة التالية حجة الوداع سنة عشر للهجرة وهي الحجة الوحيدة التي حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الاهتمام بالكعبة والمسعى:
وفي أثناء فتح مكة ثبت عليه السلام من المظاهر الدينية حول الكعبة سدانة البيت وسقاية الحاج،
أما سدانة البيت وعمارته وحفظ مفاتيحه فأعطاها لبني شيبة: لعثمان بن أبي طلحة وشيبة بن عثمان، وقال: (خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم)
وأما السقاية فأقرها في بني عبد المطلب، وقد جاء أنه أتاهم وهم يسقون على زمزم فقال: (انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت عنكم) فناولوه دلوا فشرب.
الاهتمام بالأعياد الإسلامية:
ومن رعايته صلى الله عليه وسلم للشئون الدينية في المسلمين ما يتعلق بأمور الأعياد الإسلامية فقد جعلها صلى الله عليه وسلم مميزة عن غيرها بأنواع من العبادات ومظاهر الفرحة والبهجة وإدخال السرور على المسلمين أجمعين، وقد ثبت أن عائشة رضي الله عنها
غنت لها جاريتان يوم العيد بحضور النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينههما، بل أرشد أباها
أبا بكر الصديق عندما انتهرهما إلى تركهما لمناسبة ذلك ليوم العيد حتى تعلم يهود أن في ديننا فسحة.
السماح بالأجرة في الأعمال الدينية:
وقد أجاز صلى الله عليه وسلم لبعض القائمين على الأعمال الدينية أن يأخذ أجرة أو هدية أو نحو ذلك، فقد أثر عنه: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، كما جاء عنه أنه قال لبني شيبة حفظة الكعبة: (كلوا مما يصلكم من هذا البيت بالمعروف)، كما ثبت أن جماعة من النساء أرسل لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاباً صغيراً إماماً فاشترين له ثوباً.
هذه لمحة سريعة عن اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشئون الدينية بمعناها الضيق المتعارف عليه اليوم مما يشمله نشاط ما يسمى بوزارات الأوقاف والشئون الإسلامية ونحوها... وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سباقاً إلى كل هذا في مجتمع المدينة.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة