مقابلات صحفية |
| أجرت العديد من الصحف والمجلات والدوريات مقابلات كثيرة مع فضيلة الشيخ عبد الله نجيب سالم في مواضيع دينية وأدبية واجتماعية وسياسية ... وفيم يلي بعضها ... |
P
الشيخ عبد الله نجيب سالم
بسم الله الرحمن الرحيم
الاحتفال بالمولد النبوي
تثار هذه الأيام مسألة الاحتفال بمولد النبي عليه الصلاة والسلام وذلك بمناسبة حلول يوم الثاني عشر من ربيع الأول الذي يصادف يوم مولده عليه الصلاة والسلام.
والذي أراه ـ ابتداءً ـ أن الاحتفال والفرح بمولده عليه الصلاة والسلام وإظهار البشر والسرور بذلك من الأمور الجائزة شرعاً، المستحسنة طبعاً، المألوفة عرفاً.
أدلة الجواز والاستحسان :
أولاً: إن يوم مولده عليه الصلاة والسلام من الأيام المشار إليها على وجه التبجيل والاعتبار في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. نرى ذلك في مواطن عدة مثل اختياره عليه الصلاة والسلام صيام يوم الاثنين من كل أسبوع لاعتبارات عدة، ففي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة قال "سئل رسول الله eعن صيام الاثنين؟ فقال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل علي فيه". كما نراه في ذكر ما خص الله أمه آمنة حينما ولدته (رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاءت له قصور بصرى.).رواه ابن سعد وهو حسن.
ثانياً: أن الله سبحانه وتعالى ذكر صراحة ميلاد كثير من الأنبياء ونوه بما في مولدهم من معجزات أو أهمية. فها هو القرآن الكريم يفيض في ذكر مولد أبينا آدم عليه السلام وكيفية خلقه العجيبة، كما يعرج في مواطن عديدة على ذكر ميلاد موسى عليه السلام وتفصيلات رضاعه وحضانته ونشأته بصورة مفصلة، ومثل ذلك يفعل في سرد وتفصيل أحداث ميلاد عيسى عليه السلام و.. أفيكون بعد هذا الحديث عن ميلاد رسول الله عليه الصلاة والسلامأمراً مستنكرا وبدعة؟!
ثالثاً: في يوم مولده عليه الصلاة والسلام وقعت حوادث عظيمة تناسب مكانته وشرفه، وذلك معروف لأهل العلم، ونذكر ببعض تلك الحوادث فنقول إن منها: منع الجن من استراق السمع من السماء، ومنها اهتزاز ايوان كسرى، وانطفاء نار فارس التي يعبدونها، ومنها بشارات كثير من الرهبان والكهان. فيوم مولده يستحق أن يشار إليه كيوم عظيم حفل بأحداث جسام.
رابعاً: إن مولده عليه الصلاة والسلام كان فيه من الخصائص النبوية ما يستحق النظر والانتباه ومن ذلك أن أمه لم تجد لحمله وحماً ولا ألماً، وذكر أبو نعيم الحافظ في "كتاب الحلية" بإسناده أن النبي عليه الصلاة والسلام ولد مختوناً.
خامساً: إن الاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام وإظهار الفرح والبشر بذلك كان سبباً من أسباب الرحمة الآلهية ليس للمؤمنين بل حتى للكافرين فقد صح أن أبا لهب يخفف عنه العذاب كل يوم اثنين وهو في غمرات النار لفرحه بولادته عليه الصلاة والسلام واعتقاقه جاريته ثويبة التي بشرته بذلك، وأن جده عبدالمطلب قد أظهر المزيد والمزيد من الفرح بولادته حينما حمله وقام يطوف، ويقول:
الحمد لله الذي أعـطانـي
هذا الغلام الطاهـر الأردان
قد فاق في المهد على الأقران
أعـيذه بالبـيت ذي الأركان
مـن شـر كل حاسد وشاني
وأن عمه العباس رضي الله عنه امتدح رسول الله عليه الصلاة والسلام بين يديه فأشار إلى مولده ونوره الباهر فيه. فقال:
وأنت لمـا ولدت أشـرقت الأرضوضـاءتْ بنوركَ الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفـي النـوروسـبل الرشـادِ نخترق
سادساً: لقد أفتى العلماء قديماً وحديثاً بجواز الاحتفال بيوم مولده عليه الصلاة والسلام، و بين أيدينا فتاوى الإمام ابن حجر والسيوطي وفتاوى الأزهر الشريف وفتاوى لجنة الإفتاء في دبي وفتاوى لجنة الإفتاء في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، وغيرها كثير...وها هو نص فتوى وزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية:
(لا مانع شرعاً من المشاركة في إحياء مناسبة الهجرة النبوية، والمولد النبوي، والإسراء والمعراج، وغيرها بإلقاء المحاضرات الخاصة بموضوعاتها، ولا مانع من تخصيص أيامها من كل عام، ولا يختلف المولد النبوي في هذا عن سائر المناسبات الأخرى، شريطة عدم الاعتقاد بسنية إحيائها أو التعبد بها وإلا كانت من البدع المستحدثة وحينئذ لا تجوز، وإنما يجوز إحياء هذه المناسبات لتذكير الناس بما فيها من أحداث عظيمة من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، بشرط أن يكون الإحياء خالياً من المخالفات الشرعية. والله تعالى أعلم).
مناقشة المنكرين للاحتفال بمولد رسول الله عليه الصلاة والسلام :
وهناك رأي لبعض الناس الذين ينهون عن الأحتفال بمولده ويشنعون على المحتفلين، ويقولون: إنهم مبتدعة ضالون، ويسوقون بعض الشبهات والاستدلالات التي يؤيدون بها دعواهم ـ هداهم الله إلى الحق ـ فلهؤلاء الإخوة الكرام نقول وبالله التوفيق:
أولاً: لم نقل نحن ولا غيرنا إن الأحتفال بيوم مولده عليه الصلاة والسلام سنة مؤكدة أو منقولة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإنما نقول نحن وغيرنا: إن الأحتفال بمولده أمر مستحسن مباح، فيه فوائد كثيرة، وله شواهد عديدة، وهو داخل ضمن العادات الإسلامية الحسنة التي تحفّ وتحيط بالمفاهيم الإسلامية الأصلية فتؤيدها وتفندها وتخدمها.
ثانياً: ليس في الاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام تقليد لأحد، بل هو أسلوب لإظهار الفرحة والسرور وتعظيم اليوم الذي عظمه رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإذا كان غير المسلمين يفعلون ما هو قريب من هذا أو مشابه له فليس معنى ذلك أن نترك كل ما يشابه أفعال الآخرين إذا كنا نفعله، لئلا يقال للمسلمين إنهم يتبعون غيرهم!!.
فمثلاً: إذا صلى النصارى في كنائسهم هل نترك الصلاة في المساجد لئلا يقال نحن نقلدهم. وإذا طور النصارى طباعة أناجيلهم والعناية بتجليدها وحروفها وألوانها أنترك ذلك في مصحفنا لئلا يقال لنا: إننا نقلدهم… إن هذا أمر غير صحيح على إطلاقه.
ثالثاً: ويشنع المنكرون للاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام بأن في الاحتفالات هذه تقوم منكرات وأثام مثل الاختلاط المحرم شرعاً، ومثل التلفظ بألفاظ غير شرعية وغير ذلك. فنقول نحن: إن إنكار المنكر متفق عليه ومأمور به، وإذا كانت هناك مخالفات شرعية واضحة لا خلاف فيها فكلنا ننهي عنها ونأباها، ولكن إذا كانت الاحتفالات بمولده عليه الصلاة والسلام منضبطة صحيحة ليس فيها إلا ذكر الله ورسوله والإشادة بالدين وتحبيب الناس فيه وتأليف قلوبهم عليه فما المانع من ذلك؟!.
رابعاً: صحيح إن الأحتفال بصورته وفي يوم الثاني عشر من ربيع الأول لم يفعله رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا أحد من أصحابه. ولكنا لا ينبغي أن نتخذ ذلك دليلاً على المنع من الاحتفال والنهي عنه. وذلك لأن الاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام إنما يدخل في باب العادات والسلوك لا في باب العقائد فالأصل فيه الإباحة، وما لم يرد نص شرعي ينهى عنه فلا مانع منه. وعدم فعل رسول الله له ليس دليلاً على النهي عنه، وإلا فكثير من الأمور العادية والتي درج عليها المسلمون لم يفعلها رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا أحد من أصحابه وبالتالي فهل هي محرمة منهي عنها؟! إن تقسيم علوم الدين،
وكتابة الحديث الشريف، وجمع المصحف، وإنشاء المدارس، وفرش المساجد وإغلاقها في غير أوقات العبادة..ووو.. أمور لم يفعلها رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا أحد من أصحابه… أيكون ذلك ممنوعاً ممقوتاً؟!
خامساً: عدم ثبوت ولادته عليه الصلاة والسلام يوم الثاني عشر من ربيع الأول لا يعني المنع من الاحتفال أصلاً، بل نعلم جيداً أن اعتبار يوم (12) ربيع الأول يوم مولده هو رأي الأكثر من العلماء، وهو ما جرى عليه عمل الأمة، وإن كانت هناك آراء أخرى في تحديد اليوم الذي ولد فيه عليه الصلاة والسلام، فذلك كله بحث تاريخي موجود في بطون الكتب… ومما يهون أمر الخلاف في يوم مولده أن يترك مجال الاحتفال مفتوحاً في كل أيام شهر ربيع الأول بل أيام العام كله.
أخيراً… الخلاصة:
لا مانع شرعاً من الأحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام بل هو من العادات الإسلامية الحسنة التي تخدم الدين وتزيد محبة رسول الله في قلوب المؤمنين وهي بلا شك تغيظ الكافرين والمنافقين والجاهلين. ويجب أن يهتم بها اهتماماً شديداً من قبل أهل العلم والمسئولين وكافة المسلمين كي لا تنحرف الاحتفالات بمولده عليه الصلاة والسلام عن هدفها الأصيل، ولا تشوش الممارسات الخاطئة وجهها النبيل.
الشيخ: عبدالله نجيب سالم
الباحث العلمي بالموسوعة الفقهية
الصفحة السابقة