مقابلات صحفية |
| أجرت العديد من الصحف والمجلات والدوريات مقابلات كثيرة مع فضيلة الشيخ عبد الله نجيب سالم في مواضيع دينية وأدبية واجتماعية وسياسية ... وفيم يلي بعضها ... |
P
الشيخ عبد الله نجيب سالم
بسم الله الرحمن الرحيـم
اسئلة مجلة اليقظة
الزنا في المجتمع
بداية شكر لمجلة اليقظة إثارة هذا الموضوع وتناوله من الناحية الشرعية وذلك لتوضيح الأحكام الشرعية المهمة في هذا المجال:
سـ1- ما هي فاحشة الزنا وما هي أسباب انتشارها ؟!
جـ1- الزنا هو وطء الرجل المرأة في غير إطار الزوجية المباحة... وهو تعريف يشمل أنواعاً من الزنا عديدة مثل وطء المحارم الأشد حرمة ووطء الزانيات اللواتي يمتهن هذه الفاحشة ووطء الخليلات اللواتي يسلمن أنفسهن لمن يخاللهن ووطء المغصوبات اللواتي يؤخذن بالقسر والقهر ووطء الصغيرات اللواتي لا يدركن من الأمر شيئاً ووطء المتزوجات اللواتي يفعلن ذلك بعلم أزواجهم أو بدون علمهم.... الخ
والزنا من الفواحش التي حرمتها جميع الشرائع السماوية, وعامة المذاهب الأرضية, وهي من القبائح التي استنكرها الإنسان بطبعه وأنف منها بخلقته.
الزنا فاحشة من أكبر الفواحش البشرية التي قد يرتكبها الإنسان, وهي لا تقل عن فاحشة قتل النفس البشرية, أو سرقة الأموال المحمية, أو شهادة الزور المخزية, أو معاقرة الخمر المردية.
وأسباب فعل تلك الفاحشة أو انتشاراها يعود إلى ضعف الوازع الديني أولأ,ً ثم إلى نشر ثقافة المادة ثانياً,ُ ثم إلى تبرج النساء ثالثاً, ثم إلى الجهل رابعاً, ثم إلى الفقر خامساً..... ولا تكاد تعدو أسباب الزنا هذه الأمور غالباً.
سـ 2- ما هي الآثار المترتبة عن هذه الفاحشة ؟
جـ2- لقد رتب الشرع الإسلامي على وقوع الرجل أو المرأة في الزنا النتائج التالية:
أ_ غضب الله سبحانه وتعالى على الزانيين (الرجل والمرأة) غضباً يهتز معه إيمان المؤمن ويكاد يفارقه فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)
ب_ تنزع عن الزاني صفة الإحصان والعفاف والعدالة فيصبح بالزنا فاسقاً فاجرا ساقط العدالة والمروءة.... بل إن أعماله الصالحة الأخرى تغدو بالزنا معرضة لعدم القبول عند الله سبحانه وتعالى.
ج_ يجمع العلماء والأطباء ورجال المجتمع والتربية على أن الزنا سبب من أسباب الأمراض الخبيثة المعدية وغير المعدية كما أنه سبب من أسباب تفكك الأسرة واضطراب تربية الأبناء وضعف البنية الاجتماعية.
وقد جاء في حديث عبدالله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ولا فشا الزنا قي قوم إلا كثر فيهم الموت) رواه مالك في الموطأ
د_ الزنا سبب من أسباب انقطاع الأنساب في الحياة, وعدم التوارث بعد الممات, والتخاصم بين الناس, فإن الدين لم يثبت النسب لولد الزنا إلى أبيه, وقطعه بالتالي عن إرثه وحقوقه, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الولد للفراش (أي للزوجية) وللعاهر (أي الزاني) الحَجَر) رواه الشيخان.
هـ_ الزنا طريق للهلاك الجزئي أو الكلي, بمعنى أنه سبب من الأسباب العقوبة المشددة في الشرع, سواء كانت عقوبة جلد أو تغريب أو رجم, مع التشهير والنبذ الاجتماعي.
و_ يجب عزل الزاني والزانية عن المجتمع وإبعادهما عنه, ضماناً لسلامته من الآثار السلبية لفعلهما, ومبالغة في عقوبتهما, وهذا ما قصده النبي صلى الله عيه وسلم في قوله عن الزانيين غير المتزوجين (البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام) رواه الشيخان.
سـ3-ما حكم طفل الزنا وهل يجوز إجهاضه, وهل ينسب لأبيه إن تعرف إليه؟
جـ3- ولد الزنا هو ثمرة خبيثة... لفعل خبيث ووصفه بالخبيث لا لذاته هو فهو مخلوق بريء لا دخل له بفعل الزانيين, ولكنه ولد في جو فاحش وفعل قبيح, فجنى عليه الزانيان, لذلك فولد الزنى أشبه ما يكون بالولد المعاق بل هو أسوأ حيث إن المعاق لا دخل ولا لوالديه في الإعاقة التي لحقت به, بينما ولد الزنا تمالأ الزانيا المجرمان واتفقا على تشويهه: شاءا ذلك أم أبياه.
وعلى العموم فإن أحكام ولد الزنا كما يلي:
أ_ لا يجوز إجهاض ولد الزنا ما دام قد علق في رحم أمه وتعدى المراحل الأولى للتخلق, وهي متفاوتة عند العلماء: فبعضهم يحرم إجهاضه بعد الأربعين يوماً, وبعضهم يحرم ذلك بعد الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل, أو بعد الأربعة الأشهر الأولى. المهم أنه إذا تعدى عمر جنين الزنا أربعة أشهر فقد اتفقت كلمة العلماء على تحريم ذلك واعتبار إجهاضه جريمة قتل: فيها العقوبة والدية. فحق ولد الزنا في الحياة مكفول كغيره تماماً. ولا يجوز التعرض لحياته بحجة حماية حياة أمه أو أبيه أو أي عذر آخر.
ب_ ولد الزنى لا ينسب إلى الزاني قطعاً ولو أقر بذلك واعترف وعوقب..... إلا أنه ينسب إلى أمه فقط إن اعترفت به أو اثبتت ولادتها له. فإن جهل أبواه فإنه ينسب إلى المجتمع نسباً عاماً, ويسمى باسم أبٍ وأم وهميين.
ج_ لا يرث ولد الزنا من أبيه الزاني كما يرث منه ولده الشرعي... بل لو افترضنا أن الزاني تكفل به وأراد نفعة بعد موته فليوص له, أو ليعطه قبل موته.
د_ ليس ولد الزنا مَحْرماً لبنات الزاني وزوجاته, وليس محًَرماً عليهن.
سـ4- هل يعني ذلك أن ولد الزنا يصبح مشكلة للمجتمع ووبالاً عليه ؟
جـ4- لا يجوز خلط الأمور, فالأحكام الشرعية شديدة في حق الزانيين, ولذا حرمتهما من نسب الولد وحرمتهما من كافة حقوق الأسرة والمجتمع المترتبة على الزواج المشروع. ما داما قد سلكا طريق الخطيئة والحرام.
ولكن هذا لا يمنع المجتمع من أن يجد وسائل حياة شريفة كريمة للقطاء ومجهولي الآباء, وذلك على النحو التالي:
أ_ تبني هؤلاء المولودين ضمن أسر كريمة ترعاهم ولها الأجر العظيم الذي يتعلق بإحياء الأنفس وحفظها من الهلاك (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)
ب_ تخصيص موارد مالية كافية لإعالة وإعاشة أمثال هؤلاء المولودين وإنشاء الدور والإدارات المخصصة والمتفرغين للاهتمام بهم.
ج_ العمل الحثيث على الحد من ظاهرة هؤلاء المولودين, بتقوية الوازع الديني, ومنع أسباب الفساد, وتسهيل طرق الحلال, وغرس الأخلاق الإسلامية والقيم الكريمة التي تحض على العفاف والصون.
سـ5- هل يؤثر الزنا على العلاقة بين الزوجين ؟ وهل تطلق الزوجة إذا زنت أو زنى زوجها بغيرها ؟
جـ5- الزنا حرام والزواج حلال. والحرام لا يقلب حلال ولكنه ينازعه, فإذا وقع والزنا فلا شك أن الزوجين سوف يتأثران, خاصة إذا كانت الزانية هي الزوجة, لأنها محض أثر الفاحشة وموطن ولد الزوج. ومن هذا فإذا زنى الزوج فللزوجة أن تمتنع عنه حتى يتوب أولاً ثم تظهر نظافته من آثار اختلاطه بالزانية ثانياً... لو شكت الزوجة أو علمت بأن زوجها تعرض لمومسٍ أو زنى, ومن المحتمل أن يكون تعلقت به بعض الأمراض المعدية كالزهري أو الإيدز أو غيرها, فلها أن تمتنع عن فراشه حتى يعالج نفسه... وإذا كانت الزوجة هي الزانية فللزوج إضافة إلى هجرها في الفراش أن يأبى إلحاق نسب الحمل به, بل يلجأ إلى الملاعنة التي تنفي عنه نسب ولد الزنا ويفارق زوجته بعدها.
وعلى كل حال فإذا وقع الزوجان أو أحداهما في الزنا فلا يقع الطلاق بينهما إذ لإعاقة مباشرة بين الطلاق والزنا... وإن كانت غيرة الزوج الطاهر أو الزوجة العفيفة تأبى عليه قبول زنى الطرف الآخر ثم استمراره معه.
س6- هل التوبة الصادقة من الزنا كافية لتكفير الذنب بين العبد وربه, أم لابد من الاعتراف والرجم وتحمل العقوبات والتشهير بالنفس ونحو ذلك ؟
ج6- التوبة الصادقة التي تقطع الفرد عن الذنب أيا كان ولو كان زنا وتحول بينه وبين العودة إليه, وتدفعه إلى الندم على ما فات, والعزم على أن لا يعود أبداً... هذه التوبة كافية وافية ما لم تتعد الجريمة إلى حقوق الآخرين, فمن تاب تاب إلى الله, وتاب الله عليه, وعلى الإنسان أن يستر على نفسه وعلى غيره ما استطاع إلى ذلك سبيلاً, وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين إن لي جارية وقعت في الزنا, فلما علمنا بها أخذت سكيناً فنحرت نفسها بها, فلحقنا بها فعالجنها فبرأت, وبقي أثر الجرح في رقبتها, وقد تابت وحسنت توبتها الآن, وقد جاء من يخطبها, أفأخبره بما كان منها ؟. فقال عمر رضي الله عنه: بل تزوجها زواج المسلمات الحرائر ولا تخبر بما كان منها أحدا...
س7- فضيلة الشيخ هل من كلمة توجهها إلى المجتمع بهذا الخصوص ؟
ج7- نعم, أقول للزاني: اتق الله وتذكر محارمك, واذكر أن العقوبة من جنس العمل, فكما لا ترضى الزنا لبنتك أو أمك أو أختك فأعرض عن أعراض الناس, وكف عنهم, واذكر قول الشافعي رحمه الله
من يَزْن يُزْن به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهم
إن الزنـا ديـن إذا حققتـه كان القصاص ببعض عرضك فاعلمِ
وأفول للشباب العزاب: عليكم بغض البصر عن المحرمات الحية والمحرمات الوهمية. أما المحرمات الحية فما ترونه أمامكم في الشوارع والشواطئ والمجمعات, وأما المحرمات الوهمية فما يترافص أمام أعينكم في الشاشات أو المواقع أو على صفحات الورق أو أشرطة التسجيل .... فكل ذلك دعوة صريحة وملحة للفساد, وتبعدكم عن دائرة محبة الله وديوان الصالحين وتريد أن تسلبكم ثوب العفاف والطهر والإيمان.
الشيخ عبدالله نجيب سالم
الباحث العلمـي بالموسوعة الفقهية
29/6/2009
الصفحة السابقة