 |
|
جملة كبيرة من الرحلات الشهيرة: جغرافية، أو دعوية، أو علمية
|
رحلة ابن معصوم المدني
تسمى هذه الرحلة رحلة ابن معصوم المدني نسبة إلى صاحبها، كما تسمى كذلك بـ ( سلوة الغريب وأُسوة الأديب ) ولاشك في أن اسمها الثاني هذا يمهد السبيل أمام تصور مفصل لهذه الرحلة فهي من النوع الذي حوى معلومات قيمة جغرافية عن الأرض التي سار فيها ابن معصوم كما ضم إليها معلومات مهمة عن تاريح تلك الحقبة مما يتعلق بتلك البلدان ذات العلاقة برحلته وفوق هذا وذاك فما فيها من أبحاث أدبية ومقطوعات شعرية وتحقيقات علمية وتراجم وفوائد ووصف للبلدان والطرق والعادات والثمار وغيرها يجعلها من صنف الرحلات التي توفر مادة لتسلية الغريب المحتاج إلى من يسليه ومادة أخرى في نفس الوقت لإفادة الأديب الطالب لمنهج الأدب السالك من أجله كل سبب.
يقول الدكتور شاكر هادي شكر محقق رحلة رحلة ابن معصوم المدني: شرع ابن معصوم سنة 1047هـ في تأليف هذه الرحلة فوصف المدن والقرى والسكان والمناخ والماء والهواء والجبال والأشجار والثمار والحيوان والمساجد ومراقد العلماء وترجم لبعضهم ووصف البحار وما فيها من حيوان وأحجار كريمة وغرائب، فنمّق كل ذلك ووشاه بما عرف عنه من القدرة على الاستطرادات الأدبية الرائعة، والاستدراكات العلمية المفيدة وأورد الكثير من الشواهد المختارة نظماً ونثراً ثم أنهى الرحلة بايراد نماذج من شعر والده وما يناسبها من أقوال لشعراء آخرين وبعدها ترجم للسلطان عبد الله ابن محمد قطب شاه سلطان حيدر آباد ثم ترجم لجماعة من علماء العصر وأدبائه ثم أتى بعد ذلك بفصل فيه جملة من أخبار الهند وأحوالها قديماً وحديثاً.
وابن معصوم هو الشيخ السيد على صدر الدين بن الأمير أحمد نظام الدين بن محمد معصوم المدني يتصل نسبة بالامام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فهو من سلالة آل البيت أشرف أسرة على وجه الأرض قديماً وحديثاً...وولد بالمدينة المنورة عام 1052هـ وكانت أمه ابنة الشيح أحمد المنوفى امام الشافعية هاجر إلى الهند ملتحقاً بأبيه ثم التحق بالسلطان محمد أورنك زيب شاه ثم عاد إلى الحجاز فالعراق فايران حيث توفي في شيراز سنة 1120هـ... تلقى العلم على أيدي أساتذة كرام بررة وكان من نوادر عصره له ما يقارب العشرين مؤلفاً في مختلف العلوم.
وقد استهل ابن معصوم رحلته فيما جاء في السفر والاغتراب من نثر ونظم وذماً ومدحاً فكان مما أورده في ذمة قول الشاعر:
تَقُربَ الدار في الاعسار خير من العيش الموسّع في اغتراب
بينما ساق في مدح السفر كثيراً منه:
نـقـل ركـابـك فـي الغــلا ودَعْ الـغـوانــي في الـقـصــور
لـولا الـتـنـقـل مـاارتــقى دار الـبـحـور إلـى الـنـمـور
ثم بين السبب الباعث له على الرحلة وهو أن سلطان الهند عبد الله بن محمد قطب شاه كان قد استدعى والده للاستعانة به في ادارة دفة ملكه فلما وصل إليه وحيداً دون أسرته أملكه ابنته وعينه نائباً عنه طمعاً في استبقائه في الهند فما كان من أبيه بعد حين من مقامه إلا أن استأذن السلطان في استدعاء واحضار أسرته... ويقول ابن معصوم فجهز إلينا وزيره المعتمد وأمر بقطع هذه المدة في أقرب أمد .. وكان خروجنا من مكة المشرفة ليلة السبت لست خلون من شعبان المعظم عام 1086هـ فسلكنا طريق اليمن الميمون إلى أن أسفر الصباح فنزلنا بحمى يقال له: البيضاء فارتحلنا من إلى السعدية وهي ميقات اليمن بحذاء (يلملم) الذي وقته لهم النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا المنزل وقع بين بعض الخدم والمطارين كلام أفضى بهم إلى جراح وكلام ولم نزل نقطع كل فرق وقد نفذ التجلد أو كاد ينفذ حتى نزلنا بالهضم فاللبث فذكوان وهو قريب من البحر بينه وبين السيف مسير ساعة مع عذوبة مائه وطيب هوائه حيث مثل الركب الطريق قليلاً فافترق فرقتين ثم التأم شمله في قرب مدائن لوط يقال لها الواديين وهي من أعمال زبيد باليمن. ومن الواديين رحل ابن معلوم ومن معه إلى دَوْمَه الحسَبَهْ ومنها إلى القنفُذة التي يقال إنها كانت في القديم ميناء الحج القادم إلى مكة بحراً ثم استبدلت بميناء جدة فيما بعد.. ومن القنفذة أقلت بابن معصوم السفينة في أول مرة يركب فيها البحر إلى بندر حازان فبندر اللحيّة من مخاليف اليمن ثم وصل إلى بندر الحديدة فمدينة المَخا التي استقبله واليها زيد بن علي بن ابراهيم التابع لامام اليمن اسماعيل بن القاسم الزيدى وقد أقام بن معصوم فيها مدة من الزمن بعد أن بلغة أن سلطان حيدر آباد الذي كان يقصده في حرب ضروس مع عدوٍ له. وقد وصف ابن معصوم مدينة المخَا وهي بندر في غاية العمارة فيه قصور مشيّدة ونخل كثير.. وفيه حمام لطيف يقال أن بانيه فرش ارضه بالقرنفل ثم ألقى عليه الجص لتطيب رائحته. وفي المخا التقى بالشيخ أحمد بن محمد بن على الجوهري وكان متوجهاً من الهند إلى الحج. كما حدث أثناء اقامته فيها إن انقض كوكب عظيم هائل من جهة الجنوب إلى الشمال بعد المغرب فأضاءت له الدنيا كشمعة النار وترك وراءه ضياء مستطيلاً جداً، وقد وصف ابن معلوم الأحوال الجوية في المخا إبان مقامه بقوله: كانت تهب بالبندر المذكور ريح عاصف لاتسكن ليلاً ولانهاراً حتى إنه لايمكن الخروج معها من البيوت إلا اضطراراً ويسميها أهل اليمن: الأَزْيَب.
وبعد أربعة أشهر وعشرة أيام غادر ركب ابن معصوم المخا راكباً متن بحر العرب الذي وراءه المحيط الهندي حيث أمضى أياماً لايرى حوله إلا زرقة السماء تعانق زرقة الماء فكأنه بين سماءين واحدة فوقه وأخرى تحته كما قال الشاعر وقد استشهد به ابن معصوم في وصف ذلك:
وفلكنـا لمـا طمـا بحــره طــار بنـا بيـن سماءيــن
ومن لطف الله بابن معصوم ماذكره من انخراق سفينته قبيل وصوله إلى الهند ثم هبوب ريح ساقتها إلى الشاطئ قبيل غرقها بمن فيها... وكان الميناء الذي أوت إليه هو بندر جيتا بور وفيه أقام ثلاثة أيام سافر بعدها إلى راجبابور وفيها رأى طير الطاووس ونفشه لريشه وزهوه.
كما رأى الببغاوات أو البباغي الخضر المعروفة بالدرة وهي قابلة لتعلم الكلام الآدمي حتى رويت في تعلمها قصص غريبة جداً. كما رأى ابن معصوم في راجبور سنافير الزباد الواحد منها كالسنور الأهلي لكنه أطول منه جثة وذنباً ولونه إلى السواد أميل ويستخرج من عرقه بعد ملاعبته وتحريكه طيب حسن يؤخذ بملاعق الفضة يقال له: الزباد. إضافة إلى رؤيته لشجر الفلفل والنارجيل والفوفل والأنبا(والعنب) والتانبول. كما رأى عينا جارية شديدة الحرارة يتصاعد منها الدخان. يقول: ومن الغرائب مارأيناه بهذا البندر وهي عين على قلة جبل تنبع وتجري في السنة ثلاثة أيام ثم تغور وتنقطع وقد اتخذ الهنود عندها حياضاً يأخذون ماءها للتعبد. ورأى كذلك معبداّ للهنود فيه أصنام من ذهب وفضة مصورة على صورة الانسان والحيات والبقر والسرج فيه لاتطفأ ليلاً ولا نهاراً.
واستمرت اقامة بان معصوم المدني في راجابور ثلاثة أشهر إلا قليلاً وهي المدة التي أرسل فيها من قبله رسولاً يبشر أباه بقرب لقئه به ثم بعد ذلك ارتحل ـ وكان الوقت ربيعاً ـ فقال بأسلوبه الأدبي الرشيد: فسرنا ثلاثة أيام في أرض تباهي زهر السماء بأزهارها ومجرتها بأنوارها ونُورها بنَوْرها، وسحابها برحابها،لايمتد الناظر إلا إلى يانع ناضر، ولاتقع العين إلا على نهر وعين... ذَهَبُُ حيثما ذهبنا..ودُرُُّ حيث دُرنا وفضة في الفضاء... ثم قال: ومررنا بعد قطعنا عشر مراحل بقلعة بيجابور وهي دار ملك عادل شاه ملك تلك الأقطار ثم وصل بعد ذلك إلى كلبرجا ثم سار وقطع عدة مراحل حتى وافى قلعة (كَلَنُده) مقر ملك حيدر آباد عبد الله بن محمد قطب شاه فكانت محط رحاله وإليها مطارح آماله يقول: واجتمعنا بالوالد في ذلك اليوم اجتماعاً لم يخطر ببال في يقطة ولانوم. فأقر الله به العين وأراح من مشاق السفر ومتاعب البين.. ومن الغريب أن بعض الفضلاء الذين بحضرة الوالد أرّخ اجتماعنا هذا بقوله: (تم سرور اللقاء) أي بحساب الجمل وذلك تاريخ 1067هـ بعد أن استغرقت رحلته تسعة عشر شهراً.
ثم بعد أسبوع استدعاه السلطان قطب شاه لمقابلته وكانت تلك الالتفاتة من السلطان تكريماً لابن نائبه وتهيئة له فيما بعد لتولي مسئوليات تتعلق بالولايات العامة والمهام الخطيرة .
ورحله ابن معصوم المدني يصدق عليها بحق اسمها المعروفة به (سلوة الغريب وأسوة الأديب) وما ذلك إلا لما حوته من خصائص وميزات على النحو التالي:
1ـ تضمنت الرحلة العديد من القصص والأخبار الممتعة المتعلقة ببعض الأماكن أو ببعض المناسبات.. وعلى سبيل المثال فإن ابن معصوم لما ذكر تزويج السلطان قطب شاه ابنته لوالده وما أبداه في تلك المناسبة من فرح وبهجة وما أكرم به والده من أنعام وخلع وما صنعة له من حفلة زواج باهرة استطر فأورد ما ذكره التجاني صاحب تحفة العروس وبهجة النفوس قال: أخبرنا أبو ياسر البغدادي قال: وليمتان في لاسلام لم يكن مثلهما ولايكون. فالأولى :وليمة الرشيد عند وصوله بزبيدة بنت جعفر بن أبى جعفر المنصور والثانية وليمة المأمون على بوران بنت الحسن بن سهل...وأفاض في تفاصيل هاتين القصتين حتى أوصلهما الدرجة التي تدعو إلى التعجب والحيرة.
2ـ أورد ابن معصوم في رحلته تراجم بعض الاعلام وعلى سبيل الخصوص تراجم الذي لقيهم وكان له ضرب من التتلمذ عليهم والأخذ عنهم في الهند في حضرة والده يقول: واجتمعت بجماعة من الأعيان ورؤساء العصر والأوان ممن حلّى بهم الدهر حيده وملكهم الفضل طارفة وتليده فاكتمل برؤياهم جفني القريح وهبّت بعَرْف رياهم لكتابي هذا أطيبُ ريح. ثم ذكر أربعة منهم هم الشيخ محمد بن علي الشامي الذي أخذ عنه علمي النحو البيان ووضح له طرائف الشعر وأفانينه. والشيخ السيد عمار بن بركات بن أبى نمي الذي يقول عنه ولقد كان يجمعني واياه مجلس والدي فنتلاقى ملاقاة الأجسام والأرواح ونتصافى مصافاة الماء والراح وهو كهل شبّت بالظرف شمائله. والشيخ جعفر بن كمال الدين بن عيسى البحراني قدم الهند فتعلق منه يداه بالحبل المتين وكان صاحب طرائف ولطائف والشيخ حسين بن شهاب الدين الشامي.
3ـ تضمنت الرحلة كثيراً من الاستطرادات الجغرافية والتاريخية والاجتماعية فهو مثلاً عندما يصل إلى ميناء القنفذه (ميناء مكة قبل التحول عنه إلى جدة ) يستطر إلى ذكر الاشراف من بني حسن الذين حكموا مكة المكرمة قرابة سبعمائة عام وعند ذكره لمدينة المخا في اليمن يذكر أن أول من أظهر القهوة المتعارفة في هذا الزمان الشيخ علي بن عمر بن ابراهيم القرشي المتوفى عام 828هـ ثم يعقب على ذلك بأقوال العلماء والأطباء فيها. وعند ذكر البحر الهندي (المحيط الهندي) يتطرق إلى نظرية نشوء البحار وتكونها حسب آراء الأقدمين، وإلى عجائب البحار الكثيرة التى أعجبها ما شاع بين الناس آنذاك عن انسان البحر وأن أعلاه شكل انسان وأسفله شكل سمكة وأن من الممكن التزاوج بينه وبين بني آدم أو مايقال عن جزيرة تحكمها امرأة وسكانها من النساء فقط ونحو ذلك.
4ـ أما الهند وهي من بلاد العجائب أو مخزن العجائب فقد أفرد لها حديثاً موسعاً منها مصوراً لكثير من نواحي الحياة فيها من سرد لملوكها وبيان لاتساع أرضها وتمسكها الشديد بعاداتها، وكثرة ما فيها من الخيرات الزراعية أو المعدنية وسعة نهرها المقدس نهر الكنك وتعوديها على تعذيب النفس بالاحراق أوغيره التماساً للخلاص أو السمو وقصة بابا رتن العجابي التي لايجزم بها ولكن يقول باحتمال وصحة ما روي عن بلوغه الستمائة عام قبل موته استجابة لدعاء رسول الله.... وقد نفي الامام الذهبي المؤرخ الشهير وجود صحابي جليل بهذا الاسم.. وقد أفرد حديثاً خاصاً عن احتفال أهل الدكن برسوم مشهورة معتنى بها بعشر من محرم الحرام وغير ذلك مما يجعل رحلة ابن معصوم المدني مرجعاً عن أحوال وأخبار وشئون الهند.
5ـ حفلت رحلة ابن معصوم بالأبيات من شعر ونثر في شتى المواضيع من مدح إلى ذم إلى وصف إلى غزل إلى غير ذلك مما هو من نتاج قرية ابن معصوم نفسه أو أبيه وكانا شاعرين مجيدين أو غيرهما من معاصريهما أو مم سبقهما من الآباء.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة