 |
|
جملة كبيرة من الرحلات الشهيرة: جغرافية، أو دعوية، أو علمية
|
رحلة علي الطنطاوي إلى الشرق
في عام 1954م انعقد في القدس مؤتمر إسلامي للنظر في نكبة فلسطين شاركت فيه وفود من بلاد إسلامية كثيرة رأت القدس وفلسطين وما حل بها عن قرب، وكان من ثمرات هذا المؤتمر تشكيل لجنة ـ فيما شكل من لجان ـ للدعاية والانعاش الروحي كلفها المؤتمر أن تطوف العالم الإسلامي تعرف بفلسطين ـ وهي في قلب كل مسلم ـ وتدعو الناس لإمدادها بالمال ـ وهي أشد ماتكون حاجة إليه.
وكانت هذه اللجنة مكونة من خمسة من الشخصيات الإسلامية البارزة قبل أربعين عاما: علي الطنطاوي من سوريا والفضيل الورتلاني وابراهيمي من الجزائر وأمجد الزهاوي ومحمود الصواف من العراق... ولكن هؤلاء الخمسة مجتمعين لم يتمكنوا من القيام بمهمة الطواف في العالم الإسلامي حيث اعتذر الاستاذان الجزائريان ابتداء بنما مشى الاستاذ الصواف حتى عاد من كراتشي مضطراً وبقي الشيخ الكبير أمجد الزهاوي مع بقية السلف الصالح والشيخ على الطنطاوي الكاتب الإسلامي الفذ... على أنه قد صحبهم من كراتشي في رحلتهما تلك للتعريف بقضية فلسطين الدكتور أمين المصري إلى جاكرتا دون أن يتمكن من الاستمرار معهما إلى النهاية.
والحقيقة هي أن تلك الرحلة لم تكن لوصف البلدان ابتداء ولا للترويح عن النفس غاية ولا للتعرف على العادات والشعوب أولاً بل كانت من أجل نصرة القدس المبارك والمسجد الأقصى الشريف وفلسطين الحبيبة التي غدرت بها الصهيونية في ساعة غفلة من الأمة فكان لابد من ايقاظ الأمة النائمة وتنبيهها بواسطة أناس يصلحون لذلك.. يكفي أن نعلم أن الطنطاوي قال عن رحلته: ( لقد ألقيت ثلاثاً وأربعين محاضرة وخطبة عن فلسطين وعقدت ثمانية وعشرين مؤتمراً صحفياً وشغلت بها ست اذاعات وأكثر من أربعمائة جريدة ومجلة... وماأقول هذا مناً ولا فخراً.. ولقد تركنا لفلسطين لجاناً في كل من كراتشي وكلكته ولكنو ودهلي وبومباي وسنغافورة وجاركتا وبولجا وسورا بايا.. وبلغ ماجمعته هذه اللجان من التبرعات والامدادات مبلغاً خيالياً في عقد الخمسيات من هذا القرن، لقد كانت الرحلة نموذجاً لصحبة المستغيث بالأهل والأنصار في ساعة شدة الخطب وعظيم الكرب.
ولايسعنا ونحن نستعرض رحلة الشيخ علي الطنطاوي إلى الشرق المسلم إلا أن نشير إلى نقطتين مهمتين: أولاهما أن الطنطاوي إذا كان قد انشغل في حين الرحلة بالهدف الأساسي الذي ندب نفسه ورفيقه من أجله فإنه لم يفوت على مستمعيه وقرائه فرصة التمتع بالحديث الشيق عن الرحلة وصفاً وتعليقاً واخباراً عن المدن والشعوب التي زارها والعادات والتقاليد التي رآها والحسنات والسيئات التي عايشها مما يقصه الرحالة عموماً في رحلاتهم المدونة عن بقاع الأرض وأجناس الأمم، وثانيهما: أن رحلة الطنطاوي في سبيل فلسطين ليست الوحيدة في بابها ولا اليتيمة في أمرها بل لها نظائر كثيرة وأخوات متعاقبات لم تنقطع ولم تهدأ.. ففلسطين كانت وماتزال قضية إسلامية يملك أهلها أن يتكلموا عن أنفسهم فيها ولكنها لايملكون الكلام عن حقوق المسلمين جميعاً في تلك الأرض التي امتزج تاريخها بتاريخ الشعوب الإسلامية منذ القديم
ونعود إلى الطنطاوي ورفيقه الصواف لنرى أنهما قد خرجا أولاً من عمان براً يوم الجمعة22 لعام1954م إلى بغداد فقطعا الصحراء وهما يمران بمحطات البترول على الطريق H4 ثم H5 حتى وصلا بغداد في ليلة زمجر فيها نهر دجلة وثار حتى كاد يهلك الأخضر واليابس في فيضان ربما لم يسبق له مثيل.. وقد أقلعت بهم الطائرة صوب كراتشي وهو بوابة الإسلام بالنسبة للقارة الهندية وماوراءها.. ومن كراتشي عاودت الطائرة الإقلاع صوب كلكتا للاستراحة ثم اتجهت إلى الجو مرة أخرى فمرت فوق ( ارنفون) عاصمة بورما ثم وصلت إلى بانكوك ( عصامة سيام) ( تايلند حاليا) فحطت فيها قبل أن تستأنف الطيران إلى شبه جزيرة الملايا ( أوالملايو) ومنها إلى سنغافورة حيث استقبل الطنطاوي رفيقه الزهاوي وفد من العرب الحضارنه المقيمين هناك، وقد وصف الطنطاوي تلك الجزيرة بكثرة أشجار النارجيل ( جوزالهند) والنخل ونوعٍ آخر أغصانه كأصابع الكف كأنها مروحة صينية قد فتحت كما وصف السكان الذين أكثرهم من أهل الصين ونساؤهم يشاركن الرجل الأعمال كلها كقيادة سيارات الأجرة والعمل في صالونات حلاقة الرجال.. وبين سنغافورة وجزر الملايو جسر ممدود فوق البحر يربط بين البلدين، وقد ذكر الطنطاوي أنه بعد أن ألقى محاضرة في مسجد في سلطنة جوهور أحد سلطنات جزر الملايو التقى بالمفتي السيد علوي بن طاهر الحداد، كما وزار الكلية الإسلامية التي سعى في إنشائها عبد العليم الصديقي لمحاربة المدارس التبشيرية الأجنبية.
ويصل الطنطاوي ورفيقه الشيخ الزهاوي أخيراً إلى جاكرتا وقد استقبلوا استقبالاً حسناً في مطارها من قبل مندوب عن حكومتها إضافة إلى السفير المصري الاستاذ علي العمروسي والقائم بالأعمال السعودي الاستاذ عزة الكتبي وزعيم عرب أندنوسيا السيد على سنكر وغيرهم، وقد تحدث الطنطاوي عن عاداتهم في حصاد الرز وهوأهـم محاصيلهم فقال: ولهم في زراعــة الــرز عادات عجيبة منها احتفالهم بمصادره : يجمعون لذلك أجمل البنات فيتخذن له أبهى الثياب وأزهاها ويأتين ضاحكات مغنيات فيكون هذا الاجتماع أشبه بمهرجان أو عيد، ومن عاداتهم أن من احتاج إلى حاصدات أو حاصدين صاح في القرية فلباه من يسمع عرفه أم لم يعرفه، ولكن لكل حاصد نصيب مما حصد ويكون الحصاد بالأيدي ثم تربط سيقان الرز ويترك لها في أعلاها مثل خصلة الشعر.. كما تحدث عن أنواع الفواكه التي رآها ومنها أنواع من البرتقال بحجم البطيخة الكبيرة جداً يوضع على المائدة منه جرتان أو ثلاث، أما الموز فعندهم منه أكثر من ثلاثين نوعا منه مايبيعونه مشوياً أو مطبوخا أو مايعقد بالسكر كالمربى أما طعامهم فإن فيه من أنواع الفلفل الحار ماجعله كالنار المحرقة للجوف بلا رحمة ولم يكن ثمة من بديل سوى الحليب وبعض الفواكه، ومن الغرائب التي أوردها الطنطاوي عن طعام جاركتا : طباق رقاق مثل الجرادق التي تباع في رمضان وهو على كل مائدة يأكلونه بدل الخبر يقول: وقد حسبته نوعاً من الخبر وإذا هو سمك... ولا أدري كيف يعالجون السمك حتى يكون كذلك.. كما أورد صورة من صور الحراسة للفندق في الليل عندما ذكر أن صوت ضرب مزعج أفسد عليه نومه في الفندق فلما ذهب يستطلع الأمر انقطع فلما رقد عاد بعد مدة مراراً كل فترة فلما اأصبحت سألت فإذا هي طريقة مبتكرة للحراسة يضرب الحارس على صينية بعدد مامضى من ساعات الليل ليدل على أنه مستيقظ سهران.. ويضيف الطنطاوي عن أهل جاكرتا: من غرائب عاداتهم أن الأب لاينفرد بحمل أثقال الأسرة بل يعاونه الخال فالخال مسؤول عن بيته وبين أخته وإذا تزوجت البنت كان كل نفقاتها على خالها، ولهم في ولائم الخطبة والزواج طرائف من التلميح والتلويح للثناء غير المباشر، وإذا كان الطنطاوي قد عانى من مشكلة اللغة المحلية ماعانى فإنه لم ينس أن في اللغة الأندنوسية بعض المفردات العربية مثل أسماء بعض المدن ( المدينة المنورة والكوفة وجبل الفتح) ومثل أسماء الأشخاص(محمد وأحمد وسراج الدين وعـبد الحكيم ) ومثل أسمــاء بعــض الأشياء كشركــة بمعنى جمعية، ودولت بمعنى سيارة ورعيتي بمعنى شعب، وغير ذلك كثير، وكان مما ذكره عن جاوه عربة (الركشة) التي تملأ شوارعها وهي وسيلة التنقل الدارجة وكانت قبل تركيب المحركات النارية تعتمد على جر الإنسان لها بما حملت من راكب أو حمل على اختلاف موقع السائق أو العامل عليها بين أن يسعى أمامها أو يدفعها أمامه... أما عيد القرآن فهو يوم السابع عشر من رمضان حيث يحتفلون احتفالاً ضخماً في القاعة الكبرى من قصر الرئاسة ويشترك رجالهم ونساؤهم في ذلك الحفل وعلى الرغم من انفصال مقاعد الرجال عن النساء إلا أن التي افتتحت الحفل كانت زوجة الرئيس سوكارنو إذ رتلت بصوتها الرخيم آيات من القرآن الكريم بقراءة فصيحة صحيحة المخارج، يقول الطنطاوي وقد عجبت من افتتاحها هي حفلة القرآن دون الرجال فعجبوا من عجبي، وقد زار الطنطاوي الحديقة العالمية في بوغور خارج جاكرتا والتي أنشأها رينوات الهولندي عام 1817م وهي بحجم مدينة دمشق أيام الخمسينات وفيها إضافة إلى التجهيزات العلمية والمدرسية مجموعة ضخمة من عمالقة الأشجار وأبرزها شجرة ( انيتازا) المجلوبة من منطقة الباسفيك ويزيد علوها على ستين متر وطول أكمام زهرها متر، لقد كانت جاوة ( احدي جزر أندنوسيا التي تزيد على 3 آلاف جزيرة) جنة الأرض وأجمل بقاعها وسحر الطبيعة الفتان، وتمثل ذلك أمام عيني على الطنطاوي وبشكل خاص عندما قطع بالقطار أكثر من 300 كم خلال يومين فاجتاز الجزيرة من مغربها إلى مشرقها وكانت الصور الخلابة للجبال والوديان والسهول والغابات والمساكن والمزارع تتوالى كفلم سينمائي متابع.
وقد مر الطنطاوي في طريقه إلى شرق الجزيرة ببلدة جوكجاكرتا ويدعونها اختصارا جوكجا وكان له فيها برنامج حافل حتى كان يتمنى أن يدعو له ساعة من الزمان لنفسه وقد وصف المدينة القديمة التي يكاد قصر الملك يحتل ربعها وقد لفت نظره فيه مسكن الفيلين الملكيين: الفيل الأبيض وهو مركب الحفلات والمواكب، والفيل الأسر وهو الموكب العادي.. بينما كانت غرفه ومنازله في غاية الأناقة ودقة النقش خاصة قاعة العرش ذات السقف العالي وفي وسطها سدة مرتفعة عن الأرض غاية في الروعة والجمال، وقد أحسن ملك البلدة صنعاً فقدم هذه القصر الأثري الفخم هبة للعلم والتعليم فتحول إلى كلية للطب جميلة.. وعلى الرغم من أن اليوم الذي زار فيه الطنطاوي جوكجا كان يوم عطلة إلا أن الملك دعاه لمقابلته فذهب إليه مع الترجمان ليجلسا في رحبة دار كأنها من الدور العربية الشامية مع شاب أسمر اللهو ببذلة بيضاء صغير السن أخذ يبادلهم الحديث طويلا حتى إذا مل الطنطاوي سأل مترجمه متى سندخل على الملك فإذا به يفاجأ بأن جليسه المتواضع البسيط لم يكن سوى الملك الذي يعرف بنفسه ولم يشأ أن يدخل حاملا أوسمته ونياشينه.. وكانت جلسة محرجة تخلص من احراجها الطنطاوي بذكائه ولباقته.
وقد أشار إلى الحركة الإسلامية في أندنوسيا والتي تقم الجمعية المحمدية التي أسسها الحاج أحمد دحلان عام 1912م ولها ألف وخمسمائة مدرسة ثانوية وسبعمائة مستشفى وثلاثمائة دار أيتام ولها دار لتخريج المعلمين لمدارسها، كما تضم الحركة الإسلامية بجمعية الإرشاد التي لها خمسة آلاف مدرسة التدريس فيها كلها بالعربية وكان أسسهها عام 1912 أحمد السكرتي الأنصاري وهو سوداني مهاجر.. وتعرض في رحلته لتاريخ أندنوسيا وكيفية تحررها من الاستعمار الانجليزي وجهادها في سبيل ذلك جهاداً لانظير له.
وكان مما ذكره أن لكل الجمعيات الإسلامية في أندنوسيا واعظات يعرفن باسم المبلغات وهن من الكثرة بحيث زدن على خمسة وعشرين ألفا يقمن بتربية الجنس اللطيف وتهذيبه وايصال هداية الإسلام إليه وسمي تنظيم النساء( بالعائشية) نسبة إلى زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، لذلك فالمرأة الأندنوسية في غاية الحشمة والحياء والوقار والتدين، ومهرها رمزي لايزيد ـ كما قال الطنطاوي ـ عن روبيتين ونصف آنذاك.
وكانت المحطة الأخيرة لعلي الطنطاوي في رحلته إلى أندنوسيا سوابايا التي كانت لها نصيب كبير من اللقاءات والمحاضرات نصرة لفلسطين ودعوة لانقاذها، وقد زار بعدها قرية كارسايك التي قيل إنها مرفة عن قرية الشيخ ومنها انبثق نور الإسلام على بلاد أندنوسيا وكان من غرائب مارآه خارج مسجدها طبلان كبيران يقرعان بعد الأذان لدعوة الناس إلى الصلاة.
وفي يوم الوداع والعودة أذاع الطنطاوي والزهاوي بياناً إلى مسلمي أندنوسيا قائلا فيه إننا في قضية فلسطين مثلكم، لسنا من فلسطين ولستم منها أنتم ولكن دفعنا الواجب الديني وهو واجبنا وواجبكم والأقصى مسجدنا ومسجدكم وشرف الإسلام شرفنا وشرفكم.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة