 |
|
جملة كبيرة من الرحلات الشهيرة: جغرافية، أو دعوية، أو علمية
|
رحلة ياقوت الحموي
يجزم العلماء المختصون بأن ياقوت الحموي كان من الذين أكثروا من الطواف في عصرهم بل لم يكن له مستقر واحد ينسب إليه مع عنايته بالتاريخ الطبيعي ومظاهر الثقافة الشاملة وعدم الأخذ بالخرافات والأساطير الذائعة في عصره والمنبثة بكثرة في كتب الرحالة عموما، إلا أنه لم يدون أخبار رحلاته في كتاب خاص ولم يصرح بكثير مما رآه أو عايشه في مواطنه ومواقعه حتى أننا ـ كما يقول الدكتور زكي محمد حسن ـ لانستطيع أن نحدد مقدار ماأفاد ياقوت من رحلاته تحديداً دقيقا فإنه نقل في معجمه عن كثير من الجغرافيين والرحالة والمؤرخين، ولم يعين الأقاليم التي زارها بنفسه وكتب عنها مشاهداته الخاصة.
والذي نعرفه عن مبدأ أمر ياقوت الحموي أنه ولد عام 575هـ لأنه أسر صغيراً لم يعرف له اسم من قبل كما لم يعرف اسم أبيه ولا أسرته الرومية الأصل ولا بلده بل أطلق عليه اسم ياقوت لما بيع كعبد رقيق، والعبيد تنتشر فيهم مثل هذه الأسماء، ثم نسب إلى عبد الله على أنه ابن عبد من عبيد الله فصار اسمه ياقوت بن عبد الله وكان يلقب فيما بعد بشهاب الدين أبي عبد الله... وقد سيق بعد أسره إلى بغداد حيث اشتراه وهو صغير تاجر حموي من حماه يقيم في بغداد ومـن ثمـة ألحق بنسبته إلى مولاه فقيل له ياقوب بن عبد الله الحموي وذلك للدلالة على مولاه الذي اشتراه.
وكان مولاه عسكر الحموي لايحسن الخط أمياً لايقرأ ولايكتب، وكانت حاجته لم يضبط له تجارته ومعاملاته ماسّة ، لذا فقد دفع الغلام (ياقوتا) إلى الكتاب لينتفع به في تجارته فنشأ متعلماً مسلماً ولما كبر ازدادت ثقافته اتساعاً بتعلمه ـ غير الخط والقراءة ـ علوم النحو واللغة والفنون والأدب... وهذا يدل على نباهته وعصاميته.
وبدأت رحلات ياقوت في البلدان منذ أن كان غلاماً يافعاً يتردد بمال سيده مابين جزيرة كيش ( وهي جزيرة في وسط المحيط الهندي أهلها فرس) وعمان في جنوب الجزيرة العربية ـ وكان أكثر أهلها خوارج أباضية ـ ليحمل بضائعه التي يجلبها من هناك إلى بلاد الشام ـ وهي تحت حكم بني أيوب ـ فيبيعها ثم يشتري مايعود به إلى الجنوب العربي في خط رحلته ما انقطعت منذ القديم.
ونستطيع أن نتلمس شخصية ياقوت القوية المعتدة بذاتها المحبة للتجارة والأسفار وعدم التكلف من حادثتين منفصلتين لهما علاقةٌ هامة برحلاته وأسفاره:
أولاهما أنه ماكان يبلغ الحادي والعشرين من عمره أي في عام 596هـ حتى احترف بتجارة الكتب في الوقت الذي كان سيده اعتقه وحرره من ربقة الرق وأشركه معه في تجارته فأفاد من ذلك كثيراً وحصل بالمطالعة فوائد جمة، وقد حدثت بينه وبين مولاه التاجر عسكرالحموي نبوة وجفوة ساقته إلى الابتعاد عنه فترة من الزمن كان في صالح ياقوت إذ دفعته إلى الاعتماد على نفسه والتمكن في عمله وتجارته ثم لم يلبث أن استعاد ثقة سيده فيه فأعطاه من ماله وسفّره إلــى كيش التــي كــان يقصدهــا صغيرا، فمضى إليها أقــوى عزيمة وأشد شكيمة إلا أنه لما عاد إلى بغداد ثانية وجد أن مولاه عسكر قد توفي سنة ست وستمائة بعد أن ترك وراءه زوجة وأولاد فأعطاهم ياقوت ماأرضاهم من مال التجارة من حصة أبيهم ثم خرج وقد بقيت له من حصته بقية صالحة جعلها رأس ماله في تجارة الكتب التي هويها وتعشقها بطلبها في مظانها من العواصم الإسلامية ويسعى بها إلى طالبيها من طلبة العلم وعشاق الكتابة وهو في هذا الرحيل والعودة يزداد اطلاعاً وبحثاً ومعرفة بأسماء الكتب ومؤلفيها والعلوم وباحثيها.
وثانيهما: أنه بلغ به الاعتداد بنفسه مبلغاً كبيراً إلى الحد الذي لايعرف التملق أو النعومة ففي احدى رحلاته إلى حلب سنة تسع وستمائة وكان وزيرها القفطي المعروف بميله إلى جمع الكتب والحرص على اقتنائها فأدخل وسيطه ( أبو علي القيلوي) ياقوتاً عليه ليعرض عليه ماعنده من الكتب، يقول القفطي في انباه الرواة: فلم يكن فيها سوى كتابين ابتعهما منه وتأملته في منظره ومخبره فتوسمت فيه أموراً لم يخب حدسي فيها، وعلمت أنه لايصلح للعشرة... إلا أن هذا اللقاء غير الثمر مع الوزير القفطي لم يمنع ياقوتاً من التردد عليه كلما ورد حلب حتى إذا كانت سنة 613هـ وصل ياقوت الحموي إلى حلب فاجتمع بالقفطي وقد توطدت الصلات أكثر فأكثر وسمع منه شعره وكان قد تجاوز الأربعين من عمره، ثم توجه بعد ذلك إلى دمشق في نفس السنة وساقته الأقدار إلى لقاء تاجر بغدادي في بعض الأسواق ساءه أن انتقد ياقوت سيدنا علياً رضي الله عنه وكرم وجهه في خلافه مع معاوية رضي الله عنه وجرى بينهما في ذلك في ذلك كلام أخطأ فيه ياقوت مما دفع بالتاجر البغداي إلى الاستنجاد بالناس ممن حوله فثاروا على ياقوت ثورة كادوا يقتلونه فيها وأبلغوا الأمر إلى والي البلد المعتمد الموصلي فما كان من ياقوت إلا أن احتال لنفسه حتى خرج من دمشق فاراً خائفاً يترقب قبل أن يقبض عليه.. وتوجه من فوره إلى حلب ومنها رحل إلى الموصل ثم إلى اربل وسلك منها إلى خراسان دون دخول بغداد وذلك خوفاً من التاجر الذي اختصم معه في الشام أن يلاقيه فيهلك بسببه.
وفي خراسان أكب على التأليف والمطالعة والنسخ وهو إضافة إلى ذلك يتاجر بالكتب بضاعته ويحملها متنقلاً بها بين خراسان ومرو ونسا وخوارزم واستوطن مدينه مرو مدة تزيد على ثلاث سنين، وكانت أجود وأغزر سنوات عمرة بالتأليف.
وينقل لنا الرحالة ياقوت الحموي ذكريات طيبة، يقول: وأقمت بها ثلاث أعوام.. ولولا ماعرا من ورود التتار إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها إلى الممات، وذكر أنه تركها وفيها عشر خزانات كبيرة ( مكتبات عامة) لم ير في أي مدينة أخرى مثلها: يقول: وكان العمل فيها واستعارة كتبها الموقوفة أمراً سهلاً حتى أن عدد ماكان عند ياقوت من هذه الكتب في الآن الواحد كان يقرب من مئتي مجلد، والظاهر ـ كما يقول الدكتور زكي محمد حسن ـ أنه كان يدفع رهناً للنادر منها ولكن أكثرها كان بغير رهن، وقد ختم ياقوت حديثة عن هذه المكتبات بقوله: فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها فأنساني حبها كل بلد وألهاني عن الأهل والولد وأكثر فوائدها هذا الكتاب ـ معجم البلدان ـ وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن.
ومن تلك الذكريات الطيبة عن مرو ماسطره في مقدمة موسوعته الجغرافية الكبيرة ( معجم البلدان) قال: وكان من أول البواعث لجمع هذا الكتاب أنني سئلت بمرو الشاهجان في سنة 615هـ في مجلس شيخنا عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني تغمدهما الله برحمته عن (حُباشة) اسم موضع جاء في الحديث النبوي وهو سوق من أسواق العرب في الجاهلية فقلت أرى أنه حُباشة بضم الحاء فانبرى لي رجل من المحدثين وقال: إنما هو حَباسة بالفتح وصمم على ذلك وكابر فأدرت قطع الاحتجاج بالنقل إذ لامعول في مثل هذا على اشتقاق ولا نقل فاستعصى كشفه في غرائب الأحاديث ودواوين اللغات فألقى حينئذ في روعي افتقار العالم إلى كتاب في هذا الشأن مضبوطا وبالاتقان وتصحيح الألفاظ بالتقييد مخطوطا ليكون في مثل هذه الظلمة هاديا وإلى ضوء الصواب داعيا.
ثم خرج من مرو فانتقل إلى مدينه نسا ثم غادرها إلى خوارزم وقد وصلها أيام الشتاء.
يقول عن ولاية خوارزم في معجم البلدان: كنت قد جئتها في سنة 616هـ فما رأتي ولاية قط أعمر منها، فإنها على ماهي عليه من رداءة أرضها كثيرة البيوت والمفردة والقصور في صحاريها قل مايقع نظرك في رساتيقها ( ريفها) على موضع لاعمارة فيه هذا مع كثرة الشجر بها والغالب عليه شجر التوت، وأكثر أهلها قد سرفوا على ضيق العيش والقناعة بالشيء اليسير وأكثر ضياع هوارزم مدن ذات أسواق وخيرات ودكاكين مع أمن شامل وطمأنينة، والشتاء عندهم شديد جداً بحيث أني رأت جيمون ـ نهرهم ـ وعرضه ميل وهو جامد والقوافل والعجل الموقرة ذاهبة وآتيو عليه، وأقيم شيء عندهم وأوحشه أنهم يدوسون حشوشهم ( بيوت الخلاء) بأقدامهم ويدخلون إلى مساجدهم على تلك الحالة لايمكنهم التحاشي من ذلك وليس لأبنيتهم أساسات إنما يقيمون اخشاباً مقفصة ثم يسدونها باللبن وكلامهم كأنه أصوات الزرازير، وكنت قد اجتهدت أن أكتب شيئا بها فما كان يمكنني لجمود الدواة حتى أقربها من النار وأذيبها وكنت إذا وضعت الشربة على شفتي التصقت بها لجمودها ولم تقاوم حرارة النفس الجماد.
وصادفه وهو بخوارزم خروج التتر وذلك سنة 616هـ فانهزم بنفسه كبعثه يوم الحشر من قبره وقاسى في طريقه من المضايقة والتعب مايكل عن شرحه إذا ذكره... وترك خوارزم فبلغه أن التتار قد خربوها وقتلوا أهلها وتركوها تلالا.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ووصل ثانية إلى اربل وقد تقطعت به الأسباب وأعوزه دنيّ المأكل وخشن الثياب وأقام بها مدة لم يطب له المقام بها فتركها وارتحل إلى الموصل ليقاسي بها شدة العيش وجفوة الزمن فكتب فيها رسالته الشهيرة المطولة إلى وزير حلب القفطي يقص فيها ـ كما يقول الدكتور رحاب خضر عكاوي في كتابه موسوعة عباقرة الإسلام ـ قصة حياته وتعبه وجهده وسعيه وراء الرزق وحرمانه وما عاناه في خراسان ومرو من علم وراحة وكان تمنى في آخرها المثول بحضرة السلطان.
ثم انتقل ياقوت الحموي من الموصل إلى سنجار ثم منها إلى حلب وأقام بظاهرها في الخان مشمولاً برعاية الوزير القفطي وحمايته فاجتمع بالعلماء وأكمل كتابه وأهدى نسخة من معجم البلدان بخطه للقفطي وعاوده الحنين للتجارة أيضاً فجمع مالاً وفيرا واشترى به قماشاً وخاماً ثم توجه إلى مصر وعاد من مصر ببضاعة أخرى مما يباع في الشام.
ولما أحسن بدنو أجله وقف كتبه على مسجد الزيدي الذي بدرب دينار ببغداد ـ ولعله كان له فيه ذكريات مع أيام طفولته وشبابه ـ وأوصى إلى الشيخ عزالدين أبي الحسن علي بن الأثير صاحب التاريخ الكبير بذلك فسيرها بعد وفاته إلى هناك، يقول القفطي: واحتاط نواب الأيتام ـ ولم يكن له وارث ولا عقب ـ على ماله إلى أنه حضر ولد سيده ـ التاجر الحموي عسكر ـ من بغداد بكتاب حكمي وتسلم ماخلفه..
وبوفاة ياقوت الحموي عام 626 هـ في حلب انطوت صفحة رحالة مؤرخ عالم عاش حياته عصامياً قلقاً ترفعه الدنيا طوراً وتخفضه أخرى إلا أنها خلدته بعد موته بما لم يعرفه في حياته، كما كان ناقداً لما يسمع أمينا فيما يروي لم تلهه القصص المثيرة والروايات العجيبة المتداولة على ألسنة الرحالة والمؤرخين عن استعمال عقله وايقاد جذوته....
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة