 |
|
جملة كبيرة من الرحلات الشهيرة: جغرافية، أو دعوية، أو علمية
|
رحلة الإسراء والمعراج
في باب الرحلات الشهيرة، وبعد أن طوفنا مع كثير من الرحالة على اختلاف في مراتبهم وسعة اطلاعهم ودقة ملاحظاتهم وعجيب أخبارهم ومقدار الحقيقة والخيال فميا روه أو زعموه، نجد بعد ذلك لزاماً علينا أن نطوف ونُلِمَّ برحلة من نوع خاص جمعت بين الأرض والسماء والغيب والشهادة والصدق والتحدي والأخبار العظيمة والعبر الكبيرة.. إنها رحلة الإسراء بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ثم العروج به إلى السماوات العلى في حدث غريب عجيب لم يقع على الأرض مثله من قبل، ولولا يقيننا بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق الذي قدم الأدلة المادية والعقلية والدالة على صدقه، ولولا إيماننا الراسخ بقدرة الله سبحانه على ماهو أغرب من ذلك وأكبر، لكانت روايتنا لهذه الرحلة رواية لخيال أو توهم.. وحاشا لله ورسوله ذلك.
وقبل أن نشرع في سرد تفصيلات أشهر رحلة في تاريخ البشرية وأعجبها نشير إلــى ماتميزت بــه مــن الاعجاز الزمني الــذي ـ رغـم ماتضمنته من أحداث جسام كثيرة ـ لم تستغرق إلا جزءٍ من ليلة واحدة لا أكثر، ولعل هذا أحد الأسباب التي جعلت كفار قريض يرفضون التصديق بها لمجرد قياسهم أحوال سفرهم آنذاك على ماوقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم متناسين أن ماحدث كان أمراً من أمر الله خاصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم دون سواه... لذلك فهو معجزة من المعجزات الخاصة بالنبوة، كان بالروح والجسد معاً يقظة لامناماً وحقيقة لاخيالا.
ومما لاشك فيه أننا لانسرد هنا رحلة الإسراء والمعراج للمقارنة بينها وبين رحلات البشر فوق أديم الأرض.. فلا وجه للمقارنة ولا المقاربة لأسباب كثيرة أهمها: الفارق الكبير بين رحالة البشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم ـ الذي لايمكن أن نصفه بأنه كان رحالة أبداً ـ إضافة إلى أن ماوقع في الإسراء والمعراج كان خرقاً من الله لنواميس الكون وقوانين الوجود وكخلق آدم من تراب وخلق عيسى بلا أب ونحو ذلك، وفوق هذا وذاك فإن الإيمان بالإسراء والمعراج جزء من الإيمان الواجب في الجملة على الفرد المسلم فقد كان الإسراء والمعراج في حينه وإلى يوم الدين امتحاناً لقوة إيمانه وشدة تصديقه، عدا أن ثبوت هذا الحدث والإشارة الصريحة والضمنية إليه جاءت في آيات قرآنية وأحاديث نبوية تقطع الشك باليقين وتدحض التردد بالبراهين.
وسوف نقوم بسرد قصة رحلة الإسراء والمعراج بعد جمعها من مصادرها الحديثة والتاريخية دون دخول في الموازنة بين مراتب النصوص ولا تعداد للأقوال التي تكثر في كل جزئية ... على أن لانورد إلا ماارتضى العلماء روايته عن هذه الرحلة وتداولوه في كتبهم وتلقته الأمة بالقبول ليكون في مجموعة بعيداً عن الروايات التالفة أوالمختلقة وما أكثرها. في ليلة الاثنين السابع والعشرين من رجب في العام العاشر من البعثة النبوية، وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجع في الحطيم من المسجد الحرام بمكة المكرمة بين النائم واليقظان إذ جاءه جبريل عليه السلام يحمل الدعوة للذهاب إلى بيت المقدس في فلسطين ثم التوجه نحو السموات العلى في رحلة تكريمية تفوق في عظمها كل مظاهر التكريم الذي عرفه البشر، فقدم له دابة البراق ليركبها، وقد وصف البراق بأنه أبيض بين الحمار والبغل مسرج ملجم في فخذيه جناحان يحفر بهما رجليه وهي مركب الأنبياء، فلما دنا ليركبها شمست فوضع جبريل يده على مغرفتها ( منبت العرف من الرقبة) ثم قال: ألا تستحين يابراق فما تصنعين والله ماركب عليك أحد قبل محمد أكرمُ على الله منه فاستحيت حتى أرفضت عرقا ثم قرت حتى ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت به يرافقه جبريل آخذ بلجامها وهي تهوي مسرعة تضع حافرها عند منتهى بصرها حتى انتهت إلى بيت المقدس.
وقد صرحت الروايات بما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلته من مكة إلى بيت المقدس بينما كانت الأرض تطوى تحته، فانطلق بي يضع يده عند منتهى بصره فسمعت نداء عن يميني يامحمد على رِسلك أسألك فمضيت ولم أعرج عليه ثم سمعت نداء عن شمالي يامحمد على رِسلك أسألك فمضيت ولم أعرج ثم استقبلت امرأة في الطريق فرأيت عليها من كل زينة من زينة الدنيا رافعة يدها تقول: يامحمد على رِسلك فمضيت ولم أعرج عليها ولما سألت جبريل عليه السلام عن ذلك قال له إن داعي اليمين كان داعي اليهود أما لو أنك وقفت عليه لتهودت أمتك، وأما داعي اليسار فهو داعي النصارى أما لو وقفت عليه لتنصرت أمتك، وأما المرأة المتزينة فهي الدنيا أما إنك لو وقفت عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة.. وجاءت بعض الروايات تذكر أنه قد توقف به البراق في أماكن وأمر بالنزول للصلاة فيها كالصلاة في يثرب (المدينة المنورة) وفي طور سيناء حيث كلم الله موسى تكليما، وفي بيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الآنبياء في قبورهم يصلون لقول: أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب وهو قائم يصلي في قبره.
وكانت ـ على مانظن ـ في الطريف بين مكة وبيت المقدس مرائي كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم رآها رأي العين فقد رأى قوما يزرعون في يوم ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان وسأل جبريل عليه السلام عنهم فقال هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، ومر برائحة طيبة فسأل ماهذه الرائحة قال: ماشطة بنت فرعون وأولادها ( أي خادمتها وخادمة أولادها) قتلت بسبب إيمانها، ثم أتي على قوم ترضخ رؤسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت وقيل له: هؤلاء المتثاقلون عن الصلاة المكتوبة، كما مر على قوم عراة على اقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع والزقوم ورضف وحجارتها، وأخبر بأنهم مانعوا الزكاة، ومرأيضاً على قوم بين أيديهم لحم نضيح وقدور لهم آخر نيء وهم يأكلون من الخبيت دون الطيب النضيج وأخبره جبريل أنهم الزناة ينصرفون عن حلال نسائهم ويقبلون على حرام الأخريات، وأتي على خشبة في الطريق لايمر بها ثوب إلا شقته ولاشيء إلا خرقته ولما استفسر عن ذلك قيل له هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ، كما أتي على رجل قد جمع حزمة عظيمة لايستطيع حملها ولكنه يزيد عليها ويزيد فأخبر أنه الرجل يتحمل أمانات الناس وهو عاجز عن أدائها ثم يتحمل فوقها غيرها، وكذلك رأى قوماً تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت وأخبر أنهم خطباء الفتنة، ورأى أيضاً أقواما مشافرهم كمشارف الإبل تفتح أفواههم ويلقمون من الجمر الذي يخترق أجوافهم ليخرج من أدبارهم وكانوا من أكلة أموال اليتامى ظلما، أما القوم الذين رآهم يأكلوم جيفا نتنة، وكان بعضهم يأكل من لحم جنبه وآخرون لهم أظافر من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقد قيل له هؤلاء هم المغتابون.، وقد رأى أكلة الربا على صورة الذين بطونهم منتفخة فيها الحيات ترى من خارج بطونهم.. هذه معظم المرائي التي نقلت عن رحلة الإسراء والمعراج مما نظن ـ دون جزم بأنها كانت في الأرض بين البلدتين المقدستين.
وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل إلى بيت المقدس ويدخل المسجد الأقصى حتى صلى به ركعتين يقول: وأخذ مني العطش أشدّ ماأخذني فأتيت بإناءَين في أحدهما لبن وفي الآخر خمرـ أو بثلاثة آنية فيها لبن وخمر وماء كما تذكر روايات أخرى ـ فعدلت بيهما ثم هداني الله عز وجل فأخذت اللبن فشربت حتى عَرِق به جبيني وقيل له هديت إلى الفطرة.
ويضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: ورأيت الأنبياء جمعوا لي فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى فظننت إنه لابد من أن يكون لهم إمام فقدمني جبريل حتى صليت بين أيديهم وسألتهم فقالوا: بعثنا بالتوحيد وقد قام خطباء الأنبياء ـ ابراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ـ فكان مما قاله أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام: الحمد لله الذي اتخذني خليلا وأعطاني ملكاً عظيماً وجعلني أمة قانتاً لله يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها علي برداً وسلاما ثم قال: يامحمد اقرىء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأن غراسها سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كلكم أثنى على ربه وأنا مثن على ربي، الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعاملين وكافة للناس بشيراً ونذيراً وأنزل عليّ الفرقان فيه تبيان كل شيء وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس وجعل أمتي وسطا وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون وشرح لي صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري وجعلني فاتحاً وخاتماً، قال إبراهيم عليه السلام: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وسلم.
ولم تنته أحداث هذه الرحلة المعجزة عند حد اختراق المسافات دون زمن يذكر والالتقاء بالأنبياء بعد وفاتهم بزمن ورؤية الأمور العظيمة في صورة تناسبها مفرحة أو محزمة.. نعم لم تنته الرحلة عند هذا الحد بل زاد الله تكريمه لمحمد صلى الله عليه وسلم زيادة لاتكون لغيره، فقد نصب له المعراج وهو أشبه مايكون بدرج من نوع خاص يفوق الوصف يقول عنه المصطفى عليه السلام: لم أر شيئاً قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حُضر.. وبعد أن نصب انطلق فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يرافقة جبريل الأمين، يقول: حتى أتينا السماء الدنيا قيل من هذا قال: جبريل ، قيل من معك. قيل محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به ولنعم المجىء جاء، ومثل هذا الاستفتاح والاستفسار تكرر في دخوله كل سماء أخرى حتى السابعة، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في السماء الأولى أبا البشر آدم عليه السلام، وفي الثانية عيسى ويحيى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة ادريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم عليهم جميعا السلام، وكان كل من ليقيه منهم يرحب به ويثني عليه، يقول عليه السلام: فرفع لي البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها(ثمرها) كأنه قلال هجر وورقها كأنه آذان الفيول في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، الباطنان في الجنة الكوثر والسلسبيل والظاهران: النيل والفرات، ثم فرضت عليّ خمسون صلاة فأقبلت حتى جئت موسى فقال: ماصنعت قلت فرضت عليّ خمسون صلاة قال: أنا أعلم بالناس منك بما لجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لاتطيق فارجع إلى ربك فسله.. وأخيراً أقرت الصلاة خمس مرات مضاعفاً أجرها لمن أداها إلى خمسين صلاة... وتجلى له ربه كما يشاء وأعطاه من العطايا الشيء الكثير.. من ذلك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطها بني قبله. ونظر عليه السلام وهو عند سدرة المنتهى إلى جبريل أمين الوحي على صورة الملائكة التي خلق عليها منظوم أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت يسد عِظَمُ خلقه مابين السماء والأرض له ستمائة جناح.
وقد ذكرت بعض الروايات أنه عليه السلام رأى في السماوات مالكاً خازن النار وألقى عليها نظرة خاطفة فإذا هي تذهل العقول وتأخذ بالأفكار، كما لقي رضوان خازن الجنة ودخل الجنة فإذا فيها جنابذ ( قباب) اللؤلؤ وإذا ترابها المسك وكان الحور العين يستقبلنه قائلات: نحن خيرات حسان نساء قوم أبرار نقوا فلم يرونا واقاموا فلم يظعنوا وخلدوا فلم يموتوا.
وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أدراجه إلى الأرض وحل ببيت المقدس ثم ركب البراق متجها صوب مكة... ولم يكن جباناً ولا متشككا بل أخبر الناس ـ والمشركين أولاً ـ برحلته في ليلته السابعة ذاركاً فضل الله عليه منوهاً بقدرته على كل شيء، ولكن عقولهم لم تطق تصديق ذلك حتى قال له المطعم بن عدي وكان صاحب عمه أبي طالب: كل أمرك قبل اليوم كان تماماً غير قولك هذا، إنا لنضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهر أو منحدراً أشهرً تزعم أنك أتيته في ليلة ! فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ساق لهم دليلين اثنين ماديين على صدقه أولهما: وصف المسجد الأقصى ـ وهو لم يسافر إليه قبل، وفيهم من سافر بالتجارة إليه ـ وصفاً دقيقاً مفصلا، وثانيهما: أخبرهم عن قافلتهم العائدة من الشام، مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا وقد أضلوا بعيراً لهم وإن سيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا ويأتونكم يوم كذا أو كذا يتقدمهم جمل أورق عليه غرارتان سوداوان.. فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حين كان قريباً من نصف النهار حتى أقبلت العير يتقدمهم ذلك الجمل ذي الغرارتين السوداوين... وزادهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه دليلاً عقلياً ثالثاً فقال: إني أصدقه في خبر السماء في غدوه أو روحه أفلا أصدقه فيما دون ذلك.
وصدق الله سبحانه ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الاسراء:1)
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة