 |
|
جملة كبيرة من الرحلات الشهيرة: جغرافية، أو دعوية، أو علمية
|
رحلتا الإمام الباقلاني
ولد الإمام القاضي محمد بن الطيب في البصرة عام 338هـ (950م) وكان ولده يبيع الباقلاء ( الفول) فعرف بالباقلاني ا, بان الباقلاني، وقد تلقى العلم منذ حداثة سنه على أعلام بلده الذي كان مركزاً علمياً كبيراً ثم لما استوفى ماعند علماء البصرة رحل إلى دار العلم والخلافة بغداد فالتقى بكبار علماء الأمة وأخذ عنهم جملة العلوم الشرعية وجد واجتهد وكان على درجة عالية جداً من الذكاء والفطنة والفصاحة والورع، مع تمكن في العلوم كلها خاصة علم الكلام والعقائد، حتى لقبه القاضي عياض بشيخ السنة ولسان الأمة، ولقبه غيره بسيف السنة، لم تحفظ عليه زلة قط ولا نسبت إليه نقيصة.
وبداية نقول: إن أبا بكر القاضي الباقلاني هذا لم يكن رحالة بالمعنى الجغرافي المتبادر إلى الذهن بل عاش وتوفي في بغداد، لكنه دخل عالم الرحلات الشهيرة في تقديرنا بسبب رحلتين اثنتين، أوقل: مهمتين علميتين قام بهما كانت الأولى شخصية محضة وكانت الثانية رسمية دولية.. وفي كلا الرحلتين نصر الله به الإسلام نصرة ظاهرة وأظهر فضله إظهاراً بيناً.. وإليكم خبر هاتين الرحلتين.
الرحلة الأولى: وكانت مع بداية ظهور أمر الباقلاني واشتهار اسمه على ألسنة الخلق.. فقد آل مـلك فارس عام 338 بعــد وفاة عماد الدولة إلى فنّاخسروبـن
ركن الدولة البويهي ابن أخي الملك السابق، وكان سيراز آنذاك عاصمة للبوبهيين، وكان فنّاخسرو هذا يكني بأبي شجاع ويلقب بعضد الدولة، وكان على جانب واسع من الثقافة والاطلاع والعلم يحب الأدب والأدباء ويقدر العلم والعلماء ويؤثر مجالستهم ويجري الجرايات ( الرواتب) على الفقهاء والمحدثين والنحاة والمفسرين... وكانت لديه مكتبة عظيمة أولاها اهتمامه حتى كانت مضرب المثل في الاستيعاب والنفاسة والتنظيم والجمال، عليها وكيل وخازن ومشرف ولم يبق كتاب صنف إلى وقت عضد الدولة من أنواع العلوم إلا حصّله فيها.. وكان من شأن عضد الدولة أنه أفرد لأهل الخصوص والحكماء والفلاسفة موضعا في هذه يجتمعون فيه للمفاوضة والمذاكرة بحرية تامة لايدخل إليهم من الرعاع أحد... إلا أنه لاحظ على مجلس المتظلمين هؤلاء أنهم من مذهب واحد هو مذهب المعتزلة الذي طغى آنذاك على كثير من البلدان والأقاليم خاصة بعد تأييد بعض الخلفاء العباسيين لهم فسأل ذات يوم مستشاريه قائلا هذا مجلس عامر بالعلماء، إلا أني لا أرى فيه واحداً من أهل الاثبات والحديث.. أما لهؤلاء المثبتة من ناصر.. (يقصد أهل السنة والجماعة) وفين آنذاك بالأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري وهم الذين يثبتون رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهكذا بدأ يبحث عمن يرسل إليه من أهل السنة والجماعة ليقدم إلى مجلسه فيشارك فيه، حتى ذكر له أن بالبصرة ـ وهي من توابعه ـ رجلين: شاباً وشيخاً، أما الشيخ فهو أبو الحسن الباهلي وأما الشاب فيعرف بابن الباقلاني هما فرسان أهل السنة والجماعة، فكتب إلى واليه على البصره ليبعثهما إليه وأرسل إليهما خمسة آلاف درهم من الفضة، فلما وصل الكتاب إليهما أبي الباهلي الرحيل وقال: هؤلاء فسقة روافض لايحل لنا أن نطأ بساطهم، وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال: إن مجلسه مشتمل على أصحاب المحابر كلهم، إلا أن الباقلاني كان له رأي آخر مخالفٌ لرأي شيخه الباهلي، قال الباقلاني: كذا قال من سبق من أهل الحديث والسنة كابن كلاب والحارث المحاسبي ومن في عصرهم عندما دعاهم المأمون لمناظرة المعتزلة فقالوا: إن المأمون فاســــق ظالم لانحضر مجلسه حتى سـاق أحمد بن حنبل وجرى عليه بعدما عـُرف ولا ناظروه لكفّوه عـن هذا الأمر وتبين له ماهم عليه بالحجة وأنت أيضا أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ماجرى على أحمد، ويقولون: بخلق القرآن ونفي الرؤية... وها أنا خارج إن لم تخرج، فقال الشيخ: أما إذا شرح الله صدرك لذلك فافعل.
يقول الباقلاني: فخرجت إلى شيراز، فلما دخلت المدينة استقبلني ابن خفيف في جماعة من الصوفية وأهل السنة فلما جلسنا في موضع كان ابن خفيف (وهو من علماء الشافعية) يدارس فيه أصحابه( اللُّمَع) للشيخ أبي الحسن الأشعري فقلت له: تماد على التدريس كما كنت، فقال لي: أصلحك الله إنما أنا بمنزلة المتيمم عند عدم الماء، فإذا وجد الماء فلا حاجة إلى التيمم ، فقلت له: جزاك الله خيراً، وما أنت بمتيمم، بل لك حظ وافر من هذا العلم وأنت على الحق، والله ينصرك.. ولقد سأل الباقلاني أصحابه بشيراز: متى الدخول إلى فناّخسرو فقالوا له: يوم الجمعة لايحجب عنه صاحب طيلسان، يقول: فدخلت والناس قد اجتمعوا والملك قاعد على سرير ملكه والناس صفوف على يسار الملك وفوق الكل قاضي القضاة بشر بن الحسن وكان يدخل على الوزراء في وزارتهم فلما رأيت ذلك كرهت أن أتقدم على الناس وأتخطى رقابهم من غير أن أرفع ولم تدعني نفسي أن أقعد في أخريات الناس، وكان عن يمين الملك المجلس خالياً، ولايجلس هناك إلا وزير أو ملك عظيم فمضيت وقعدت بحذاء قاضي القضاة فوجدوا من ذلك وفزعوا حتى عرفهم أحد الحضور، فقال قاضي القضاة: أطال الله بقاء مولانا، هذا هوالرجل الذي كتبت فيه وهو لسان المثبتة.
وقد حدثت في تلك الجلسة مناظرة رقيقة أولاً بين الباقلاني وأحد تلاميذ الأحدب رئيس البغداديين المعتزلة فأفحمه الباقلاني فسكت وأخذ الكلام الأحدبُ نفسه ـ وكان أفصح من عندهم وأعلمهم ـ فأفحمه الباقلاني بعد مناظرة شديدة، ومال المالك إلى كلامه فتناول الحديث أبو اسحاق النصيبيني ـ وهومن كبارهم ـ فلم يقم لباقلاني فـي جداله طويلا حتى أفحمه هــو الآخـر، يقـول الباقلاني: ثـم جـرى في المجلس المجلس كلام كثير وقال الملك على إثــره لقاضي القضاة:ألم أقل لك إن مذهبـاً طبـق الأرض لابد له من ناصر.. بل إنه مازال متأخر وليقرب إلى الباقلاني وينزل عن سرير ملكه حتى صار بين يديه لما استعذب من كلامه, يقول الباقلاني: ولما انقضى الملجلس صحبني بعض الحجاب إلى منزل هيىء لي فيه جميع ماأحتاج إليه فسكنته.
ولما خرج الباقلاني قال الملك لقاضيه: فكرت بأي قتلة أقتله لجلوسه حيث جلس بغير أمري، وأما الآن فقد علمت أنه أحق بمكاني مني.. ثم دفع إليه ولده صمام الدولة ليعلمه مذهب أهل السنة وألف له كتاب التمهيد.. وهكذا كانت رحلة الباقلاني الأولى من بغداد إلى شيراز للحق ودفاعاً عنه.. وكان فيها مؤيدا منصورا.
2 ــ وأما الرحلة الثانية للباقلاني فكانت ثمرة للأولى التي فتحت باب العلاقة بين عضد الدولة البويهي والباقلاني.. فإنه لم يزل معه بشيراز إلى أن قدم بغداد وكان دخوله إياها عام 367هـ وظل أثيراً لديه مقدماً عنده مكرما بما يستحقه حتى إنه جعله رئيس البعثة التي أوفدها سنة 371هـ إلى ملك الروم.
وملخص تلك الرحلة الرسمية التي قام بها الباقلاني يبدأ من حين وقوع صراع على الملك بين ولدي أرمانوس ملك الروم الذي مات وخلف وراءه ولديه باسيلوس وقسطنطين وبين أحد قوادهما(سقلاروس) المعروف بورد الرومي الذي أراد أن يستقل عنهما مما حدا بهما إلى محاربته في أكثر من معركة حتى انتهى الأمر بسقلاروس إلى الهزيمة والالتجاء إلى ديار بكر ونزل بظاهر سيافرتعين بجوار الدولة البويهية وأخذ يراسل عضد الدولة (قناخسرو) ويرسل أخاه قسطنطين للاستنجاد به ويعده ببذل الطاعة وحمل الخراج إذا انتصر على خصميه، فكان عضد الدولة يحسن استقباله ومعاملته ويعده ويجامله حتى انتهى خبره إلى الملكين الأخوين بقسطنطينيه فأنفدا إلى عضد الدولة مندوبا وجيها عندهما اسمه تقفور ويعرف بالاورانوس ليفسد ماشرع فيه مع سقلاروس، واجتمع الرسولان على بسط عضد الدولة يتنافسان في التقرب إليه ويستبقان إلى التحالف معه ولم ينصرفا إلى أن انتهت سنة 369هـ وذلك أمر لم يكن مثله قط ويعده المؤرخون ـ كما يقول السيد أحمد صقر ـ من مآثر عضد الدولة حيث استطاع في النهاية سب أكبر المصالح من وراء لعبة سياسية ذكية بين خصمين لدورين محتاجين إليه أشد الحاجة.
ومما يتعلق بأمر هذه الرحلة الثانية للباقلاني أنه لما تجهز للخروج إلى القسطنطينية قال له أبو القاسم المطهر بن عبد الله وزير عضد الدولة: الطالع خروجك، أي أن المنجمين نظروا في الأبراج والفَلَك فرأوا خروجك يوافق طالع السعد والتوفيق، فرد عليه الباقلاني بصراحة: لا أقول بهذا، لأن السعد والنحس كله والشر والخير بيد الله عز وجل وليس للكواكب هنا مثقال ذرة من القدرة، وإنما وضعت كتب المنجمين ليتعيش بها الجاهلون من العامة ولاحقيقة لها، فانقطع الوزير ولم يحر جوابا.
وبدأت رحلة الباقلاني من بغداد إلى القسطنطينية يرافقه مندوب ملكها تفقور ( الاورانوسى) ووفد رسمي من المسلمين حتى إذا اقترب منها يقول: فأرسل إليها ملك الروم من يلقانا وقال: لاتدخلوا على الملك بعمائمكم حتى تنزعوها إلا أن تكون مناديل لطافاً وحتى تنزعوا أخفافكم، قلت: لاأفعل ولا أخجل إلا بما أنا عليه من الزي واللباس فإن رضيتم وإلا فخذوا الكتب تقرأونها، وأرسلوا بجوابها وأعود بها، فأخبر الملك بذلك، فقال: أريد معرفة سبب هذا وامتناعه عما مضىعليه رسمي مع الرسل فسئلت عن ذلك فقلت: أنا رجــل مـن علماء المسلمين ، ومــا تحبونه مــا ذلُّ وصغار، والله تعالى قد رفعنا بالإسلام وأعزنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأيضاً فإن من شأن الملوك إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر رفع أقدارهم لا إذلالهم،
فقال الملك: دعوه يدخل ومن معه كما يشاؤون فدخل الباقلاني ومن معه كما أرادوا
وكان مما وضحه للملك بنفسه أن رسوله قد دخل بملابسه على أمير المؤمين الطائع لله وادخل بها كذلك على السلطان عضد الدولة، فرد عليه الملك الرومي باسيلوس رداً حسناً ممتدحاً إياه وأضاف: وقد أخبرنا صاحبكم في كتابه: أنك لسان المسلمين والمناظر عنهم وأنا أشتهي أن أعرف ذلك منك.. وانصرف الباقلاني إلى منزله المعد له ولوفده.. فلما كان يوم الأحد دعي إلى مائدة الملك فامتنع فألح عليه فيه حتى صارحهم بقوله: أخشى أن يكون على مائدته من لحوم الخنازير وما حرمه الله تعالى فأجابه الملك: ليس على مائدتي ولا في طعامي شيء تكرهه، وما أنت عندنا كسائر الرسل، يقول: فنهضت وجلست فلما فرغ من الطعام بخر المجلس وعطره ثم قال ممتعناً له: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر كيف هو عندكم فقلت: هو صحيح شق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال، فقال الملك: وكيف؟ ولم يره جميع الناس؟ وهذا القمر بينكم وبينه نسبةُ وقرابة، لأي شيء لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس وإنما رأيتموه أنتم خاصة، قلت: فهذه المائدة ـ مائدة عيسى التي نزلت عليه من السماء ـ بينكم وبينها نسبة وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس والبراهمة وأهل الالحاد وخاصة يونان جيرانكم فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن وأنتم رأيتموها دون غيركم.. فتحير الملك وعجز عن الجواب، وأمر أن يحضر فلان القسيس ليكلمني فلم أشهعر إذ جاء برجل كالذئب أشقر الشعر فقعد وتليت عليه المسألة فلم يقدر على جواب أو مراجعة.
وتعددت المناظرات مع المالك والقساوسة مرة حول معجزات عيسى عليه السلام ومرة حول بعض الآيات في كتاب الله تعالى وكان الباقلاني في كل المجالس مبرزاً متفوقاً، يقول البلاقلاني: قلت له في مجلس: لم أتحد اللاهوت بالناسوت أي الرب: بالبشر فظهر عيسى فقال: أراد أن ينجي الناس من الهلاك ( الخلاص) فقلت: وهل درس بأنه يقتل ويصلب ويفعل به كذا ولم يأمن من اليهود فإن قلت: إنه لم يدر ماأراد اليهود بطل أن يكون إلهاً وإذا بطل أن يكون إلهاً بطل أن يكون ابناً، وإن قلت: قد درس ودخل في هذا الأمر على بصيرة فليس بحكيم لأن الحكمة تمنع من التعرض للبلاء، فبهت.
ومما جرى في تلك المجالس إن الباقلاني فاجأ بعض المطارنة بقوله: كيف أنت، وكيف الأهل والأولاد، فقال له الملك وقد عجب من قوله، أما علمت أننا ننزه هؤلاء عن الأهل والأولاد فقال الباقلاني: أنتم لاتنزهون الله سبحانه وتعالى عن الأهل والولد وتنزهونهم، فكأنهم أقدس وأجل وأعلى من الله سبحانه وتعالى فسقط في أيديهم ولم يردوا جواباً.. ثم قال الملك: أخبرني عن قصة عائشة زوج نبيكم وما قيل فيها، فعرف الباقلاني أنه يقصد مارماها به المنافقون كذباً من الزنا فقال له من فوره: هما اثنتان قيل فيها ماقيل: زوج نبينا ومريم ابنة عمران، فأما زوج نبينا فلم تلد وأما مريم فجاءت بولد تحمله على كتفها.. وكل قد برأها الله مما رميت به، فانقطع الملك ولم يحر جوبا.
ويروي القاضي عياض أن الملك قال للبطرك: ماترى في أمر هذا الشيطان، قال: تقضي حاجته وتلاطف صاحبه وتبعث بالهدايا إليه وتخرج هذا عن بلدك من يومك إن قدرت، وإلا لم آمن الفتنة على النصرانية، ففعل الملك ذلك، وأحسن جواب عضد الدولة وهداياه، وعجل تسريحه ومعه عدة من أسارى المسلمين والمصاحف، ووكل بالباقلاني من جنده من يحفظه حتى يصل إلى مأمنه.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة