 |
|
جملة كبيرة من الرحلات الشهيرة: جغرافية، أو دعوية، أو علمية
|
رحلة الشيخ رحمة الله خليل الرحمن الكيرانوي
قبل بداية القرن التاسع عشر بقليل أخذت البعثات النصرانية التنصيرية في الهند تأخذ طابعاً علنيا، ثم ازدد نشاط الارساليات البروتستانتينية التي تتبع مذهب الكنيسة الإنكليزية ـ سواء كانت انجليزية أم ألمانية أم أمريكية ـ بعد أن سنت شركة الهند الشرقية ـ ممثل الاستعمار ووكيله ـ القوانين التي تعطيها مزيداً من الحقوق والامتيازات داخل الهند إضافة إلى الدعم المالي.. حتى أسست كلية اسكندروف الاسكتلندية لتخريج المنصّرين في الهند.
ومما يذكر في هذا المجال أنه كان لجمعية التنصير الكنسية في الهند ألف مدرسة تحوي 65 ألف طالب في مختلف مراحل التعليم، وكانت تلك المدارس ومعاهدها المتخصصة وكلياتها العليا تدار بأموال الوقف الإسلامي بعد أن صادر الإنكليز واستولوا على أوقاف المساجد التي كان ينفق ريعها على تعليم أبناء المسلمين، فحرموا بذلك المسلمين من معاهدهم العلمية المقامة بجانب المساجد من جهة وصرفوا تلك الأموال على المدارس التنصيرية من جهة أخرى.
في هذا الجو الخانق ولد الشيخ رحمة الله بن خليل الله ـ ويعرف بخليل الرحمن ـ عام1233هـ (1818م) في قرية كيوانه بمحافظة مظفر ناجار مـن توابع دلهي عاصمة الهند وكانت أسرته أسرة عريقة تنتسب إلى الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان ذي النورين رضي الله عنه، وقد كان جده السابع الطبيب عبد الكريم الملقب ( بحكيم بينا) نجح في علاج الامبراطور جلال الدين محمد أكبر فاقطعه أرضاً زراعية في كيرانه حيث ولد والشيخ رحمة الله المذكور.
وقد بدأ الشيخ رحمة الله تعلمه في بلدة على يد والده وكبار أفراد أسرته المشهورين بالعلم والفضل والدين ثم ارتحل إلى العاصمة الهندية دلهي ـ وتسمى بذلك تحريفاً عن دهلي ـ فنال حظاً وافراً من العلوم في مدرسة الأستاذ محمد حيات ثم ارتحل إلى لكنا وتتلمذ على المفتي سعد الله وغيره وبرع في العلوم الشرعية والرياضية والهندسية كما درس الطب على يد الطبيب محمد فيض.
ولما عاد إلى بلدته كيرانه أسس مدرسة شرعية فيها ثم تفرغ لمقارعة المنصرين بعد أن أدرك خطورتهم فتركزت معظم مؤلفاته في هذا المجال، بل إنه أسس مراكز لتدريب الدعاة المسلمين على مقاومة التنصير ثم سلك في ذلك أسلوباً جديداً مباشراً هو ( المناظرة).
وقد حفظ التاريخ للشيخ رحمة الله مناظرتين في الهند مع أعلام التنصير وكبار رجالاته: الأولى وتسمى المناظرة الصغرى في أكرا (اكبر أباد) وكانت بينه وبين القسيسين ( كئي وفرنج ) وذلك في شهر ربيع الآخر سنته 1270هـ (1854م)
وقد أظهر الله الشيخ رحمة الله ومساعده الدكتور محمد وزير خان.. إلا أن هذه المناظرة سميت صغرى لأنها كانت في جو محدود ضيق في بيت القس فرنج.
أما المناظرة الثانية ـ وتعرف بالكبري ـ فقد كانت بينه وبين القس الدكتور فندر ـ وهو مستشرق أمريكي تحول إلى البروتستانتينية، وقد أرسلته انجلترا رئيسا
للمنصرين في الهند فأظهر نشاطاً كبيرا حتى صنف كثالث أخطر منصر في الهند بعد اليسوعي جيروم كزافييه وهني مارتين، وكان من اجرأ من كتب في الطعن على الإسلام ونبيه وكتابه كما تزعم حملة تنصير واسعةً حتى وصل به الأمر إلى أنه كان يتخذ من درج الجامع الكبير بدلهي بقرب القلعة الحمراء منصته لإلقاء خطبه من فوقها بين العصر والمغرب كما كان يقوم بواسطة قوات الأمن بتجميع الناس في الشوارع الرئيسية والأسواق المزدحمة والزامهم بالاستماع لخطبه ومواعظه التي يطعن فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم والدين والعقيدة داعياً إلى النصرانية متحدياً على المسلمين علنا مثيرا المجادلات الدينية معهم.
وقد أثار منذر بعلمه الممجوج هذا ردة فعل عنيفة عند المسلمين من جهة ـ كما ولدت بعض الشكوك في ضعاف النفوس من جهة أخرة.. مما أثار الحمية في نفس الشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن فدعا فندر للمناظرة العلنية، وراسله بتسع رسائل فيما بين 23 آذار و8 نيسان، ويظهر من تلك الرسائل أن فندر كان يخشى المناظرة العلنية لذلك لجأ إلى الشروط الصعبة التي قبلها الشيخ رحمة الله على الفور ومنها أن على المغلوب في المناظرة أن يعلن انتقاله إلى دين الغالب فوراً وأمام الناس كافة دون تأخير... وهكذا حدد يوم الاثنين 11 رجب 1270هـ موعداً للمناظرة التي ستعقد في مكان يقال له خان عبد المسيح(كان مدرسة من قبل)... وبحضور ولاة المديرية وبعض كبار موظفي الحامية الإنكليزية حضر( فندر) ومعاونة ( وليم كلين) وبدأت المناظرة التي حضرها أمراء المسلمين والهندوس والقساوسة ومراسلوا الصحف حتى زاد عدد الحضور على 500 نفس وكان متفقاً على أنها تنحصر في خمسة مواضيع: النسخ والتحريف وألوهية المسيح والتثليث وإعجاز القرآن، وقد بدا واضحا تمكن الشيخ رحمة الله من زمام المناظرة في اليوم الأول وظهوره الظهور التام في اليوم الثاني أما في اليوم الثالث فقد انسحب منذر وامتنع عن الحضور مما أسفر عن نتيجة مهمة هي تعرية منذر وكتاباته واعترافه العلني بوقوع النسخ والتحريف في كتب العهدين القديم والجديد ورحيله عن بلاد الهند إلى ألمانيا وسويسرا وبريطانيا ثم إلى القسطنطينية.
ولقد حقدت بريطانيا على الشيخ رحمة الله أشد الحقد بعد ذلك وتربصت به حتى إذا قامت ثورة عام 1857م ـ أي بعد سنتين من المناظرة الكبري ـ واشترك الشيخ رحمة الله فيها ولكن الانكلير أخمدوها بوحشية بالغة ونصبوا أعواد المشانق للعلماء المشراكين فيها وجعلت لمن يدل على الشيخ رحمة الله مكافأة ألف روبية بل اأنهم صادروا أملاك الشيخ وباعوها بمبلغ (1420) روبية وحظروا بيع كتبه وطبعها مما اضطره للاختفاء في قرية صغيرة بينما كانت تطارده عيون الانكليز ودورياتهم حتى إذا دخلوا تلك القرية أخذ المنجل وتشاغل مع الفلاحين بالحصاد كأنه منهم حتى كتب له النجاة، ثم من تلك القرية تسلل خفية إلى (سورت) ميناء الهند حيث ركب البحر مهاجراً إلى البلاد المقدسة وذلك عام 1862م.
وبدأت الرحلة الكبرى في حياة الشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن الكيرانوي وهي رحلة فتح خير كثير للأمة وللإسلام.
ولما وصل الشيخ رحمة الله إلى مكة المكرمة لم يكن يعرفه فيها أحد فلجأ إلى حلقة عالم مكة الكبير ومفتي الشافعية فيها الشيخ أحمد زيني دحلان ودخل بين الطلاب كواحد منهم يستمع ويتابع الدرس إلا أن مقامه العالي ومقدرته العلمية دلتا عليه فسرعان مااكتشف الشيخ أحمد زيني دحلان أن هذا الطالب ليس إلا عالماً فاضلاً جليلاً، فأخذ بيده وطلب منه أن يكشف عن شخصيته الحقيقية فامتنع الشيخ أولاً واعتذر إلا أن الشيخ دحلان أصر عليه فأخبره رحمة الله بموجز عن شخصه وما وقع له وأسباب خروجه عن بلاده مما فجر الدمع في عينيه.
وهنا رأى عالم مكة الشيخ أحمد زيني دحلان أن من الواجب عليه تكريم عالم الهند الشيخ رحمة الله فدعا علماء مكة المكرمة ووجهاءها إلى مائدة كبيرة واجتماع حاشد ثم طلب من الشيخ رحمة الله أن يفصل لهم أخبار الهند عموماً وأخبار المناظرة مع فندر خصوصا.. وكانت جلسة مشهودة مؤثـرة في النفوس، مُنح في ختامها الشيخ رحمة الله اجازة التدريس في الحرم الشريف مع تسجيل اسمه في سجل علماء الحرم المكي.
ولم تنته رحلة الشيخ رحمة الله الكيرانوي عند هذا الحد، بل أن القسيس منذر لما أرسلته الكنيسة عام 1858م إلى القسطنطينية ـ وكانت العلاقات البريطانية العثمانية حسنة ـ اتصل بالسلطان عبد العزيز خان، وزور أخبار المناظرة زاعماً أنه انتصر فيها وأن الغلبة كانت له داعياً مسلمي تركيا إلى الاقتداء بإخوانهم مسلمي الهند الذين زعم ـ كاذباً ـ أنهم تحولوا إلى النصرانية وأن المساجد أصبحت كنائس وأخذ يتجول في تركيا وهو ينشر هذه الأكاذيب والأراجيف مما أدخل الغم على قلب السلطان عبد العزيز خان وخشي أن تفت في عضد مسلمي تركيا وغيرها، لذا أرسل إلى أمير مكة الشريف عون بن عبد الله رساله مستعجلة يطلب منه الاستفسار من ثقات الحجاج الهنود عن مجمل تلك الأخبار وعن أخبار ثورتهم عام 1857م وعن كل مايتعلق بفندر ومزاعمه... وقد عرض الشريف عبد الله بن عون الرسالة على العلامة اأحمد زيني دحلان فأخبره على الفور أن صاحب المحاضرة والمناظرة موجود في مكة وهو أعرف الناس بأخبار بلده... فكتب الشرف إلى السلطان بذلك فجاءت أوامره بتعجيل ارسال الشيخ رحمة الله كضيف خاص على السلطان إلى الأستانة بكل تكريم وذلك عام 1864م للوقوف منه شخصياً على تفاصيل هذه الأمور المهمة وليناظر فندر بحضرة الخليفة.
ورحل الشيخ رحمة الله الكيرانوي إلى الأستانة ( القسطنطينية) وحل ضيفاً رسمياً في قصر الخلافة وتناهى خبره إلى القسيس فندر ففر هارباً ولم يتريث ولم يقابل الشيخ رحمة الله أبداً، وقد حاول القس بركة الله صاحب كتاب ( لواء الصليب) تزوير الحقائق فزعم أن السلطان عبدالعزيز خان طلب الشيخ لمناظرة فندر لكن منذر توفي قبل وصول الشيخ إلى تركيا، لكن الكاتب البارع امداد صابري فند ذلك عندما بين أن وصول الشيخ رحمة الله في رجب سنة 1280هـ (1863م) بينما توفي فندر (1865م) وهذا يدل ـ كما يقول الاستاذ الدكتور محمد أحمد ملكاوي ـ على أنه غادر تركيا حياً في كانون الثاني 1864م بعد وصول الشيخ إليها بقليل خوفاً من مقابلته وانكشاف كذبه وفضائحه.
أما السلطان عبد العزيز رحمه الله فقد أقام اجتماعاً دينياً حاشداً دعا إليه كبار علماء الدين ورجالات الدولة وكلف الشيخ أن يبين بالتفصيل أخبار ثورة المسلمين ومادار في المناظرة وما ارتكبه الانكليز من وحشية.. ثم أوعز بترحيل المنصرين عن تركيا وحظر نشاكهم ومصادرة كتبهم ومنع انتشارها..
وأكرم السلطان نزل الشيخ رحمة الله وبالغ في توقيره وكان يقابله كثيراً بعد صلاة العشاء، مع رئيس وزرائه خير الدين باشا التونسي وشيخ الإسلام الشيخ أحمد المغربي وغيرهم.. وقرر له خلعة سلطانية ووساما رفيعا، وعين له مرتبا شهريا قدره خمسمئة مجيدي ـ ولما أبدى الشيخ رغبته بالمجاورة في المسجد الحرام عينه عضواً في مجلس والي مكة.. كما بالغ السلطان عبدالحميد الذي جاء بعد السلطان عبدالعزيز برفع مكانة الشيخ وعطاياه له فكان منها سيف من الذهب الخالص مشفوعاً بعبارات الاطراء للشيخ حتى إنه لقبه بعماد الحرمين الشريفين.
وكان السلطان عبد العزيز خان لما رأى تمكن الشيخ رحمة الله الكيرانوي من موضوعات المناقشة مع النصارى قد طلب منه تأليف كتاب باللغة العربية يضم مسائل المناظرة الخمس فبدأ الشيخ تأليف الكتاب في الآستانة عام 1280 وانتهى منه بعد أكثر من ستة أشهر وسماه ( اظهار الحق) وسلم النسخة الأولى منه بخطه إلى رئيس الوزراء خير الدين باشا التونسي فقرأ في المقدمة أن تأليفه كان استجابه لرغبة الشيخ أحمد زيني دحلان إمام المسجد الحرام بمكة ولم يذكر السلطان ولا رئيس وزرائه، فذكره رئيس الوزراء أن السلطان وهو كانا قد طلبا ذلك فرد الشيخ بقوله: إن ها عمل ديني محض يجب أن يكـون خالصاً لوجه الله ولا يشوبه أي غرض دنيوي أو تزلف إلى سلطان وأن الشيخ دحلان هو أول من اقترح عليــه ذلك
.. فعرف بذلك أن الشيخ رحمة الله الكيرانوي من كلاب الآخرة.. وفعلاً فقد وضع الله القبول لهذا الكتاب المهم فطبع مراراً بلغات شتى كالأردية واللاتينية والتركية وقالت عنه جريدة لندن تايمز في حينه: لو داوم الناس على مطالعة وقراءة هذا الكتاب لتوقف انتشار المسيحية كليا.
وعاد الشيخ رحمة الله بن خليل الكيرانوي إلى مكة حرسها الله، وأنشأ فيها بامكاناته المادية المتيسرة أول مدرسة نظامية في الجزيرة العربية... ولما وردت مكة الأميرة الهندية المسلمة ( صولت النساء) وافقت الشيخ رحمة الله على اقتراحه بناء مدرسة لطلاب العلم، واشترت أرضاً لذلك ووضع الشيخ بنفسه حجر الأساس عام 1290هـ وسماها بالمدرسة الصولتية نسبة إلى تلك المرأة الفاضلة، وقد زار الملك عبد العزيز آل سعود تلك المدرسة عام 1344هـ وتفقد فصولها وبناياتها وأثنى على القائمين عليها.. ولاتزال تؤدي رسالتها إلى اليوم.
وكان الشيخ رحمة الله مديراً لها ومدرساً إلى حين وفاته في رمضان سنة 1308هـ عن عمر يناهز الثالثة والسبعين عام يرحمه الله.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة