 |
|
جملة كبيرة من الرحلات الشهيرة: جغرافية، أو دعوية، أو علمية
|
رحلة حيران إلى الإيمان
(قصة (الإيمان) لنديم الجسر
ويرى الشيخ نديم الجسر كيفية زيارة حيران بن الأضعف له في مسجد طينال مرتع صباه في طرابلس ـ وكيف أنه لما تأكد من صحة انتسابه إلى الشيخ حسن الجسر ألقى إليه كتاباً في التركية فيه قصة هدايته إلى الإيمان على يد شيخه أبي النور الموزون وأذن له بترجمته وطباعته ثم تركه ناوياً الذهاب إلى الحج فالعودة بعد ذلك إلى خرتنك حيث المسجد الذي جاور فيه من قبل الشيخ موزون ليقضي باقي عمره في العبادة... ويضيف الشيخ نديم الجسر: وأخذت أنا في ترجمة الكتاب في بضع سنين ثم طوّحت بي طوائح الزمن إلى طشقند وكان أعظم همي أن أصل إلى خرتنك لأزور حيران بن الأضعف وأعرض عليه الكتاب بعد الترجمة وأزور ضريح الإمام البخاري رضي الله عنه وساعدني على ذلك الشيخ ضياء الدين بابا خان مفتي البلاد الأكبر فرافقني إلى هناك لأعلم من خادم الجامع أن حيران لم يعد من رحلته إلى الحج بل قضى نحبه في مكة المكرمة، وإذ مسجد البخاري في فرتنك أشبه مايكون بمسجد طينال في طرابلس.
وهكذا وصل حيران بن الأضعف إلى شاطىء الإيمان قاطعاً بحور الشك بمركب العلم والفلسفة الذين وجهه فيهما ربان ماهر خبير...
الشيخ عبد الله نجيب سالم.
وفي ختام الرحلة الطويلة من الشك إلى الإيمان التي خاض غمار قفارها وقطع فيافيها حيران بن الأضعف يقوده دليله الشيخ أبو النور الموزون السمرقندي: القى إليه الشيخ بوصية مكتوبة خلاصة وخاتمة تلك الرحلة المغنية كان منها: ولدي ياحيران بن الأضعف، لقد جئتني حيران ضالاً متورطاً في وجود معرفة بتراء وعلم خطير تلاقيا فيك على عقل غرير متطلع بفطرته إلى الإدراك مستشرف بضرورة إلى ماوراء الإدراك.. وأحسب أني كنت موفقاً في هديك لأني وجدت بك مرآة شبابي.. ياحيران بن الأضعف: اعلم أن الإيمان بالله حق، وحاجة ضرورية، فأما أنه حق فقد عرفته مما حدثتك به في تلك الليالي الطوال التي عشتها معي، وأما أنه حاجة وضرورة فإنك تعلمه ياحيران حين تدرك كما أدرك المؤمنون والملحدون قاطبة على السواء أن الإيمان بالله هو أسمى الفضائل ولجام الرذائل ونور الأمل في الصدور والعروة الوثقى بين الإنسانية ومثلها الكريمة...
وفي ليلة من ليالي الرحلة إلى الإيمان دخل حيران على الشيخ الموزون فوجده يشتغل بتلوين(ابر) فلما سأله عن ذلك قال له: نعم هذه ابر أخيط بها البرهان وأفقأ دمل الأوهام وأخز بها الغافل الانسان وارد بها سحر المشعوذين.. إنني أريد ابطال فكرة المصادفة في موضوع الخلق والوجود، ثم دار به في فلك المجموعة الشمسية ثم عطف على ذلك بآية القمر وكونه من دلائل الهداية إلى الله ثم سار به إلى جو السماء وما فيه من أسرار وإلى أعماق البحار وما فيها من خلائق وإلى الأرض التي تشهد اقبالا من الناس على اختلاف مساربهم على الإيمان بخالقها ومدبر أمرها ومنبت زرعها ومسافع جبالها وباسط سهولها وخافض وديانها وملون زهرها ومبدع نظامها الزوجي المتكامل في كل مخلوق وصنف، ثم سرى به خفية إلى عالم الجن وعجائب الخلق فيه ثم عاد به إلى الإنسان نفسه ودقة الخلق وكمال الصنع في كل عضو وجزء وجهاز بل وخلية، وخص له قلب ابن آدم بوقفة تأملية طويلة أتبعها بوقفة مماثلة مع العقل وتكوينه واعجازه.. حتى إذا أبدع الشيخ وحلق في تلك السماوات الفكرية والمدارات العلمية ولم يبق لديه مزيد يضيفه.. صاح بحيران صيحة مشفق وهو يجأر البكاء. ( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(الزمر: من الآية22) ياحيران.. يكررها حتى هدأت نفسه فاستسلم إلى سكون عميق.
ثم عمد الشيخ موزون في ليلة تالية فجمع له أكثر آيات القرآن التي أراد الله تعالى بها إقامة البراهين على وجوده وعلى أنه هوالخالق البارىء المصور العليم وأشار فيها سبحانه إلى أسرار قدرته وحكمته الدالة على القصد والنظام والاحكام والاتقان والتدير والاتزان في خلق السموات والأرض والشمس والقمر والكواكب والنجوم واليل والنهار والرياح والأمطار والجبال والأنهار والبحار والنباتات والحيوان والإنسان والأسماع والأبصار والأفئدة وما ينطوي عليه هذا الخلق من قوانين ونواميس، ثم شرح له سبب اختياره لترتيب تلك الآيات بحسب نزولها وذلك ليرى كيف توالى الوحي وتتابع الهدى في خطاب الناس بهذه البراهين الدالة على الله، وعلى حيران أن يتصور نفسه مع هؤلاء المعاندين للرسول صلى الله عليه وسلم وهو يسوق البراهين ويرتقي في الاستدلال ويرد الشبهات ثم طالبه لابمجرد قراءتها أكثر من مرة بل بتصنيفها أصنافاً ليجتمع أمام عينيك في كل شيء من خلق الله الآيات المشيرة إليه.
ثم انتقل الشيخ موزون بحيران إلى ابن رشد الذي فضل في الاستدلال على وجود الله دليل النظام أو دليل العناية والاختراع على دليل الحدوث والوجوب ثم يعرج به على أبي العلاء المعري الذي اختلطت بآرائه الفلسفية أراؤه التشاؤمية في الحياة والاحياء فدفعه ذلك إلى الشك دون ان يخرجه الشك عن الإيمان الذي صرح به مراراً وتكراراً.. وفي ليلة أخرى التم شمل الشيخ موزون وتلميذه حيران عقد له مقارنة ين عباقرة الفلاسفة من المسلمين وغيرهم من الغربيين ليريه كيف وصل العقل السليم بهؤلاء إلى نفس ماسبقهم إليه فلاسفة الإسلام ومفكروه.. ثم طاف به في بحار فلسفة طائط وبرغسون ثم ناقشه في آراء دارون ونظرية النشوء والارتقاء وسبنسر ثم استعرض له بعض آراء الشيخ حسنين الجسر الجريئة في كتابه الفلسفي القيم ( الحصون الحميدية) الذي يُشَبِّه الشيخ موزون الشيخ الجسر فيه وهو يرد على شبه الماديين الطبيعيين بالغزالي في تهافت الفلاسفة حينما رد بعض أقوال الفلاسفة الإلهيين.. وقد رد الشيخ الجسر شبه الماديين الثلاثة التي تمنعهم من الإيمان: وهي عجز العقول عن تصور كنه الإله العظيم والثانية عدم تصور العقول حصول شيء من لاشيء والثالثة الاعتراض على عدم ظهور الحكمة في بعض مانراه.. كما إن الشيخ حسين الجسر لم ينكر مبدأ النشور والارتقاء ولم يقل باستحالته ولكنه طالب باثباته ليصبح يقينا ثم بعد ذلك فالنصوص الشرعية الخاصة بخلق الإنسان لها وجه من الفهم لايصطدم كلياً ولا يضاده.
وكانت المقدمات الأولى في الحوار حول تعريف الفلسفة وكيف أن الفيليسوف لم يكن منذ نشأت الفلسة اليونانية القديمة سوى الباحث عن الله، وأن العالم لايمكن أن يكون مخلوقاً من ( العدم المحض) كما قال قطاليس لذا بدأ الإنسان بالبحث للوصول إلى الإله الحق المجرد عن صفات المادة وظل هذا البحث طيلة عصور الفلسفة يؤلف الجانب الأعظم من المسألة الميتافيزيقية... وهكذا ففي الليلة الأولى للقاء حيران لشيخه موزون مضى الحديث كله عن الفلسفة اليونانية القديمة وآراء علمائها الذين كفروا بآلهة اليونان لكنهم لم يكفوا عن البحث عن الإله الحق فمنهم من اهتدى بعقله ومنهم من عجز عن تصوره ومنهم من قاده العجز إلى الضلال ومع ذلك فهم جميعاً لم يكونوا سوى أصحاب نظر ساذج حائر فيه ومضات من الحق في ظلمة حالكة الابهام... وما عليك ياحيران إلا الصبر ثم الصبر ثم الصبر حتى ترى، وفي الليلة الثانية حدثه شيخه عن الفلاسفة المسلمين كالرازي والفارابي وابن سينا الذين جمعوا إلى إيمان الوحي الصادق بحكم كونهم مسلمين إيمان العقل السليم فكان لهم نور فوق نور، ولكنهم أخذوا بترهات الأفلاطونية الحديثة وخيالاتها في مراتب الخلق ووسائله فاعترى عقولهم شيء من الارتباك ثم يعرج به على آراء ابن مسكويه وابن خلدون وابن طفيل في المعرفة والوجود، وقد خصص لحيران شيخه الليلة التالية لشرح قصة حي بن يقظان التي تخيل فيها ابن طفيل كيفية بدء الإنسان وتدرجه في المعرفه إلى أن وصل إلى معرفة الخالق بنفسه استنتاجاً فطرياً محضا ثم انتقل به إلى الحديث عن الغزالي الذي بدأ رحلة حياته شاكاً حائراً فما كان منه إلا أن درس الفلسفة وتعمق فيها حتى بلغ الاستاذيه فيها في كتابه مقاصد الفلاسفة فدانت له رقاب الفلاسفة جميعا ثم وضع بعد ذلك كتابه الشهير( تهافت الفلاسفة) الذي أبطل فيه أقوال من قال بقدم العالم مع الله كارسطو وأتباعه.
وهكذا بدأ حيران لياليه الطويلة بين يدي شيخه وهو يقوده خطوة خطوة نحو الإيمان العميق عن طريق الفلسفة الصحيحة.. وقال له شيخه بداية: عليك أن تكتب كلامك وكلامي لتراجعه في النهار فقد اخترت لك طريقة الحوار فهي أيسر للفهم والتفهيم والمناقشة.
كما يروي لنا الشيخ نديم الجسر بداية رحلة حيران وكيف أنها بدأت في جامعة بيشاور حيث كان دأبي وديدني أن أسأل الشيوخ والرفاق عن هذا العالم ماهو ومتى خُلق ومم خلق ومن الذي خلقه وكيف خلقه فلا أقابل على هذه الأسئلة إلا بالزجر ولا أجاب عليها إلا بالسخر فيقول المشايخ عني هذا ليس طالب ولا دين.. إن هو إلا متفلسف، حتى عم هذا التسخر مني كل الرفاق فنبذوني وتسابقوا ترضياً للمشايخ إلى نبزي بأشنع الألقاب ومازال هذا حالي إضافة إلى اهمالي لدروسي حتى حكموا بطردي من الجامعة، ونزل النبأ على نفس أبي نزول الصاعقة فحاول أن يردني إلى الهدى بكل ماأعطي من عقل وحنان ونصحني أن أترك هذه الفلسفة إلى حين انتهائي من الدراسة ثم التفرع لها وقال لي أيضاً ياحران لقد مررت في مثل الذي أنت فيه فحالت نفسي إلى الفلسفة وأوغلت في الشك والحيرة ولكن أستاذنا الكبير العارف بالله الشيخ أبا النور الموزون السمرقندي نصحني يومئذ بمثل مانصحتك به قائلاً لي: إن الفلسفة بحر على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيغ في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه، فدع عنك ياولدي هذه القراءات الناقصة المشوشة البتراء فإنها شديدة الخطر على عقلك وإيمانك.. وبدلاً من ان يترك حيران الفلسفة ولو مؤقتاً بعد سماعه لتلك النصيحة ترك الجامعة المطرود منها من فورة ولم يعد إليها بل سعى مشياً على قدميه حتى وصل بعد سفر طويل إلى سمرقند ومنها توجه إلة خرتنك القريبة منها فبلغها قبيل غروب الشمس وانتظر حتى الصباح فاحتال حتى يتوصل للقاء الشيخ أبي النور الذي كان قد انقطع إلى العبادة منذ خمس سنين فما يرضى بلقاء أحد، إلا أن حيران حمل إليه طعامه على جونه ( طاولة صغيرة) وضعها حيث تعود أهل القرية وضع طعام الشيخ وعلق بحرفها ورقة صغيرة كتب فيها هذه الكلمات: ما؟ ومتى؟ ومن؟ ومم؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى... وقد كانت صدمة عنيفة للشيخ أن يجد هذه التساؤلات مقرونه بطعامه، فوافق بعد معرفته بالسائل وأبيه من قبله أن يجيب طلبه مشفقاً، قائلاً له: وارحمتاه لكم ياشباب هذا الجيل.. أنتم المخضرمون بين مدرسة الإيمان من طريق النقل ومدرسة الادراك من طريق العقل تلوكون قشوراً من الدين وقشوراً من الفلسفة في عقولكم إن الإيمان والفلسفة لايجتمعان وإن العقل والدين لايأتلفان وإن الفلسفة سبيل الالحاد وماهي كذلك ياولدي بل هي سبيل للإيمان بالله من طريق العقل الذي بني على الإيمان كله.. ثم أضاف إليه بعد أن أطرق طويلاً وهو ينكث التراب بعود في يده: ياحيران ليس الأمر على ماتظن من السهولة واليسر، بل يحتاج إلى جهد عظيم ووقت طويل وقد جئتني ياولدي وأنا على حافة قبري.. ثم سأله عن منزله فلما علم أنه ضيف على أحد رجالات القرية أمره أن يتشري لنفسه فراشاً وغطاء ودفتراً كبيراً ثم يتخذ المسجد مبيتاُ له على أن يتفرغ الشيخ أبو النور لحيران في الليل فهو أهدأ وأصفى وأوسع وقتا، أما النهار فهو لعزلة الشيخ بين الرياض متضرعاً إلى ذكر الله.
وراوي رحلة حيران بن الأصعف إلى الشيخ أبي النور الموزون السمرقندي هو الشيخ نديم الجسر بن الشيخ حسن الجسر.
الصفحة السابقة