
خواطر ما بعد الفتح
الفتح والصفح في يوم واحد
عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً ملأت رحمته بأهل مكة شعاب الجبال وبطن الأودية ، كان يرى فيهم أهلهل وقرابته، وجيرانه ورحمه، وكان يرى أن من الضرورة جداً إزالة الشحناء من النفوس ، ومحو آثار الحقد القديم من القلوب، وإذن فلا بد من الأخذ بقول الله جل في علاه : ( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (1) نعم . . . كان يوم الفتح يوم الصفح.
والرقة المتناهية، والرحمة البالغة، والتودد الظاهر لأهل مكة، لم تثر حفيظة أحد، و تحرك حساسيته، كما أثارت أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم – عليهم الرضوان – فهم الذين بدأت تضطرم في نفوسهم مشاعر الخوف والترقب.
خواطر ومخاوف
لقد الأنصار من أمر لم يفكروا فيه من قبل، بل كان أبعد شيء عن تصوراتهم وافتراضاتهم، فلقد آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه، وأفسحوا له بيوتهم وبلادهم، وعاشوا معه ومع المسلمين المهاجرين من كل حدب وصوب سنين طويلة ، اختلطت فيها المشاعر والعواطف ، لا بل توحدت، وامتزجت خلالها على أراضي المعارك ودماؤهم وتعانقت أرواحهم، وحلت محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين في سويداء قلوبهم، فكانوا أقرب إلى إخوانهم من كل قريب، وأحب إليهم من كل حبيب .
لكن الشيء المخوف في فتح مكة هو ما تردد بين بعضهم البعض من مقالة جديدة ظهرت فجأة . . . قال بعضهم :
- أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ فتح الله تعالى أرضه وبلده أن يقيم فيها !!. . وردد بعضهم :
أما الرجل – يعنون رسول الله – فأدركته رغبة في قريته ورأفة في عشيرته.
والحقيقة أنها تصورات مقبولة نفسياً، أو على الأقل ممكنة الحدوث وإن كانت بالنسبة للأنصار تمثل قمة الفاجعة وذروة المصيبة . . . هل يمكن أن يحدث هذا ... إن ذلك فوق كل ممكن .
وسرعان ما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، فأحضرهم ثم قال بحنان ومحبة :
- يا معشر الأنصار !.. أقلتم : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة في عشيرته، فأجابوا على استحياء :
- قلنا ذلك يا رسول الله . . . فقال مباشرة :
- فما أسمّى إذن . . . كلا إني عبدالله ورسوله ، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياك، والممات مماتكم.
وهنا تحركت العواطف الجياشة وأدركوا أنهم قد قسَوا وأبعدوا في الافتراض، فأقبلوا يبكون ويقولون :
- والله ما قالنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله ، فرد عليهم الرسول متفهماً :
- إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم.
أنصار الله ورسوله على وجل
هذا الإحساس العنيف والشعور المخيف بفقدان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بخروجه من بين أظهر الأنصار لم ينته هنا، أو قل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أنه شعور بدأ ينمو بصورة مزعجة للأنصار ومفزعة، وأي حادث عارض أو محاولة بريئة للتقرب إلى أهل مكة وتأليف قلوبهم كانت كافية لإثارة ذلك الإحساس من جديد . . . وفعلاً صدق توقع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقديره .
فلم يكد عليه السلام يعود من حنين وأوطاس والطائف، ثم يتوقف بالجعرانة ليقسم الغنائم، التي كانت سياسته فيها أن يتألف المسلمين الجدد من طلقاء (1) ومسلمي مكة، فأعطى فلاناً وفلاناً – ممن لم يسلموا إلا بالأمس خوف السيف عشرات الإبل، ومئات الشاء، وأواقي الذهب، وأحمال المتاع . . . في الوقت الذي ترك فيه خلص أصحابه وأقرب المقربين إليه من المسلمين ، فلم يعطهم إلا النزر اليسير . . . نعم بم لم يكد يفعل ذلك حتى سرت أقاويل شتى بين المسلمين عموماً، وبين الأنصار بشكل خاص . . . إن الأنصار كانوا على وجل .
قال بعضهم :
- لقي والله رسول الله قومه، أما حين القتال فنحن أصحابه، وأما حين القسمة فقومه وعشيرته . . . وددنا أن نعلم ممن كان هذا ؟! فإن كان هذا من الله صبرنا، وإن كان من رسول الله استعتبناه.
وقال آخرون :
- يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشاً ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم!..
وقال غيرهم غير ذلك، حتى بلغت عدوى هذا الكلام حساناً – شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم – فقال شعراً يعاتب فيه رسول الله، وما أدراك ما أثر الشعر في العرب !. . وما تغلغله في أعماقهم !. .
إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة موقف ليس بالهين . . . إنه موقف غلب فيه الجانب البشري الطبيعي جانب التربية الروحية الصافية، فكيف فعل ؟؟
دخل سعد بن عبادة رضي الله عنه – وهو من سادات الأنصار – على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبلغه كل ما قال الناس صراحة وبوضوح، ثم انتظر ردّ النبي عليه السلام عليه. . . فقال صلوات الله عليه :
- فما تقول أنت يا سعد . . . قال :
- أنا والله واحد من قومي . . . قال :
- فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة
اعتراف بالجميل وتذكرة وتطمين
وجمع سعد الأنصار فقط دون سواهم ، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال :
- يا معشر الأنصار ، ما قاله بلغتني عنكم ؟! وجدة وجدتموها في أنفسكم؟! فقال بعضهم :
- أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً ، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا ما قالوا. فرد عليهم :
- أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاة (1) من الدنيا، تألفت بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم الإسلام؟ . . أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فو الذي نفسي بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به . . . والذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعباً وسلكت الأنصار شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت أمرءاً من الأنصار . . . يا معشر الأنصار ألا تجيبونني!. .
قالوا بعد سكوت طويل :
- وبماذا نجيبك يا رسول الله ؟
- لو شئتم قلتم، فلصدقتم وصدقتم : أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، فردوا مجيبين :
-لله ورسوله المنّ والفضل يا رسول الله. ولكنه تابع خطبته الرائعة :
- يا معشر الأنصار : ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي، فو الله لما تنقلبون به إلى رحالكم خير مما ينقلب به الناس . . . الناس دثار وأنتم الشعار (2) . . . ثم قال يطيب خاطرهم :
- أكتب لكم بالبحرين كتاباً من بعدي تكون لكم خاصة دون الناس ؟
فقالوا رافضين قبول أي عرض من متاع الدنيا بعده :
- وما حاجاتنا بالدنيا بعدك يا رسول الله.
- أمّا لا، فسترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإن موعدكم الحوض، وهو كما بين صنعاء، وآنيته أكثر من عدد النجوم . . . اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار .
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وأجابوا :
- رضينا بالله ربا، ورسوله قسماً.
حكمة الرسول تعالج المشاعر الحساسة
هذا الموقف العاطفي المؤثر الذي لم يكن له مثيل في وقته وعمقه ثبت في نفوس الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيناً لن يتركهم، أو يغادر أرضهم، وهدّأ ذلك من روعهم، وأذهب عن قلوبهم شبح الفراق المرعب.
لقد كانت لحظة حرجة، وساعة صعبة، ولولا حكمة رسول لله صلى الله عليه وسلم في تحريك أوتار الإيمان، وسرعته في التصدي لهذه الظاهرة الطارئة لكان لها ذيول وآثار . . . فما أسرع ما تنفر قلوب العرب من قليلي الوفاء وناكري الجميل . . . وحاشا لله أن يكون رسوله كذلك.
صلى الله عليك يا رسول الله، فكما علمتنا الرحمة علمتنا الحكمة، وكما علمتنا الإيثار علمتنا الوفاء.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
(1) طلقاء الفتح، أو مسلمة الفتح : تعبير يطلق على من أسلم يوم فتح مكة وهم الذين قيل لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
(1) اللعاعة : الشي الهين التافه .
(2) الدثار ما يكون من الثياب الظاهرة، والشعار ما يكون تحتها من ثياب مما يلي الجلد .
الصفحة السابقة