
عندما يفر عنه أصحابه
حقائق ثابتة
حقيقة العظماء، وبطولة الأبطال، وشخصية القادة إنما تقاس وتعرف، وتظهر وتنكشف إذا أزيلت الهالة المحيطة بهم، وتركوا بمفردهم يواجهون المواقف العصبية الحرجة . . . فهنا محك الرجال.
ليست البطولة أن يقف القائد منتصراً، فيستعرض مآثره، ويعدد مفاخره، أو أن ينصت الناس للرجل العظيم، فيقوم فيهم يصول ويجول فوق منابر الكلام وحلبات اللسان، ولا أن نهيء الجو الناجح والأسباب المساعدة والوسائل المتوفرة، ثم نعتبر من برع فيها أو قدم شيئاً ما أعجوبة الزمن أو فريد العصر.
إن البطولة هي أن لا يكون هناك شيء متوفر، أو أن لا يتقوى المرء بأحد ، أو أن لا يجد المرء معيناً ولا مصغياً، ثم بعد ذلك، ورغم كل شيء يقدم ما يبهر الأبصار أو يأسر الأفكار أو يلفت الأنظار.
وكما قال شوقي في شعره الحكيم :
إن البطولة أن تموت من الظمأ
ليس البطولة أن تعب الماء
سؤال وبحث
ونستطيع ونحن ندرس بعض المواقف الإنسانية أو البطولية في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتساءل في نزاهة وتجرد وبعد عن كل عصبية: كيف كان يتصرف عليه السلام في ساعة هزيمة جيشه، وفرار أصحابه، وانفراده أمام عدوه، وبقائه وحيداً، حينما يكون جفن الردى يقظاً لا نائماً، وسيف الموت مسلولة لا مغمدة، ورائحة الموت تملأ الأنوف في كل اتجاه؟؟
لقد مرت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم انتصارات كثيرة... بل كان بتوفيق الله أولاً، ثم بحسن التدبير ثانياً، ثم بطاعة أصحابه وإخلاصهم له ثالثاً يكسب معظم جولات اللقاء مع العدو، رغم ما كان يعانيه من نقص في العدد والعُدد، والضغط النفسي عليه وعلى أصحابه من كل جانب.
إلا أن حياته عليه أفضل الصلاة والتسليم لم تخل من بعض الدروس المفيدة، التي لم ينتصر فيها جيشه، بل أصيب في أصحابه وذات نفسه...
ولعل الفائدة تأتي كبيرة حينما ندرس أسبابها أولاً، ثم طريقة معالجة الرسول الكريم لذيولها ونتائجها، وإصراره على مواجهتها المواجهة الناجحة مما يدل على تفرده في شخصيته ومواقفه.
وإننا نحن إذن الآن نقوم بتلمس جانب من جوانب عظمة الشخصية النبوية في مواجهة للهزائم.
درسان في السيرة
إن أكبر هزيمتين ـ وهما في الحقيقة درسان مفيدان جداً ـ كانتا يوم أحد ويوم حنين.... وهناك مواقف أقل أثراً أو عميقاً يمكن تجاوزها إذا أحسنا النظر في هاتين الهزيمتين اللتين أشار الله سبحانه إلى الأولى منهما بقوله عن أحد:
ـ (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ)(1).
كما أشار إلى الثانية بقوله جل في علاه عن حنين:
ـ (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)(2).
وبكل إنصاف... فإن الدارس لكلا الموقفين بتفاصيلهما ودقائقهما يجد العجب العجاب من حسن وقوة تصرف النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة تشيب لهولها الولدان.
مصاب أحد جلل
ففي أحد: فوجىء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان يشرف على المعركة ويديرها إدارة رائعة، فوجىء بهجوم صاعق شنه فرسان قريش من ناحية الجبل الذي كان قد خلف عليه الرماة، فتركوه وغادروا مواقعهم باجتهاد خاطىء وتقدير سيء دون الرجوع إليه، مما جعل الفرصة سانحة أمام خيل المشركين التي انقضت على المسلمين من ورائهم ـ وهم غافلون ـ ففتكت بهم، وأعملت فيهم القتل والسيف.
ودخل الروع والرعب قلوب المسلمين، فانكشفوا عن أرض المعركة يهربون في كل وجه، لا يلوون على شيء.
وزاد الأمر سوءاً إشاعة كاذبة قاسية أطلقها بعض المشركين، يزعم فيها أنه قتل محمداً، فتفرق الجمع، وانفرط العقد مما أدى إلى بقاء النبي صلى الله عليه وسلم في أرض المعركة وحيداً، إلا من ثلة قليلة جداً، التفت حوله، وجعلت من أجسادها سوراً يحميه من هجمات المشركين.
وعظمت المصيبة أكثر عندما خطا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطوات قليلة في تلك الساعة العصيبة، فإذا به يسقط في حفرة مموهة مغطاة، حفرها المشركون مكيدة وغدراً، فوقع لشقّهو كما أصيبت رباعيته، وشجّ في وجهه، وكُلِمت شفته.
شجاعة وثبات
في هذا الجو المفعم بالخوف، المليء بالتردد، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفة نادرة في شجاعتها وثباتها، فأخذ يحمّس من حوله، ويحثهم على الجهاد، وهو يعلم أن دفاعهم إنما هو دفاع المستميت الذي لا جدوى منه، إلا أنه كان يعلم أيضاً أن انهزام هذه البقية الباقية أشنع من ذلك وأفظع وأخطر... كان ينادي فيهم:
ـ يا معشر المسلمين هلموا إليّ أنا رسول الله.
وبذلك ثبتت البقية الباقية، كما أنه بذلك أدخل شيئاً نم الطمأنينة في قلوب الآخرين، بأنه لا يزال حياً يقاتل عدوه بثبات، دون أن يُقْتل أو يَفر.
وبينما هو كذلك إذ قصده رجل خبيث من المشركين قد مُلىء حقداً قديماً ـ لم يخرج من مكة إلى المعركة إلا لقتله شخصياً، هذا الرجل هو أُبي بن خلف وكان على فرسه المشهورة (العوذ) فتقدم نحو الجماعة المحيطة برسول الله يصيح في هياج شديد:
ـ أين محمد... أين محمد لا نجوت إن نجا.
وتصدى له النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى من تكالبه وإصراره على الوصول إليه، فضربه ضربة شديدة بحربة التقطها من أحد أصحابه، وسقط أُبيّ على أثر الضربة عن فرسه فمات بعد ذلك.
وكان صلى الله عليه وسلم وهو واقف يرمي عن قوسه رمياً شديداً حتى اندقت سيّتُها(1)، كما كان يناول سعد بن أبي وقاص النبل ويشد من أزره ويقول له مشجعاً:
ـ اِرم سعد... ارم فداك أبي وأمي.
ويتصرف بحكمة وثقة
ولما علم أن موقعه قريباً من السهل يجعل خيل المشركين تكر عليه مرة بعد مرة، أسند في الشعب مع من بقي من أصحابه، حتى امتنعوا عن أن تحيط بهم خيل المشركين، فتأسرهم أو تستأصلهم.
ولما انتهت المعركة باستشهاد عدد كبير من أصحابه، بلغ سبعين رجلاً، لم يفت ذلك في عضده، بل أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يتصدى لزعيم مكة أبي سفيان، في تحديه وصلفه واستعلائه على المسلمين، وأن يجيبه بكلام علمه إياه، لا يدل على الضعف والشعور بالهزيمة بقدر ما يدل على الثبات وقبول التحدي، والاستعداد للقاء ثانية، وكان ذلك طلب أبو سفيان عندما قال:
ـ إن موعدكم بدر للعام القابل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجاب:
ـ نعم، هو بيننا وبينكم موعد.
ثم لما انسحبت قريش قانعة بما نالت من المسلمين في ساعة غفلة واضطراب، لم ينس عليه السلام أن يأمر علياً أن يخرج في آثار قريش بعد انصرافها، فيرى أين تتوجه في مسيرها... فقد خشي أن تنقلب إلى المدينة لقتل النساء والولدان... وكان تفكيره وتصرفه هذا من كمال العقل وحسن التدبير، فكم من الرجال في مثل هذه المواطن، يغفل عن نفسه لا عن الآخرين فقط.
ولم يغادر النبي صلى الله عليه وسلم أرض المعركة حتى تفقد سائر أصحابه، واطلع على أحوال كل منهم، وقام بجمع كل شهداء المسلمين، فصلى عليهم واحداً واحداً، ثم قام بدفنهم بكل تكريم وتقدير، وكان يتصرف تصرف الواثق، الذي يملك الفوز ولا يخشى العدو.
ويلاحق فلول عدوه
ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا كله... بل انه ما كان يعود إلى المدينة حتى نادى مناديه من الغد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج في طلب العدو... وما كان ذلك النداء والخروج إلا ليرهب عدوه، ويريه قوته وشوكته، خاصة وأن الذين طلب منهم الاستعداد للخروج معه هم فقط أولئك الذين شاركوه المعركة واللقاء بالأمس دون سواهم...
وهكذا عبأ رسول الله عليه السلام قواته من جديد، وبسرعة ملفتة للنظر، ثم لحق بالعدو الذي ما إن سمع بخروج الرسول صلى الله عليه وسلم إليه حتى حث الخُطا إلى مكة، عائداً بالنصر العابر قبل أن تخطفه منه سيوف المسلمين.
لقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الهزيمة شجاعة منقطعة النظير، وحكمة وحسن تدبير.
أما حنين فلها حديث آخر
ومثل أحد... كان الأمر في حنين وإن اختلف في بعض التفاصيل.
فعلى غير العادة، كان جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر عدداً من جيش عدوه جيش هوازن، لكنه لم يكن أكثر استعداداً، فقد ركن الناس إلى سجل الانتصارات السابقة التي سطرها طيلة ثمان سنين فائتة.
وبالغ بعضهم في الاغترار، فظن أن لهم من العدد، ما يكفيهم لمنازلة من تحدثه نفسه بالمنازلة أياً كان حتى قالوا:
ـ لن نغلب اليوم من قلة!!.
ويعبر عن هذا القرآن الكريم بأروع بيان فيقول: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ)(1).
وكان من أمر غزوة حنين أن المسلمين الجدد من أهل مكة من الطلقاء ـ ولم يكن عددهم قليلاً، بل كانوا يمثلون خمس الجيش تقريباً ـ كانوا يتقدمون أمام الجيش، ويسارعون إلى الصفوف الأولى، طمعاً منهم في الفوز بأكبر قدر ممكن من الغنائم، فكانوا يمثلون عبئاً على الجيش أكثر من كونهم طليعة ممتازة له.
ومكرت هوازن، وأحسنت المكر، وبينما كان الجيش يعبر شعباً بين جبلين، إذا بالعدو يطبق على المسلمين بكمين مفاجىء، في ساعة انبلاج الفجر... وبوابل من السهام غزير كالمطر، يختل نظام الجيش، ويقع الاضطراب في صفوفه، ويتفرق الناس هاربين في كل اتجاه، متشتتين أيدي سبا.
النبي لا يفر ولا يتوارى
ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجماعة تتدافع، طالبة النجاة، هاربة بأرواحها، والسهام لا تنفك تنهمر عليها من جانبي الوادي، ثبت في مكانة، ولم يتحرك إلى الوراء أبداً، بل كان يدفع ببغلته إلى الأمام، لا يحيط به إلا عمه العباس وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب... وهو ينادي بصوته العالي معرفاً بنفسه:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
ثم التفت إلى عمه الذي كان يمسك بركابه، فأمره أن يصيح بصوته الجهوري في أصحابه الخلّص من المهاجرين والأنصار، الذين عاشوا معه مراحل الدعوة والجهاد، ورأى منهم الصدق والإخلاص في كل موطن وشدة، فنادى العباس مكرراً:
ـ يا أصحاب البقرة، يا أصحاب بيعة الرضوان، يا أنصار الله ورسوله.
وما أن جلجل صوته، وطرق آذان الصحابة نداؤه، حتى تحركت في قلوبهم أوتار الإيمان ونبضاته، فعطفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم عطفة الإبل على أولادها، حتى إن من لم يطعه فرسه، نزل عنه وحمل سلاحه على عاتقه وجاء ينادي:
ـ لبيك يا رسول الله... لبيك يا رسول الله.
حمي الوطيس
وكان لثبات النبي صلى الله عليه وسلم ورباطة جأشه وعظيم شجاعته وحسن تدبيره الأثر كل الأثر في استعادة المبادرة، والإمساك بزمام الأمور، وإعادة ترتيب الجيش والكر بعد الفر، وتمزيق جموع العدو إرباً إرباً، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كلمته المشهورة عندما استعاد الجيش ثباته:
ـ الآن حمي الوطيس.
ولو أن أحداً غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف لحدث نفسه بالتراجع أو التخفي أو الهرب طلباً للسلامة، أو عمل أي شيء غير البقاء تحت رحمة نبال عدوه وسيوفه.
لكن رسول الله هو رسول الله... عليه أزكى صلاة وأتم تسليم.
صلى الله عليك النبي العظيم، فقد ضربت أروع المثل للحكمة والشجاعة وحسن التصرف في ساعة الشدة والرعب كما هو شأنك دائماً.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة