مقابلات صحفية |
| أجرت العديد من الصحف والمجلات والدوريات مقابلات كثيرة مع فضيلة الشيخ عبد الله نجيب سالم في مواضيع دينية وأدبية واجتماعية وسياسية ... وفيم يلي بعضها ... |
P
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الدعوة والمال
1ـ كيف يكون المال وسيلة للدعوة إلى الله؟
ج1ـ الدعوة إلى الله مقصد عظيم من مقاصد المؤمنين وهي فريضة محكمة في الدين أمرنا الله بها وأرشدنا إلى وسيلتها فقال سبحانه ) ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ( ومن الحكمة التي بينها الله سبحانه في مجال الدعوة أن نستخدم الوسائل المشروعة المتعددة ومنها المال.
فالمال وسيلة من وسائل الدعوة, وإنفاقه في سبيل الله خير شاهد على صدق الإيمان. وبقدر ما يكون المال نفيساً غالياً في قلوب أصحابه بقدر ما يكون بذله وإنفاقه والتضحية به دليل صدق مع الله وتعلق للقلب برضاه.... يقول سبحانه )آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(.
وقد تعددت مجالات إنفاق الأموال في القرآن الكريم. ابتداء من النفقة على النفس والأهل, إلى الإنفاق على القرابات والجيران, ثم على الفقراء والمساكين والغارمين والمجاهدين, ثم الإنفاق في تأليف قلوب الكفار أو ضعفاء الإيمان (المؤلفة قلوبهم) بل أمرنا في ديننا بإنفاق أموالنا في الإحسان إلى الحيوان والعاصي والكفار .... كل ذلك مع أدب المنفق وتجرده عن الرغبة في الرياء أو السمعة ) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(.
2ـ ما هي النماذج المضيئة من الرجال والنساء الذين دعوا إلى الله بمالهم.
سيد هؤلاء جميعا رسول الله r الذي ما كان يرضى أن يبيت في ملكه مال زائد عن حاجة وحاجة أسرته, والذي ما قال لأحد سأله مالا: لا. والذي كان يستدين المال لينفقه في وجوه الدعوة إلى الله، والذي كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر...إلخ .
وحول رسول الله r تربي رجال أفذاذ, على رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذين أنفق ماله كله أكثر من مرة في سبيل الله, ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي لم يتردد في إنفاق نصف ماله كله في سبيل الله, ثم عثمان بن عفان الذي جهز جيش العسرة واشترى بئر رومة, ثم علي بن أبي طالب الذي لم يدخر شيئا ولم يتأخر عن عطاء حتى ولو كان في الصلاة ... ومع هذه الكوكبة الرائدة تقف أم المؤمنين خديجة بنت خويلد التي سخرت مالها كله في سبيل الله ورسوله فأغنت رسول اللهr بمالها (وواستني بمالها) كما جاء في الحديث الصحيح... رضي الله عن هؤلاء جميعاً.
ولا يخلو عصر ولا مصر ولا جيل ولا أمة في الإسلام من هؤلاء الرجال النماذج القدوة ... وقد أدركت على سبيل المثال شيخي المربي الفاضل الشيخ محمد النبهان يوزع لحوم أضاحيهِ وأضاحي أخوانه صبيحة عيد الأضحى وقد بلغت واحدا وعشرين خروفا وعجلا واحدا, ثم يذهب فيشتري لحما يفطر عليه هو وضيوفه ... لقد كان فريداً في هذا المجال الذي لا يتسع لذكر إنفاقه في سبيل الله ومواقفه المشهودة في ذلك, وهكذا شأن المسلمين دائماً.
3ـ المعوقات والصعوبات التي تواجه الدعوة إلى الله بالمال:
المعوقات كثيرة وأهمها الشح أو البخل المتمكن في النفوس, فهنا تمكن في طامة الطامات, وبلية البلايا, وعلى جميع الدعاة والمسلمين رجالاً ونساء محاربة الشح والبخل في النفوس, والتأكيد على أن كمال الإيمان وتمام اليقين لا يحصل للمؤمنين مع إمساك الأموال والتقتير والضن بها عن مواطن الإنفاق ... لقد كان رسول الله r أكرم الناس وكان يحب الكرماء ويعتبرهم أصحاب مواقف ... حتى إنه وصف حاتماً الطائي بقوله لابنته (إن أباك يحب مكارم الأخلاق).
ومن المعوقات التي تواجه الدعوة إلى الله بالمال الصبر والتحمل في سبيل جمعه ودعوة الناس إليه, وهنا أتذكر قصصاً عجيباً في مكابدة الأهوال في جمع الأموال. تحلى فيها أصحاب المشاريع الإسلامية الكبرى بالصبر الجميل وضبط النفس, في مواجهة شح المتبرعين, أو تشكيك المترددين, أو سوء الظن بهم دون داعٍ أو سبب.
ومن المعوقات التي تواجه الدعوة إلى الله بالمال: حسن إدارته والنزاهة فيه والإمساك عنه, ومعرفة أفضل الوجوه في التصرف فيه, واختيار أوثق الرجال في تسليمهم إياه, والسهر المضني والمتابعة الحثيثة في تنفيذ التعهدات, وتحقيق الآمال التي أعطيت للمتبرعين,فلئن كان أصحاب الأموال أرقين خائفين على أموالهم أن تذهب إلى غير مواضعها, فإن رجالات الدعوة الذين يتصدون للمشاريع الكبرى قلقون خائفون من أن يقصروا أو يفشلوا أو يخطئوا ... فتكون مقاتلهم أمام الناس, بل أمام أنفسهم كبيرة وعظيمة... إن الله سبحانه قد يعذر المخطئ أو الناسي أو الجاهل, ولكن الناس لا يعذرون.
ومن العقبات المعاصرة التي ظهرت في وجه الدعوة إلى الله بالمال ما يتعرض له أصحاب الأعمال الخيرة والجمعيات الإسلامية والمشاريع الدعوية من اتهامات ظالمة جائرة بالتعاون مع الإرهاب الدولي والعنف العالمي. ويتبع ذلك أن يطلب منهم الخضوع لجهات مشبوهة مريبة تقوم بدور التفتيش والمتابعة والشك والارتياب, ثم لا تتورع تلك الجهات المشبوهة عن تلفيق التهم واستعداء الدول وتشويه الصورة.
4ـ ما رأيتم في الدور الدعوي للمؤسسات الخيرية في الكويت وخاصة لجنة التعريف بالإسلام.
في الحقيقة: إن الوفرة المالية التي أنعم الله بها على الخليج العربي عموماً
- والكويت جزء منه - جعلت هذه المنطقة فياضة بالخير سباقة إليه خاصة مع ما عرف عن أهلها من طيبة وإيمان, وحب للتواصل مع العالم الإسلامي, وتجوب مع مشاكله وآلامه.. فكان من شكر الله على نعمه أن أقيمت مشاريع, ودعمت أنشطة, ونفذت مبادرات, تعتبر مضرب المثل وسبباً ووسيلة لرضوان الله.
وأحب أن أسجل قناعة واضحة عميقة في نفسي تجاه الجمعيات الخيرية في الكويت: أنني من المتابعين لأنشطتها خلال قرابة ثلاثين عاماً, ومع ذلك لم أسمع ولم أعلم أنها كانت محطة ريبة أو موقع تهمة أو مكان شبهة.
لقد كان أكثر القائمين عليها بل كلهم – إلا ما شاء الله – من الشباب والرجال الجادين المثابرين أصحاب النزاهة والخلق والدين.
إلا أن هذا لا يمنعنا من النصيحة أو المصارحة فيما يهم من عمل الخيري, فأقول لأحبابي أصحاب العمل الخيري, بكل وضوح: إن هذه المهمة التي ندبتم أنفسكم لها كبيرة وخطيرة, وهي في المستقبل أكبر وأخطر, وعدوكم ليس هو الفقر والجهل والبعد والفوضى التي تسبب المآسي والآلام فقط بل عدوكم الحقيقي هو المال الآخر ... المال المسخر بين يدي الأعداء ... المال الذي يأتي بغير حساب وبلا عدد, لينافسكم في عمل الخير بعمل الشر, وفي مجال الدعوة بمجالات التنصير والتشكيك, وفي مجال الفكر الإسلامي بقنوات الشر والشهوات )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ(.
ومن الحق أن نقول إن لجنة التعريف بالإسلام تقف في الصف الأول من اللجان الخيرية الفاعلة المؤثرة النشطة, التي تضرب الأمثلة الناجحة لمن حولها في مشاريعها وأنشطتها, مما يجعلنا نقول للقائمين عليها: وفقكم الله وحفظكم ورعاكم.
عبدالله نجيب سالم
الباحث العلمي بالموسوعة الفقهية
الصفحة السابقة