
يتيمة أبي الدرداء
<< هجيمة بنت حيي >>
ã تابعية جليلة
ã اليتيمة الحميرية
ã زوجها كافلها
ã من أقوالها الحكيمة
ã حلقات ذكر الله
ã بين القدس والشام
ã العزوف عن الدنيا
ã عبادة واعتكاف
ã ناصحة صادقة
ã وفاتها
يتيمة أبي الدرداء
تابعية جليلة:
هذه امرأة فاضلة، لقيت كثيراً من الصحابة الكرام رضي الله عنهم وهي ليست منهم ولكنها من طبقة التابعين، عدها ابن السميع في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام.
وقبل أن نخةض في شيء من سيرتها العطرة، فإن هذه المرأة التابعية العلم تعتبر من الرواة الثقات، الذين ينقل عنهم أهل الصحيح، كالإمام مسلم بن الحجاج القشيري في صحيحه، وأبى داود والترمذي وابن ماجة في كتبهم، حتى قال عنها أبو أحمد العسال: أم الدرداء الصغرى هي يروى عنها الحديث الكثير...
وقد روت حديثاً كثيراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق عائشة أم المؤمنين وأبي الدرداء عويمر الأنصاري وأخيه في الله سلمان الفارسي وفضالة بن عبيد وأبي هريرة عبدالرحمن بن صخر وكعب بن عاصم الأشعري رضي الله عنهم أجمعين...
ورى عنها جمع كثير من فضلاء المسلمين وعلمائهم ، منهم سالم بن أبي الجعد وشهر بن حوشب وأبو حازم بن دينار المديني وعطاء الكيخاراني ومكحول الشامي ورجاء بن حيوة وميمون بن مهران وغيرهم.
اليتيمة الحميرية:
إنها هجيمة بنت حيي الأوصابية، من قبيلة من حِمْير يقال لها: أوصاب، لذا قيل لها: الأوصابية، أو الوصابية.
وقد غلب عليها لقبها... "أم الدرداء الصغرى" تمييزاً لها عن أم الدرداء الكبرى الصحابية، التي قال عنها أبو مسهر الدمشقي: أم الدرداء الكبرى لها صحبة ورواية يسيرة، وهي أم بلال خيرةُ بنت أبي حدرد الأسلمي... زوجة أبي الدردراء الأولى.
نشأت هجيمة يتيمة في حجر أبي الدرداء عويمر بن زيد بن عبدالله من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه أخذت لقبها.
وكان يتمها هذا من حسن حظها، حيث رباها ذلك الصحابي الجليل خير تربية، ورعاها أحسن رعاية، وكانت تختلف معه في برنس ـ وهي طفلة ـ إلى المسجد، تصلي في صفوف الرجال، وتجلس في حلق القراء.
ولما شبت الفتاة اليتيمة ونضجت، أمرها كافلها أبو الدرداء أن تعتزل صفوف الرجال، فقد آن لها أن تحتجب... قال لها:
ـ اِلحقي بصفوف النساء.
زوجها كافلها:
ولم يطل بها الزمن، بل تزوجها أبو الدرداء رضي الله عنه كافلها ليكون له بذلك الأجر مرتين: مرة لكفالتها وحسن تعهدها صغيرة، ومرة لإكرامها
وإعطائها الصداق كاملاً وهي كبيرة، كما وعد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يكن يرغّب أبا الدرداء بهذه الفتاة إلا شغفها بالعبادة، وانصرافها إلى طلب العلم، وولعها بالتقشف، وجودة عقلها، وحدة فكرها... مع ما حباها الله بن من جمال وملاحة... لقر كانت زوجة عالمة وعابدة معاً.
وقد اتفقت كلمة كل من كتب عن سيرتها على علو مقامها، وعميق فهمها، وسعة علمها.
من أقوالها الحكيمة:
كانت هجيمة بنت حيي إحدى الحكيمات اللواتي ينطقن عن عقل كبير وإدراك واسع.
ـ فمن أقوالها: أفضل العلم المعرفة.
ـ ومن أقوالها: تعلموا الحكمة صغاراً تعملوا بها كباراً، وإن كل زارع حاصد ما زرع من خير أو شر.
وكانت رحمها الله من المكثرين لذكر الله المشتغلين به في كل حين.
تقول لبعضهم:
ولذكر الله أكبر، فإن صليت فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله.
حلقات ذكر الله:
وكانت لفضلها يتردد عليها بعض الصالحين، يأنسون ويفرحون بذكر الله. يقول عبدالله بن عون: كنا نجلس إلى أم الدرداء، فنذكر الله
عندها. فقالوا: لعلنا قد أمللناك!!
فقالت: تزعمون أنكم أمللتموني، فقد طلبت العبادة في كل شيء، فما وجدت شيئاً أشفى لصدري، ولا أحرى أن أصيب به الذي أريد من مجالس الذكر.
وقد اشتهرت رحمها الله بالنصيحة لمن أراد مداوة قلبه وإصلاح نفسه.
قال لها رجل: إني لأجد في قلبي داء لا أجد له دواء، وأجد قسوة شديدة وأملاً بعيداً. فقالت له:
ـ اطّلع في القبور، واشهد الموتى... إنما الوجل في قلب ابن آدم كاحتراق السعفة، أما يجد لها قشعريرة.
وكانت أم الدرداء من النساء الصفوة اللواتي انشغلن بإصلاح أنفسهن، ثم إصلاح الخلق من حولهن، فها هي تنشط في ذلك حتى يلتف حولها نساء من المسلمات ـ وهذا شأن كثير من الصالحات ـ يتعبدن معها، ويتعلمن منها، وينهضن بهممهن بمجالستها.
ولكنها على ما هي فيه من الذكر والعبادة والتنسك والعلم كانت واعية عاقلة، لا ترضى أن يتواكل المرء أو يتكاسل... بل كانت تدعو إلى العمل والكد. فمن أقوالها رحمها الله:
ـ ما بال أحدكم يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن الله لا يمطر عليه من السماء ديناراً ولا درهما. وإنما يرزق بعضكم من بعض. فمن أعطي شيئاً فليتقبله، فإن كان غنياً فليضعه في ذي الحاجة من إخوانه، وإن كان فقيراً فليستعن به على حاجته، ولا يرد على الله رزقه الذي رزقه.
بين القدس والشام:
وكانت لأم الدرداء عادة دائمة في حياتها.
فقد كانت تقيم ستة أشهر تتعبد وتعلم وتذكّر وتَذْكر في بيت المقدس، البلد الذي بارك الله فيه وحوله، فتصلي في المسجد الأقصى تبتغي بذلك مزيد الأجر وعظيم المثوبة. وأما في الستة الأشهر الأخرى من السنة فكانت تعود فيها إلى موطنها الأصلي دمشق، فتقيم هناك بقية العام، وذلك كله بعد وفاة زوجها أبو الدرداء رحمه الله ورضي عنه.
وهي في سفرها إلى بيت المقدس أو مقامها في الشام كانت تتمتع بمكانة عالية وكلمة مسموعة عند الأمويين: معاوية ويزيد وعبدالملك... إذ لم يكن هؤلاء الخلفاء يجهلون قدرها، ولا ينسون فضلها، ولا يقطعون برها.
العزوف عن الدنيا:
فها هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه يخطبها لنفسه ـ وكان بإمكانها لو شاءت أن ترتفع إلى سدة الخلافة وبيت الملك، وتغدو بذلك الزواج سيدة الخلافة الأولى ـ ولكن أنى لمثل أم الدرداء أن تخطف أبصارها الأموال، أو أن يلعب بها هاجس الشهرة، فقد رفضت الزواج من معاوية وقالت كلمتها الشهيرة:
ـ ولا والله لا أتزوج في الدنيا... حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله في الجنة.
عبادة واعتكاف:
وإذا كانت قد رفضت الزواج في شبابها من الخليفة معاوية، فإن عبدالملك بن مروان شيخ الأمويين وخليفة المسلمين، الذي دانت له الخلافة بعد ذلك، كان يتصيد الفرص من وفته، فيسرع إلى مجلس أم الدرداء في مؤخرة مسجد بيت المقدس ليسمع ويستفيد، ويزداد حكمةً وعلماً من هذه المرأة التقية الناسكة العجوز، فلا يزال معها طويلاً.
قال إسماعيل بن عبدالله: كان عبدالملك جالساً في صخرة بيت المقدس مع أم الدرداء، حتى إذا نودي للمغرب قام عبدالملك، وقامت متوكئة على عبدالملك، حتى يدخل بها المسجد، فتجلس مع النساء، ومضى هو إلى المقام فصلى بالناس.
ناصحة صادقة:
ومع ما كان لها في قلب عبدالملك الخليفة من منزلة، ومع ما هو فيه من سلطان وسيطرة، فإن أم الدرداء لم تكن تدع نصحه، ولو بالتقريع أحيانا ما أخطأ.
فقد استدعاها عبدالملك ذات يوم، فكانت في بيته مع حرمه ـ ولعله أراد أن يتبارك بمبيتها في بيته، وليستفيد منها أهله وأولاده ـ فإذا بعبدالملك في ليلة من الليالي ينادي على خادمه الذي أبطأ عنه، وتأخر حتى أتاه، فاستشاط عبدالملك غضباً ولعن الخادم بصوت عال...
وفي الصباح، وعندما مر عبدالملك بأم الدرداء ليسلم عليها، إذا بها
تقول له معاتبة:
ـ سمعتك الليلة لعنت خادماً.
فقال: إنه أبطأ عني. فلم تسكت بل قالت بصراحة:
ـ سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداً يوم القيامة..." تحذره أن يعود إلى ذلك ثانية".
هكذا عاشت المرأة البارة العابدة العالمة أم الدرداء الصغرى حتى قال عنها سيد من سادات التابعين العلماء الأجلاء... مكحول: كانت أم الدرداء فقيهة. وكانت تجلس في صلاتها جلسة رجل... يقصد جلسة رجل عالم متمكن من الفقه.
ويقول عنها ميمون بن مهران: ما دخلت عليها قط إلا وجدتها مصلية.
وفاتها:
وقد وافاها الأجل المحتوم بعد عام 81 للهجرة.
رحمها الله رحمة واسعة.
المراجع:
تهذيب التهذيب، تاريخ بغداد، عيون الأخبار لابن قتيبة، شذرات الذهب لابن العماد، صفوة الصفوة، أعلام النساء.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة