ابتسامات نبوية . . . لبعض الصحابيات
ـ ما أكرم النساء إلا كريم:
المرأة إنسان رقيق تغلب عليه العاطفة، ويتميز باللطافة والشفافية. . . شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء بالقوارير: سريعة الكسر، شفافة الجسم، جميلة الشكل، فقال لشاعر كان يحدو بالركب في السفر : يا أَنْجَشةُ رفقاً بالقوارير.
ولقيت المرأة عموماً في السيرة النبوية معاملة خاصة من حيث التكريم، وإقامة الاعتبار والإنسانية، فكان الإسلام لها أفقاً واسعاً، فتح أمامها مجالات المشاركة في أنشطة الحياة كافة، وألزمها بتحمل المسئولية الفردية والأسرية . . .
قال عليه الصلاة والسلام: (ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم).
والأمثلة على تكريم رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة كثيرة وعديدة. ولعل ابتساماته صلى الله عليه وسلم ـ وهو في مقام الأبوة الحاني للمسلمين جميعاً ـ هي من هذا القبيل المبارك.
ـ زوجها لا يقربها... كما زعمت !
جاء في (مسند أبي يعلى) عن جابر رضي الله عنه قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق إذ امرأة قد أخذت بعنان دابة وهو على حمار فقالت:
ـ يا رسول الله إن زوجي لا يقربني، ففرق بيني وبينه.
ومر زوجها، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك ولها جاءت تشكو منك جفاء، تشكو منك أنك لا تقربها.
قال: يا رسول الله والذي أكرمك إن عهدي بها لهذه الليلة.
وبكت المرأة فقالت: كذب، فرق بيني وبينه، فإنه من أبغض خلق الله إليّ.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ برأسه ورأسها فجمع بينهما وقال: اللهم أدنِ كل واحد من صاحبه.
قال جابر: فلبثنا ما شاء الله أن نلبث، ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوق فإذا نحن بامرأة تحمل أدماً، فلما رأته طرحت الأدم، وأقبلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما خلق الله من بشر أحب إليّ منه إلا أنت.
ـ أنكرت عليه الصلاة دون وضوء فضربها:
أما الابتسامة الثانية فقد روى الطبراني في (المعجم الكبير) عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت سلمى امرأة أبي رافع تشكو زوجها أبا رافع فقالت:
ـ يا رسول الله يضربني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك ولها؟
فقال: إنها تؤذيني.
فقال لها: بم تؤذينه؟
فقالت: يا رسول الله إنه خرجت منه ريح وقام يصلي، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من خرج منه ريح فليعد الوضوء) فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا تضربها.
ـ لا تغسله بالماء البارد فتقتله
والابتسامة الثالثة نقتطفها من سنن النسائي وأوردها ابن القيم في (عدة الصابرين) عن أبي الحسن مولى أم قيس بنت محصن، عن أم قيس قالت: توفي ابني فجزعت عليه فقلت للذي يغسله: لا تغسل ابني بالماء البارد فتقتله!!. فانطلق عكاشة بن محصن (أخوها) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقولها (لا تغسل ولدي بالماء البارد فتقتله) فتبسم ثم قال:
ـ ما قالت طال عمرها. فلا نعلم امرأة عُمِّرت ما عُمِّرت.
ـ أم طلحة امرأة جيدة:
أما أم طلحة - وهي مسلمة صادقة جعلت مهرها من أبي طلحة إسلامه- ودفعت بابنها أنس ليخدم النبي صلى الله عليه وسلم فخدمه حتى لحق بالرفيق الأعلى - فقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم لابنها الوليد وتبسم.
جاء في (الطبقات الكبرى) عن أنس بن مالك قال: ولدت أم سليم عبدالله بن أبي طلحة من آخر الليل فقالت:
ـ لا تحدثوا به شيئاً حتى أستيقظ.
فلما أصبحت غسلته ثم بعثت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت:
ـ اذهب بأخيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئته وهو قائم في إزار معه مسحاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ـ ما هذا يا أنس؟
قلت: يا رسول الله هذا أخي أرسلتني به أمي إليك.
قال: فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا بتمرة فمضغها ثم حنّكه بها فتلمظها الصبي، أي حرك بها فمه متحسساً، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: حب الأنصار التمر.
ـ إن اقترب مني أحد بعجت بطنه:
وأم سليم (وهي أم طلحة)هذه لها ابتسامة من النبي صلى الله عليه وسلم لشجاعتها ورباطة جأشها يوم حنين، حينما اختل نظام الجيش، وولّى كثير من الرجال الدبر، فإنها ثبتت مع رسول الله. يقول صاحب (السيرة الحلبية): وكانت أم سليم مع زوجها أبي طلحة رضي الله عنهما وهي حازمة وسطها ببرد لها، وفي حزامها خنجر، وكانت حاملاً بابنها عبدالله، فقال لها زوجها أبو طلحة:
ـ ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟
قالت: إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به.
فقال أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم الرميصاء؟ فأعادت عليه القول، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.
ـ ابتسامة لزينب ببشارة من السماء
وهناك ابتسامة أخرى لإحدى الصحابيات الجليلات، عندما أمر الله سبحانه نبيه بالزواج منها لإبطال عادة النبي إبطالاً عملياً، وذلك بعد أن كانت زوجةً لزيد بن حارثة، الذي كان يدعى من قبل زيد بن محمد.
ذكر صاحب (السيرة الحلبية) عن زينب فلما انقضت عدتها أرسل النبي صلى الله عليه وسلم زيداً لها فقال له: اذهب فاذكرها علي. فانطلق، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، فقلت: يا زينب أبشري، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي أي أستخيره ، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة إذ نزل عليه الوحي بأن الله زوجه زينب (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)(1) فسريّ عنه وهو يبتسم وهو يقول: من يذهب إلى زينب فيبشرها أن الله زوجنيها من السماء.
ـ ابتسامة لخادمة بسيطة:
وفي (طبقات المحدثين بأصبهان) لابن حبان عن شبيبة بنت الأسود قالت حدثتني رومية قالت: كنت وصيفة لامرأة من أهل المدينة، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة قالت مولاتي:
ـ يا رومية قومي على باب الدار، فإذا مر هذا الرجل فأعلميني. تعني النبي صلى الله عليه وسلم، فقمت على باب الدار فإذا هو قد مر ومعه نفر من أصحابه، فأخذت بطرف ردائه فتبسم في وجهي، قالت شبيبة: أو أظنها قالت: مسح يده على رأسي.
فقلت لمولاتي: هو ذا قد جاء الرجل. تعني النبي صلى الله عليه وسلم. فخرجت مولاتي ومن كان معها فعرض عليهن الإسلام فأسلموا.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة