آيات قرآنية... وابتسامات نبوية
القرآن الكريم كتاب الله تعالى ووحيه إلى رسوله الكريم. هو الذكر المحفوظ، واللفظ المعجز، والنبأ العجب.. (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)(1).
ولقد نزل القرآن الكريم منجماً مفرقا واستمر تنزله ثلاثاً وعشرين عاماً بين مكة والمدينة، وذلك بحسب الحاجة والمناسبة والحكمة الآلهية.
والذي يهمنا هنا أن نحاول سرد بعض الآيات أو السور القرآنية التي رافق نزولَها تبسمُ النبي صلى الله عليه وسلم فكان جلال القرآن وعظمته ممزوجة بالصورة المشرقة البسامة لمحيا المصطفى صلى الله عليه وسلم... تلك الصورة الحلوة التي لم تفارقه حتى وهو يتلقى الوحي ويستقبل نبأ السماء.
ـ ابتسامة مع سورة الكوثر:
روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ غفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسماً
فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟
قال: أُنزلت علي آنفاً سورة. فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) ثم قال:
أتدرون ما الكوثر؟
فقلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم. فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك.
ـ وأخرى مع سورة الانشراح:
وذكر ابن كثير عن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً مسروراً فرحاً وهو يضحك وهو يقول: لن يغلب عسر يسرين.
وفي رواية: أبشروا أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين مرتين ثم قرأ قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)(1).
وفي (الدر المنثور): أخرج ابن مردوية عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلاثمائة أو يزيدون علينا أبو عبيدة بن الجراح ليس معنا من الحمولة إلا ما نركب، فزودنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من تمر فقال بعضنا لبعض:
قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريدون، وقد علمتم ما معكم من الزاد فلو رجعتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألتموه أن يزودكم فرجعنا إليه.
فقال: إني عرفت الذي جئتم له، ولو كان عندي غير الذي زودتكم لزودتكموه. فانصرفنا ونزلت (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى بعضنا فدعاه فقال: (أبشروا فإن الله قد أوحى إلي (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ولن يغلب عسر يسرين).
وأخرج البزار والطبراني في (الأوسط) والبيهقي في (الشعب) عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله جحر فقال:
لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه. فأنزل الله (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).
ـ وثالثة مع آية من سورة التوبة
وأورد السيوطي في (لباب النقول) سبب نزول قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)(1) قال: أخرج أبو الشيخ وابن منده في (الصحابة) عن جابر قال:
كان ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك ستة: أبو لبابة وأوس بن خزام وثعلبة بن وديعة وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية. فجاء أبو لبابة وأوس وثعلبة فربطوا أنفسهم بالسواري (أعمدة المسجد النبوي) وجاءوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله خذ هذا الذي حبسنا عنك.
فقال: لا أحلُّهم حتى يكون قتال. قال: فنزل القرآن (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ).
ثم نقل عن ابن مردويه عن أم سلمة قالت: إن توبة أبي لبابة نزلت في بيتي فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك في السحر.
فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟
قال: تيب على أبي لبابة.
فقلت: أوذنه بذلك؟
فقال: ما شئتِ.
فقمت على باب الحجرة وذلك قبل أن يضرب الحجاب فقلت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك.
فثار الناس ليطلقوه.
فقال: حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون هو الذي يطلقني.
فلما خرج إلى الصبح أطلقه، فنزلت: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ...) الآية.
ـ ولآية الكرسي ابتسامة
وجاء في (الإتقان) للسيوطي قال: أخرج ابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آية الكرسي ضحك.
وقال: إنها من كنز الرحمن تحت العرش.
( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) البقرة:255
ـ ولا تزر وازرة وزر أخرى
وأورد أبو داود في سننه عن أبي رمثة قال انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي:
ابنك هذا؟
قال: أي ورب الكعبة.
قال: حقاً؟
قال: أشهد به.
قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً من ثبت شبهي في أبي ومن حلف أبي علي.
ثم قال: أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه. وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(1).
ـ ابتسامة الفرح في ختام حادثة الإفك:
ومن الآيات القرآنية التي رافقتها ابتسامة من النبي صلى الله عليه وسلم. ما أورده البخاري في قصة عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وما نزل في براءتها من الآيات الكريمة.
قالت عائشة: (لكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه. فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه. قالت: فلما سرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُرّي عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما فقد برأك الله...) وأنزل الله (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ...)(1) العشر الآيات كلها.
ـ ابتسامة مع الحروف في أوائل السور:
ونقل البيضاوي في تفسير قوله تعالى (آلم) من سورة البقرة. وهذه مع مثيلاتها من الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور في كتاب الله مما اختلف المفسرون في معناها. فنقل البيضاوي من جملة ما نقل أن أبا العالية تمسك بحساب الجمل فيها لما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أتاه اليهود تلا عليهم (آلم) البقرة فحسبوه وقالوا:
ـ كيف ندخل في دين مدته إحدى وسبعون سنة؟
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:
فهل غيره فقال (المص) و(الر) و(المر).
فقالوا: خلطت علينا فلا ندري بأيها نأخذ.
ـ ابتسامة في سورة الضحى:
ومع الابتسامات النبوية والفرح الغامر المرافق لنزول بعض الآيات، ورد تكبير أيضاً وذلك غاية ما يمثل البشاشة والسرور.
قال ابن كثير في معرض ذكر التكبير في ختام السور الأخيرة من القرآن الكريم: وذكر القراء في مناسبة التكبير من أول سورة الضحى أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتر تلك المدة (وهي في أول المبعث) وجاءه الملك فأوحى إليه (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى)(1) بتمامها كبرّ صلى الله عليه وسلم فرحاً وسروراً.
ـ ابتسامة قبل زواج زينب
وفي (الدر المنثور) من ابتسامات النبي صلى الله عليه وسلم التي رافقت بعض الآيات. أورد السيوطي في تفسير قولـه تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا)(2) حديث زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش رضي الله عنها التي كانت زوجة زيد بن حارثة رضي الله عنه المسمى زيد بن محمد، فعزا إلى ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حيان حديثاً فيه (ففارقها زيد واعتزلها، وانقضت عدتها، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة رضي الله عنها إذ أخذته غَشْية فسُّريَ عنه وهو يبتسم ويقول:
من يذهب إلى زينب فيبشرها أن الله زوجنيها من السماء؟
وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) إلى قوله تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا).
قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها زوجها الله من السماء وقلت هي تفخر علينا بهذا.
وأورد القصة صاحب السيرة الحلبية قال: فلما انقضت عدتها أرسل زيداً لها فقال له: اذهب فاذكرها علي فانطلق.
قال: فلما رأيتها عظمت في صدري. فقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك.
قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي أي استخيره.
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة، إذ نزل عليه الوحي بأن الله زوجه زينب فسُرِّيَ عنه وهو يبتسم وهو يقول: من يذهب إلى زينب فيبشرها أن الله زوجنيها من السماء!
الشيخ عبد الله نجيب سالم
(1) سورة الشعراء /193 –195
الصفحة السابقة