 |
|
يكتب الشيخ عبد الله نجيب سالم في الصحافة منذ أكثر من ثلاثين عاماً
في مواضيع دينية واجتماعية وتربوية
وهذه بعض مشاركاته الصحفية
|

بريرة ... هل تخرج فلا تعود .

(بريرة) ليست مجرد خادمة عصامية ذكية . ارتقت بنفسها من أدنى سلم الحياة إلى أن أصبحت في آخر حياتها واعظة للملوك . وهي ليست مشروعاً إعلاميا عابراً يكتفي بفلاشات المصورين وبشوت المدعويين وكلمات المسئولين، ثم يسدل الستار بعد ذلك على المسرح، فيعود قاعاً صفصفاً لا تسمع فيه صوتاً ولا همساً .
(بريرة) رمز للعمالة المنزلية التي خرجت عن السيطرة المحلية، وتمردت على الظروف المعيشية ، وانطلقت في شوارع العالم ومحطاته تبحث لها عن تاجر شعارات أو دعي مبادئ أو مبرمج أزمات ... إنها تريد حل مشكلتها التي صنعتها أيدينا وفرضتها علينا ظروفنا .
(بريرة) خطوة جريئة إيجابية نحو المستقبل . وعمل جاد دؤوب من أجل هدف سام ، وبرنامج زاخر مليء ومسئول . أقدمت عليه وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في لحظة من لحظات الإشراق الحضاري والوعي المجتمعي ليكون تحت مسمى اللجنة الوطنية لتوعية العمالة المنزلية ، واختارت له اختصاراً اسم (بريرة) لما في اسمها من جمال لفظي وعمق تاريخي ونبل شخصي . ثم بعد ذلك وضعت لذلك البرنامج آلية من أجل دراسات علمية دقيقة، ونظرات شرعية أصيلة ، وقواعد وضوابط لسلوك العامل المنزلي ضمن أخلاقيات رفيعة، ليقابله من الطرف الآخر على نفس الخط صاحب المنزل أو رب العمل بمعاملة إنسانية والتزامات قانونية وحقوق وواجبات واضحة .
وإذا كانت (بريرة) ـ قد أرست قواعد عملها ، وبدأت تعرف طريقها ، وأخذت تلفت الأنظار إليها ، بل وسوقت لأفكارها داخلياً وخارجياً ، ... فإنها لم تمض على ذلك سنة أو أكثر بقليل حتى فترت همم الواقفين خلف المشروع أو المتبنين له ، فتواروا عن الأنظار وأطفأؤوا من حولهم الأنوار، وقطعوا مدد الصوت المتلهف ، والعمل الرشيد ، والخطط الطموحة .
وكل خوفي أن تكون (بريرة) قد خرجت من بيت كفيلها ـ الأوقاف ـ دون إذن ، وانزوت في زاوية من زوايا شوارع النسيان تنتظر أن يتقدم لها كفيل جديد ، أو يتبناها راع آخر، أبعد نظرا ، وأوسع استيعاباً ، وأكثر قدرة على العمل في ظروف متغيرة مضطربة
إن (بريرة) هي درعنا الواقي ضد هجمات شرسة ، يشنها علينا بوضوح من يرفعون شعارات حقوق الإنسان ، ومحاربة الاتجار بالبشر، والدعوة إلى إنصاف العامل ، وحفظ كرامة الخادم ،
إن (بريرة) هي تراثنا الناصع الذي بدأ بتحرير الجارية بريرة من عبوديتها ، وإعتاقها على يد مولاتها أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، وذلك اتباعاً للسنة النبوية التي كرمت العاملين في بيت النبوة فأعتقتهم من رق ، وعاملتهم باحترام ، وعلمتهم بعد جهل، وزوجتهم وأغنتهم ، ورفعت أقدارهم
إن (بريرة) واحدة من فريق كبير، كان أوله من الرجال زيد بن حارثة وأنس بن مالك وبلال بن أبي رباح وثوبان وأبو رافع بينما كانت منه من النساء أم أيمن وبريرة وميمونة وأم عياش وغيرهم وغيرهن
إن (بريرة) هي أخلاقنا الرفيعة التي تعامل الخادم كأخ أو ابن أو أب ، وتعامل الخادمة كأخت أو بنت أو أم ... مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم ) فلا تمتد أيدينا بالضرب إلى أجسادهم ، ولا بالعدوان على أموالهم ، ولا بالأذى على أعراضهم .
أحبابنا في وزارة الأوقاف :
بريرة خطوة جريئة نحو تغيير أسلوب تعاملكم مع المجتمع وقضاياه ... إنها نموذج للمشكلة التي تدرس بعمق ، ويخطط لمواجهتها بعقل ، ويتخذ إزاءها إجراءات عملية متتابعة بحكمة ومسئولية .
لا تدعوا بريرة تخرج من بيت الأوقاف فلربما إذا خرجت ... لا تعود .
عبد الله نجيب سالم
13 / 3 / 2008
الصفحة السابقة