
ابن صادق... وأب منافق
زعيم المدينة
كانت الأوس والخزرج قبيلتين تسكنان المدينة قبل الهجرة، وعلى الرغم من كونهما أبناء عمومة ومن أصل واحد، إلا أن التنافس، بل والشقاق والنزاع، كان الصفة الغالبة للعلاقات فيما بينهما، يشق الصف، ويفرق الجمع، ويؤجج نار الحقد والكراهية، بل ويوقظ فتنة الحرب كلما غفت.
إلا أن رجلاً شريفاً في قومه الخزرج، كان ذا طموح كبير، وآمال عريضة تتجاوز حدود قبيلته وحيّه إلى ما هو أبعد من ذلك وأعم، استطاع بمساعيه التي تخدم هدفه أن يقرب بين تلك الطائفتين، بل واستطاع بعد ذلك أن يجمعهما عليه، فاتفق الطرفان ـ دون نزاع ـ على أن عبدالله بن أبي بن سلول العوفي هو سيد المدينة كلها من أقصاها إلى أقصاها... ولم لا وقد كان يتقدم الجميع بصفات الزعامة والتفوق والسيادة.
وقد بلغ من مكانته بين الأوس والخزرج أن قومه قد استعدوا ـ كما كان يحب ويهوى ـ أن يتوجوه ملكاً عليهم، وأخذوا يعدون لذلك عدته:
ينظمون خرز التاج، ويحيكون حلل الملك، ويرفعون قواعد القصور، فقد آن للمدينة أن تفرح باجتماعها على رجل واحد.
وفيما هم في ذلك ماضون جاءهم الله تعالى برسوله عليه السلام...
وكانت المفاجأة!..
كان عليه السلام كالشمس الساطعة تطمس نور النجوم كافة بلا استثناء، أو كالأريج الفواح يدخل كل الأنوف بلا استئذان، فلما حل بين الأنصار، وأكرمهم الله به تعلقت قلوبهم بمحبته واتباعه وانشغلوا عن سيدهم السابق عبدالله بن أبيّ، بل وانفضوا عنه، وانصرفوا إلى الدين الجديد... فقد كفاهم كل هم، وأشغلهم عن كل ثأر.
ضغينة... وتآمر
أثار الالتفاف حول رسول الله حفيظة ذلك الرجل، وأوحت إليه نفسه الغاضبة الثائرة، وأيدها في ذلك نظره القاصر إلى قضية النبوة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلبه ملكاً ومجداً أفنى في ماله وعمره، حتى لم يبق له منه شيء... لذا فهو غريمه في المنافسة، وخصمه في الحياة... هكذا فهم عبدالله الأمور، وفسر سيرها.
وكان يزيد في حقده وانفعاله أن أقرب الناس إليه وأكثرهم براً به وهو ولده عبدالله بن عبدالله بن أبيّ كان من جملة الذين تبعوا محمداً والتفوا حوله واتبعوه بكل إخلاص وصدق وتفانٍ.
إلا أنه ـ وقد أسقط في يده، فلم يعد يجد في عامة قومه من يستمع إليه أو يخلص له الود ـ لم ير أمامه إلا أحد خيارين:
فإما أن يغادر المدينة ويضرب في أطناب الأرض ومناكبها، لعل أحداً ينصره على محمد، أو لعله ينسى الماضي إذا فارق المدينة. ويغريه في هذا النهج صديقه عبد عمرو بن صيفي أبو عامر الذي خرج من المدينة كارهاً.
وسعى في الأرض جاهداً في تأليب الناس على رسول الله.
وإما أن يقيم في المدينة بين قومه على أطلال شرفه وبقاياه، مع إظهاره الإسلام والتصديق بدين محمداً، غير ناسٍ للحقد الدفين، ولا تارك للأذى الممكن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً...
وهذا ما فعله عبدالله بن أبي بن سلول، بعد أن استهجن الرحيل بذلة ظاهرة، آثر البقاء وتحين الفرص للوقيعة بين الناس: مهاجرين وأنصاراً، أوساً وخزرجاً، عرباً ويهوداً.
ولم يكن في بادىء الأمر ـ قبل إسلام جميع أهل المدينة ـ يكف أذاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه!..
أذى ومكر
حدث أسامة بن زيد بن حارثة قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد ابن عبادة يعوده من شكو أصابه على حمار، وأردفني خلفه، فمر بعبدالله ابن أبيّ وهو في ظل أُطُم بني مزاحم، وحوله رجال من قومه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تذمم واستحيا من أن يجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس قليلاً، فتلا القرآن، ودعا إلى الله عز وجل، وذكر بالله، وحذر وبشر وأنذر... وعبدالله زام لا يتكلم، حتى إذا فرغ رسول الله من مقالته قال عبدالله بازدراء:
ـ يا هذاّ!!. إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقاً، فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغته به، ولا تأته في مجلسه بما يكره.
وامتعض رسول الله من رد عبدالله بن أبيّ وجفائه... وأحس الصحابة بالكآبة تسري في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عبدالله بن رواحة وجماعة ينتصرون له ويخففون عنه ويردون على ذلك الموتور:
ـ بلى فاغشنا به وائتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو والله مما نحب، ومما أكرمنا الله به وهدانا له.
وبالطبع استخزى ابن أبيّ وتغشته المهانة ونظرات الاشمئزاز في الوقت الذي زاد إضماره للشر ورغبته في الانتقام.
شتان بين الابن والأب
وإن من العجب العجاب أن نعلم الفارق الكبير بين مسلك عبدالله بن أبيّ، ومسلك ولده المسمى على اسمه عبدالله بن عبدالله... هذا الولد الذي شغف بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقرب إليه ومقت ما يفعله أبوه وكراهيته لنفاقه، بعد أن كانت الركبان تسير في الجاهلية ببره بوالده ورعايته له، وتتحدث عن ذلك أحاديث شتى.
كان عبدالله الابن رجلاً من المسلمين صالحاً، ملأ الإيمان أطراف فؤاده، لم يكن يغيظه شيء ويؤلمه أكثر من أن يرى أباه يترأس عصبة النفاق وجماعة الإرجاف في المدينة، بل ويأبى الانصياع للحق القائم، والواقع الجديد... ومع هذا لم يكن لعبدالله في أبيه حيلة أو له عليه سلطان سوى أن يلقي إليه النصح حيناً والرجاء حيناً آخر، وهو يعلم يقيناً أن لا فائدة ترجى ولا توبة تحدث.
نعم كان كل منهما في طريق مغاير وأسلوب مختلف عن الآخر... وسبحان مقلب القلوب!!.
فرصة للدسيسة
ونعود بعد هذا التعريف السريع بالابن عبدالله، إلى الحديث عن عبدالله الأب ذي الشأن العجيب والحقد الأسود في عداواته لرسول الله.
ففي غزوة بني المصطلق من خزاعة لاحت لعبدالله بن أبيّ فرصة للتحريش بين المسلمين ومحاولة شق صفهم... إذ بينما الناس على ماء المريسيع بعد انتهاء المعركة وانتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وردت واردة الناس تسقي من الماء، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فتشاجرا، وصاح الجهني مستغيثاً: يا معشر الأنصار ـ لحلفه معهم ـ فرد عليه جهجاه لساعته: يا معشر المهاجرين ـ يستغيث بهم لكون عمر منهم.
وسمع الصيحة عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين، وعنده رهط من قومه من الخزرج، فيهم زيد بن أرقم غلام حدث، فقال عبدالله:
ـ أو قد فعلوها... قد نافرونا وكاثرونا(1) في بلادنا... والله ما أعدنا وجلابيب(2) قريش هذه إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأزل.
ثم أقبل على من حضر من قومه، فقال محرضاً وموبخاً:
ـ هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا عنكم إلى دار غيركم.
وكان هذا الكلام يمثل ذروة الخطر وقمة الضرر، ففي ساعات التداعي إلى العصبية وإثارة الإحن(1) المستكنّة في الصدور قد يلقى هذا التحريض بعض القبول في النفوس الهائجة المتوترة، فإذا حدث ـ لا قدر الله ـ فإن العواقب على الدين الجديد والدولة الإسلامية الفتية فوق التصور وأكبر من التحمل... حيث السلاح بأكمله بأيدي الجميع بلا استثناء.
لذا فإن الفتى زيد بن أرقم ما كاد يسمع مقالة ابن أبيّ حتى مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب الذي وعى خطورة الأمر وأدرك خبث طوية ابن أبي فثارت ثائرته وقال منفعلاً بغضب:
رغبة في قتله
ـ يا رسول الله مُرْ به عباد بن بشر فليقتله.
ولو كان المخاطب بشراً غير رسول الله لاستجاب، فالرجل قد فعل ما يستحق به القتل، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر نظرة بعيدة ثم قال لعمر:
ـ فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه... لا...
ولكن أذّن بالرحيل.
وخرج عمر رضي الله عنه منادياً بالرحيل آمراً الناس به لفورهم باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى يرتحل فيها عادة،
فارتحل الناس وهم دهشون متعجبون... ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، فلم يتوقف، بل تابع المشي بعد ذلك والناس تبع له، فسار حتى انقضى الليل بأكمله وطلع الصبح، ثم تابع السير صدر ذلك اليوم، حتى آذتهم الشمس ولفحهم حرها... وكادوا أن يتساقطوا من السير المتتابع المضني دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزل بالناس بعد ذلك المشي الطويل المتواصل، فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نياماً...
وكانت تلك ولا شك خطة من خطط رسول الله الناجحة، ليشغل الناس مهاجرهم وأنصاريّهم عن المقالة التي كانت بالأمس من حديث عبدالله بن أبيّ بن سلول.
ولئن لاحظ عبدالله بن أبيّ انزعاج رسول الله الشديد مما قال، ورأى عدم نجاح تدبيره ومكره، فلقد عمد إلى التملص وإنكار ما قاله قبل ساعات علانية، بل وبلغ به الأمر أن اتهم الغلام المسلم زيد بن أرقم بعدم وعي الحديث وسوء فهم له.
عبد الله الابن في حرج وغضب
ولكن محاولات التملص تلك لم ترفع الحرج البالغ الذي أحسّ به ولده الصالح عبدالله بن عبدالله تحت وطأة غلظ كلام أبيه وقباحته، مع استهجان المسلمين له وعدم ارتياحهم لتغلغل الاب المنافق بين صفوفهم بلا حياء، إضافة إلى ما يعلمه الولد نفسه من سوابق أبيه السوداء وخزاياه السالفة. فقرر أن يمضي بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول له في جرأة ومبادرة:
ـ يا رسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أبيّ فيما بلغك عنه... فإن كنت فاعلاً فمر لي به أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي عبدالله بن أبيّ يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار.
ورأى رسول الله صدق الولد في موقفه، كما أدرك عمق الإيمان في نفسه، فطمأنه على سلامة أبيه في ظلال الرحمة النبوية الوارفة وحكمة رسول الله البالغة فقال له:
ـ بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا.
وخرج الابن عبد الله بعد ذلك، وهو يحمد ويثني على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عطفه وعفوه، لكن نفسه كانت تؤنبه لما فعل أبوه، ولا تدعه يستقر أو يهدأ حتى يزجر أباه زجراً عنيفاً عن جهره بنفاقه ومجاهرته بالعداوة لرسول الله، تلك العداوة التي جعلته يصف الرسول بأنه الأذل في مقابل وصفه نفسه بالأعز!.. كأنه لا يرى له خصماً في الحياة يستحق هذا الوصف إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم... هل يهدأ عبدالله الإبن قبل أن يثأر لرسول الله صلى الله عليه وسلم... نعم... لا بد أن يفعل شيئاً.
على مشارف طيبة
وانتظر الابن بعض الوقت، وهو يضمر أمراً، حتى بلغ الجيش بكامل عدته مشارف المدينة، فدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الناس، وتتابع الناس وراءه، وفجأة وقف عبدالله على قارعة الطريق المكتظة بالمسلمين شاهراً سيفه ـ وسط استغراب الجميع ـ وهو يفتش بعينه بين المارين عن شيء، حتى وقع بصره على أبيه عبدالله بن أبيّ في ثلة من أقرانه ومعاونهي، فصاح فيه أمامهم، وعلى مسمع الناس جميعاً:
ـ والله لا تدخلها (المدينة) حتى يأذن لك رسول الله في ذلك!
ويتعجب الوالد من فعل ابنه العجب كله، فيحاول أن يثنيه عن ذلك بتذكيره ببره به، وباحتشاد الناس الشامتين بالأب، ولكن الابن المؤمن كان في واد غير واد أبيه، فعاد يكرر إصراره على منعه من دخول المدينة إلا أن يأذن له رسول الله، ليعلم بعد اليوم أن صاحب الأمر العزيز في المدينة إنما هو رسول الله لا عبدالله بن أبيّ كما توسوس له نفسه.
ويبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حينه، فيأمر سريعاً عبدالله أن يسمح لأبيه بالدخول، وأن يخلي سبيله، فتقر بذلك عين الابن الصالح، وتهدأ نفسه، فيفعل ما أمر به ويغمد سيفه، ولكن بعد أن يلزم أباه بترديد عبارة.
ـ أنا الذليل ورسول الله العزيز... أنا الذليل ورسول الله العزيز.
يكررها حتى توارى خلف أبواب بيته... وهو لا يصدق نفسه.
صلى الله عليك يا رسول الله، فقد كنت حليماً مع رأس المنافقين أكثر من حلم ولده عليه.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
(1) أي زاحمونا وضيقوا علينا.
(2) العامة من الناس من الفقراء وغير الأشراف.
الصفحة السابقة