 |
|
أبحاث علمية حول اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشئون المسلمين الدنيوية ورعاية مصالحهم
|

محمد رسول الله... قائد الأمة ورئيسها
تمهيد:
بكل تأكيد نقول: إن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة ابتداء بنص الكتاب العزيز في قوله تعالى (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء/ 59) وهذا الوجوب يتناول جميع جوانب الحياة العملية بلا استثناء، وهذا يجعل الالتزام بطاعته واجباً دينياً ذا أهمية خاصة.
البيعة بداية صحيحة:
إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقوم بمهمات رئيس الدولة المسلمة ـ لم يغفل جانباً مهماً غاية الأهمية في الارتباط القائم بين الرعية والراعي، أو القائد والشعب. إنها المبايعة أو التفويض الذي يمنحه الناس لحكامهم طائعين فكان عليه الصلاة والسلام يدعو أصحابه إلى مبايعته على الطاعة والتقيد بأوامره، مراعياً بذلك صورة التعاقد والتراضي بين الرئيس والمرءوس، فإمامة الدنيا عقد حقيقي يتم بين طرفين هما الإمام والأمة، يجب بمقتضاه على الإمام أو الرئيس السير بحكمهم وفق أحكام الشريعة، ويجب على الطرف الآخر بذل الطاعة والانقياد للحاكم فيما لا يخالف أوامر الشرع ونواهيه... كما يقول الدكتور محمد رأفت في كتابه (رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي).
والبيعة كما وضحها ابن خلدون هي العهد على الطاعة... وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري فسمي بيعة... روى مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: (دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه. فكان فيما أخذ علينا: أن بايَعَنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان).
وينبغي أن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع أصحابه قبل الهجرة في بيعة العقبة الثانية، التي على أساسها اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إخلاص الأنصار وصدق إيمانهم، فأمر من كان من المسلمين في مكة على إثر ذلك بالخروج إلى المدينة... وذلك ولا شك قرار سياسي على قدر كبير من الأهمية اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ضمان الولاء والإخلاص في البلد الذي سينتقل إليه.
وقد ذكرت مبايعة المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من موطن...كما أحصى بعض العلماء من بايعه عليه السلام من النساء ـ وهو ابن الجوزي ـ فبلغن أربعمائة وسبعاً وخمسين امرأة بايعهن دون مصافحة...
وربما بايع عليه السلام بعض أصحابه على أمر خاص به دون سواه.
وعلى الرغم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رجل الدولة الجديدة في المدينة ورئيسها والسيد المطاع فيها، إلا أنه لم يتسم بغير الاسم الذي سماه به ربه (رسول الله) فلم يطلق عليه اسم أمير ولا ملك ولا قائد ولا سلطان وما كان لكل ألقاب الدنيا لو اجتمعت أن تغلب كلام الله (محمد رسول الله).
الوزراء والحاشية والمراسيم:
وكتأكيد منا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتولى زمام المسلمين الدنيوي ويمارس نفوذه وصلاحياته الكاملة ـ كما كان يتولى زمام قيادتهم الدينية ـ فإننا نذكر أنه عليه الصلاة والسلام قد اتخذ لنفسه وزيراً، بل أكثر من ذلك. قال القاضي أبو بكر بن العربي في (أحكام القرآن): الوزارة عبارة عن رجل موثوق به في دينه وعقله يشاوره الخليفة فيما يعنّ له من الأمور. وقد صرح ابن العربي في (سراج المريدين) و(الأحكام) بتحسين حديثٍ فيه أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وزراءُ النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الأرض.
كما كان له صلى الله عليه وسلم في حياته صاحب سر هو حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. قال في (أسد الغابة): حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين لم يعلمهم أحد إلا حذيفة، أعلمه بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم...
وكان له صلى الله عليه وسلم أيضاً آذن يراجعه فيمن يريد الدخول عليه فيأذن إن علم رضاه وإلا فلا. قال ابن العربي في (الأحكام): كان أنس بن مالك يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعمل على قوله، وممن كان آذناً عنده رباح الأسود مولاه، وقد ورد أنه عليه السلام لم يأذن لعثمان بن سفيان وابن ذي اللحية الكلابي.
كما كان له حاجب يحفظ بابه، فقد قال ابن عبد ربه في (العقد الفريد): وحاجبه عليه السلام أبو أَنَسه مولاه، وكان يكنى أبا يشرح أو يسروح. وقال القسطلاني في (المواهب اللدنية): ومن تواضعه عليه السلام أنه لم يكن له بواب راتب، أي كان يتخذ بواباً أحياناً لأمر ما، فقد كان أبو موسى الأشعري ذات مرة بواباً على باب بستان بير أريس بأمره عليه السلام، حيث قال له: املك عليّ الباب فلا يدخل عليّ أحد، كما كان أبو هريرة بواباً في أوقات أخرى... وقد مضى العلماء على أنه عليه السلام إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد من أمره كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة، أي وإذا اشتغل بأمر نفسه اتخذ بواباً. قاله الزرقاني.
ومما أثر في السيرة النبوية أنه كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعلم الوفد كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف يتصرفون بأدب في حضرته ـ مما نسميه اليوم بمسئول التشريفات ـ قال أبو السعود في (تفسيره): كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا قَدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفود أرسل من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا مأخوذ من قصة وفد ثقيف الذين عُلّموا كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا إلا تحية الجاهلية...
وكان عليه الصلاة والسلام يتجمل ويتهيأ للقاء الوفود فعن جنوب بن مكية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم الوفد لبس أحسن ثيابه وأمر أصحابه بذلك، فرأيته وفد عليه وفد كنده وعليه حلة يمانية وعلى أبي بكر وعمر مثلها.
وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم خدم يقومون بالكثير من حاجاته، بعضهم كان حراً، وبعضهم كان من الموالي،
وقد عد بعض العلماء من خدمه من الأحرار فأوصلهم إلى أحد عشر خادماً منهم أنس بن مالك وهو أشهرهم، وهند وأسماء ابنة حارثة الأسلميّان، وربيعة بن كعب الأسلمي. قال عنه أبو الفرج ابن الجوزي: كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبيت على حوائجه. وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب): كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر.
أما أشهر خدمه من الموالي فزيد بن حارثة وأسامة بن زيد ورباح ويسار وأبو رافع وأبوهند أنجشة ورويفع وغيرهم رضي الله عنهم.
وقد كان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يوقظه إذا نام ويستره إذا اغتسل ويرحل له راحلته إذا ارتحل ويحاشيه الأرض...
وربما استخدم عليه الصلاة والسلام لخدمته امرأة كبيرة أو غلاماً يهودياً... ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن غلاماً يهودياً كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فعاده عليه السلام فعرض عليه الإسلام فأسلم فمات... وقيل أن اسمه كان عبد القدوس.
وكان عليه السلام تحمل بين يديه العَنَزة، وهي أطول من العصا ودون الرمح، فيها زج كزج الرمح، وكان له محجن ومخصرة وقضيب، وكان يحملها بين يديه بلال أو أنس.
الحراس والجنود:
كما كان حوله عليه السلام حراس مسلحون عند الحاجة، فقد حرسه سعد بن معاذ يوم بدر مع جماعة من الأنصار، كما حرسه أبو أيوب الأنصاري حين أعرس بصفية يوم خيبر، كما حرسه سعد بن أبي وقاص، وروي أن عمر بن الخطاب كان يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالحجر في مكة يقوم بالسيف على رأسه حتى يصلي. كما كان من حراسه أدرع السلمي وخشرم بن حباب الأنصاري... وذكر ابنه بدر أن الضحاك بن سفيان بن كعب رضي الله عنه كان سياف النبي صلى الله عليه وسلم قائماً على رأسه متوشحاً بسيفه، وكان أحد الأبطال يعد بمائة فارس وحده.
وفي صلح الحديبية وقف المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قائماً بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المغفر...
بل إنه بعد أن جرت محاولات عدة لاغتيال رسول الله عليه السلام كان بعض حرسه عليه السلام يلازمه من خلفه، فقد ترجم في (الإصابة) لجبلة بن عامر البلوي فذكر أن الرشاطي نقل عن ابن الكلبي أنه كان صاحب خلف المصطفى عليه السلام.
كرسي خاص:
واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كرسياً للجلوس عليه أحياناً، فعن أبي رفاعة العدوي قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إليّ، فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديداً، قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها.
الكتاب والخاتم:
وكان له صلى الله عليه وسلم كتاب لكتابة الرسائل أو القرآن أو العهود ونحوها، فكان عددهم كما ذكر ابن عساكر قرابة ثلاثة وعشرين كاتباً، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وأبيّ بن كعب والزبير وغيرهم رضي الله عنهم، بل كان لهم ترتيب معين، فكان إذا غاب واحد تعين خَلَفُه بعده، فقد ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد أن حنظلة بن الربيع كان خليفة كل كاتب من كتابه عليه السلام إذا غاب عن عمله.
وكانت بعض مكاتبات النبي صلى الله عليه وسلم سرية بحسب الظروف الخاصة بها فكان لا يحب أن يطلع عليها الناس. فعن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد فهل تستطيع أن تعلم كتاب العبرانية أو قال السريانية؟ فقلت نعم: فتعلمتها في سبع عشرة ليلة.
ومن الأمور المذكورة بخصوص القيادة الدنيوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اتخاذه الخاتم لختم الكتب التي كان يرسلها إلى الملوك. أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم فقيل له: إنهم لن يقرؤوا كتابك إذا لم يكن مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة ونقش عليه (محمد رسول الله). وكان بذلك أولَ من ختم الكتاب من قريش وأهل الحجاز. كما قاله السيوطي في (أوائله). وذكر البخاري في (التاريخ) عن معيقيب قال: كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديد ملون عليه فضة فربما كان بيدي. وكان معيقيب على خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي كان حامل الختم وصاحبه.
الحافظ والمبلغ:
وكان له صلى الله عليه وسلم أمين حافظُ نسائه وحرمه... فقد ذكر في (الاستيعاب) لابن عبد البر: كان عبد الرحمن بن عوف أمين رسول صلى الله عليه وسلم على نسائه.
وكان إذا أراد أن يخطب أمر رجلاً أن يجمع له الناس ليستمعوا له. فقد قال لعمر رضي الله عنه ذات مرة: اجمع لي قريشاً.
وعن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذ بيدي وقد عصب رأسه، فأخذت بيده، فأقبل حتى جلس على المنبر فقال: ناد في الناس. فصحت فيهم فاجتمعوا له...
كما كان يأمر بعض أصحابه أن يعبر عنه أي يردد قوله بصوت عال. فعن هلال بن عامر عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى على بغلته وعليه برد أحمر وعليُُّ أمامه يعبر عنه ما يقول. وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيع بن أمية بن خلف فقام تحت يدي الناقة وكان رجلاً صيتاً فقال: اصرخ أيها الناس أتدرون أي شهر هذا؟ فصرخ، فقال الناس: الشهر الحرام ... إلى آخر الحديث.
وكان عليه الصلاة والسلام مسئولاً عن كافة أمته خاصة الأيتام والفقراء الذين لا سند لهم، فكان من أقواله: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن بات وعليه دين ولم يترك وفاء فعليّ قضاؤه وفي رواية فمن ترك عيالاً أو ضياعاً فإليّ وعليّ. رواه الشيخان عن أبي هريرة.
الأمراء والنواب:
وقد ولى عليه السلام كثيراً من الأمراء والولاة على البلاد التي أسلمت وآمنت، وعلى القضاء والصدقات ومن أولئك عتاب بن أسيد ولاه مكة، وبادام أو بادان نائب كسرى لما أسلم ولاه النبي صلى الله عليه وسلم على جميع مخاليف اليمن، ولما مات استعمل ابنه شهر بن بادان، ومنهم عبد الله بن عمرو بن سبيع التغلبي استعمله على بني تغلب وعبس وبني عبدالله بن غطفان. وغيرهم كثير.
وكان عليه الصلاة والسلام كلما خرج من المدينة المنورة في غزوة أو حج أناب عنه بعض أصحابه في إمارتها.
وهكذا في استقراء سريع نرى نظام الولاية الدنيوية ومقامها، كيف مارسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل أبعاده، حتى لم يقع شك في ذهن أحد أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن فقط نبياً رسولاً، بل كان إمام الـدنيا والدين، وحافظ العقيدة والوطن، وصاحب السيادة الدنيوية المدنية كما هو صاحب الرسالة الدينية الإلهية الخاتمة.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة