
خطبة عظيمة... في موقف عظيم
مفاجآت وترقب
في أواخر السنة العاشرة لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم بدأت تلوح أمام الجميع من الصحابة رضوان الله عليهم أمارات غريبة موجعة.
فبين الحين والآخر يفيق الناس على مؤشرات تلفت النظر إلى أن الله أتم على عباده نعمته, وأظهر لهم دينه, وأن نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم قد أدى الأمانة وبلغ الرسالة... بل ويحسون من إيحاءات تلك المؤشرات أن الوقت قد حان ليحملوا المسؤولية بأيديهم, ويمسكوا اللواء بأكفهم.
ونأخذ على ذلك مثلاً:
روى الإمام أحمد رحمه الله عن معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن, خرج معه يوصيه ومعاذ راكب, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إلى جواره, وهو يلقي إليه الوصايا تباعاً... فلما فرغ قال له:
ـ "يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا... ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري...".
فبكى معاذ خشعاً وخوفاً من فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم, فرد عليه:
ـ "لا تبك يا معاذ!... للبكاء أوان" ثم التفت بوجهه عليه السلام إلى المدينة ثم قال:
ـ "إن أولى الناس بي المتقون, مَنْ كانوا, وحيث كانوا".
وأذّن في الناس بالحج
نعم, لقد كانت الدلائل تلوح أمام الجميع أن هناك أشياء مؤلمة قد تحدث بين الفينة والأخرى.
وما كاد شهر ذي القعدة يدخل حتى تناقل الناس خبر اعتزام رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج إلى الحج هذا العام, فتوافد الناس من كل حدب وصوب إلى المدينة, كما وافاه آخرون كثيرون في الطريق فكانوا بين يديه وعن يمينه وعن شماله قدر رؤية البصر... خلق لا يحصى عدهم إلا الله سبحانه.
وسار الركب المبارك بالنبي صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله وأفعاله وعبادته, وانضم إليه أهل مكة, وكذلك لحق به في مناسك الحج من جاء بعد وصوله إلى مكة, فزاد العدد المجتمع في عرفة في تقدير البعض من الرواة على مائة ألف نسمة من رجل وامرأة وقريب وبعيد... وهذا العدد المجتمع لم تشهد الجزيرة العربية له مثيلاً من قبل.
يقول ابن القيم رحمه الله: وضربت للنبي صلى الله عليه وسلم قبة بنمرة, وهي مكان في شرقي عرفات فنزل بها, حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحّلت, ثم سار حتى أتى بطن الوادي, فخطب الناس وهو على راحلته خطبة عظيمة, قرر فيها قواعد الإسلام, وهدم قواعد الشرك والجاهلية.
هذه الخطبة ـ الوثيقة ـ التي تعارف الجميع على تسميتها بخطبة الوداع, تستحق منا وقفة وأي وقفة, فقد كانت بحق إيذاناً ببداية غروب شمس حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين البشر... تلك الحياة المشرقة التي ملأت الدنيا بنورها وفضلها وبرها وبركتها.
ولم يكن باستطاعة النبي صلى الله عليه وسلم أن يُسمْع هذا الجمع الكبير المترامي الأطراف, فأمر بلالاً أن يستنصت له الناس, فلما أنصتوا وامتدت أبصارهم تلقاْ النبي صلى الله عليه وسلم, وأرهفت آذانهم إليه, أمر ربيعة بن أمية بن خلف أن يقف إلى جواره ـ وكان رجلاً جهوري الصوت قويّه ـ فيقول بقوله, ويكرر خطبته في كل اتجاه, ليسمع القاصي والداني والبعيد والقريب... فمهما كان صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم قوياً فإنه قد بلغ آنذاك الثالثة والستين من عمره.
خطبة بليغة جامعة
وابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم خطابه التاريخي الهام, الذي جمع فيه أطراف البلاغة وقواعد الدين, فحمد الله ـ كما هي سنته ـ وأثنى عليه بما هو أهله, فإن هذا الموقف يمثل حصاد جهاد سنين طويلة حُفّت بتوفيق الله.
ـ الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره, ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, من يضلل فلا هادي له, وأشهد أن إلا إلا الله وحده لا شريك لا, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أوصيكم عباد الله بتقوى الله, وأحثكم على طاعته, وأستفتح بالذي هو خير.
وأراد أن يستلفت الانتباه أكثر فنبه إلى أمر مهم.
ـ أيها الناس اسمعوا أُبيّن لكم, فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا!..
ثم تابع قوله عليه الصلاة والسلام, بعد أن ران صمت عميق كصمت الجبال المحيطة بعرفات.
ـ ألا أي يوم هذا... فقالوا: الله ورسوله أعلم, فسكت حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه ثم قال:
أليس يوم النحر, قالوا: بلى, ثم قال:
أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه, قال:
أليس بالبلد الحرام, قالوا: بلى ثم قال:
قواعد عامة كلية
ـ أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى تلقوا ربكم, كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا, ألا هل بلغت, اللهم اشهد, فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها... وإنّ كل ربا في الجاهلية موضوع, وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبدالمطلب, ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون, قضى الله أن لا ربا... وإن كل دم في الجاهلية موضوع تحت قدمي, وإن أول دم أضعه دام ابن عمي عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب, وكان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل, فهو أول ما أبدأ من دماء الجاهلية.
أما بعد: أيها الناص فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً, ولكنه إن يُطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم, فاحذروه على دينكم... ثم تابع يقول:
ـ أيها الناس. إنما النسيء زيادة في الكفر, يُضَلّ به الذين كفروا, يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً, ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله, وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض, وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات الأرض منها أربعة حرم, ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم, ورجب مضر الؤي بين جمادى وشعبان... ألا هل بلغت, اللهم فاشهد.
ثم تناول قضية المرأة, وحقها على زوجها, وحق زوجها عليها, بالبيان الواضح الموجز:
ـ أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقاً, ولكم عليهن حقٌ... لكم عليهن ألا يوطئن فُرُشكم غيركم, ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم, ولا يأتين بفاحشة, فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح, فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف... وإنما النساء عوان, لا يملكن لأنفسهن شيئاً, أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله, فاتقوا الله في النساء, واستوصوا بهن خيراً, ألا هل بلغت, اللهم فاشهد.
ثم نبه هذا الحشد الهائل من المسلمين, ونبه الأمة كلها من ورائه, مَنْ كان في عصره ومن جاء بعده بقوله:
ـ أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه... تعلّمن أن كل مسلم أخ للمسلم, وأن المسلمين إخوة, فلا يحل لامرىء مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه, فلا تظلمن أنفسكم, ألا هل بلغت, اللهم فاشهد...
أيها الناس: إن ربكم واحد, وإن أباكم واحد, كلكم لآدم وآدم من تراب, أكرمكم عند الله أتقاكم, وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى, وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن ضلوا أبداً, أمراً بيّناً, كتاب الله وسنة نبيه... ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض, ألا هل بلغت اللهم اشهد. قالوا: نعم. ثم قال:
ـ إن الله أعطى كل ذي حق حقه, فلا وصية لوارث, ولا يجوز وصية في أكثر من الثلث, والولد للفراش وللعاهر الحجز, من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.
خاتمة الكلام, وموجز البيان
ثم اختتم خطابه الجامع بقوله:
ـ ألا ليبلغ شاهدّكم غائبكم: لا نبى بعدي, ولا أمة بعدكم.
ثم أخذ يرفع يديه إلى السماء ويقول: اللهم هل بلغت, فيجيبه الناس وقد لفهم الخشوع, وغلبت عليهم الرهبة:
اللهم نعم, فيعود بيديه مشيراً إلى الناس:
ـ اللهم فاشهد, اللهم فاشهد, اللهم فاشهد, والسلام عليكم ورحمة الله.
هذه هي خطبة عرفات في الحجة التي لم يحج بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو قل لم يعش بعدها طويلاً, لذلك تسمى خطبة الوداع في حجة الوداع, وهي بحقٍ بلاغ بليغ في موقف جامع حاشد.
إن تلك الخطبة تختصر لنا صورة الشخص الذي أرسل في مهمة قضى سحابة عمره في تبليغها والدعوة إليها وتعليمها للناس... حتى إذا أدى أمانته وبلغ رسالته قام يشهد الخلق على ذلك, يريد أن يلقى ربه بريء الذمة من الكتمان والتقصير, أو التبديل والتحوير.
وللكلم النبوي مواقف أخرى
ولئن شئنا لقلنا بدقة: إن هذه الخطبة ليست آخر خطبة أو آخر موقف وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم يودع أصحابه... إلا أنها أعظم خطبة وأجمع خطبة... ولكن كما تروي السيرة النبوية العطرة: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم وقفات وخطب متفرقة مع جموع عابرة من أصحابه.
من ذلك قول العرباض بن سارية رضي الله عنه: وَعَظَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة, وَجِلَت منها القلوب وذرفت منها العيون, فقلنا: يا رسول الله كأنها وصية مودع, فما تعهد إلينا, قال:
ـ عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد كأن رأسه زبيبه, فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين من بعدي عضواً عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل محدثة بدعة, وكبل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
صلى الله عليك يا رسول الله في كل آن وحين, فإنك كنت النبي الأمين, والرسول المبلغ.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة