
وأخيراً... لحق بالرفيق الأعلى
وأن إلى ربك المنتهى
هذه ساعة لم يُعلم لها مثيل في الكون كله!!
كيف ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا وفارق أصحابه, ثم لحق بالرفيق الأعلى؟؟
إننا نستطيع أن نتحسس عظمة المصاب وجسامة الخطب عندما نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهيؤ أصحابه ويروّضهم لمثل تلك الساعة العصيبة... فكان بين الحين والحين يلقي إليهم الكلمة تلو الكلمة, ويضع بين أيديهم بعض التلميحات البعيدة أو التصريحات القريبة, ويسر إلى بعضهم ويجهر أمام البعض الآخر... فقد كان يخشى ـ وحقاً ما كان يخشاه ـ أن لا تتحمل النفوس تلك الفاجعة الكبيرة, فتنهار لصدمتها الأفئدة التي أسِّسَتْ بنيانها على محبته والتفاني فيه, عند مفاجئتها بلحظة وفاته.
وقف ذات يوم بين أصحابه واعظاً, فلفت أنظارهم أن موعظته الرقيقة البليغة تلك ليست كباقي المواعظ والخطب... إنها موعظة تذرف منها العيون, وتفرق لها القلوب, وتضطرب لها الجوانح بإحساس خفي, فقالوا له:
ـ كأنها موعظة مودع يا رسول الله!... فأوصنا... فأوصاهم كما سألوا..
وفيما كان أصحابه حوله, التفت إليهم ففاجأهم بقوله:
ـ إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه.
فلم يفهم الكثير ما يريد... إلا أبا بكر فقد صباح بانفعال ظاهر وتجاوب سريع, بعد أن فهم أن المقصود بالعبد رسول الله.
ـ أنفسنا فداؤك يا رسول الله.
يسارر ابنته البتول
وأتته فاطمة ـ ابنته رضي الله عنها, وكانت أحب أهله إليه, فأجلسها إلى جواره, وسارّها بكلمات, فإذا بها تنفجر بالبكاء المؤلم, فلم يدعها طويلاً حتى سارّها بكلمات أخر, أذهبت عنها الروع وأعادت إلى قلبها السكينة... ولما سئلت بعد وفاته عن ذلك السر قالت:
ـ أخبرني أنه سيموت, ثم أخبرني أني أول أهل بيته به لحاقاً... وقد كان ما قال.
ويودع رسوله إلى اليمن
وأرسل معاذاً إلى اليمن قاضياً وداعياً, واليمن بلد بعيد الدار, فقام يودعه حتى مشى معه إلى ظاهر المدينة وهو يقول له:
ـ لعلك أن لا تلقاني بعد يومك هذا, ولعلك أن تمر بقبري... ولعلك ولعلك.. ثم أخذ يوصيه بما شاء.
كل هذا وذاك ـ وغيره كثير ـ فيه شيء مما قاله الله تعالى بصراحة مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بآية واضحة كل الوضوح: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ...)(1) لا بل إن القرآن الكريم توجه مباشرة, وبوضوح لا لبس فيه, إلى جماهير الصحابة الكرام ليعدهم للقاء تلك الساعة الحرجة, ويجعلهم على مستوى المسئولية في مواجهتها وتحملها, يقول سبحانه:
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)(2) هكذا كان الخطاب بنص صريح وعبارة حازمة.
ولكن بعد هذا التمهيد كله... هل كانت تلك الساعة كغيرها من الساعات الشديدة... أم إنها كانت زلزالاً فوق ما تحتمله النفوس وتقوى على قهره الإرادات؟؟!
لنرى ذلك بعد حين.
ولنبدأ أولاً بسرد بدء شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بداية الشكوى
ما كادت ليالي شهر صفى تكر واحدة تلو الأخرى, حتى إذا أشرفت على الانقضاء أو انقضت, كان فيها أول شكواه...
فقد خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل حيث يرقد كثير من أصحابه ـ الذين تقدموا قبله إلى الله ـ في قبورهم... فاستغفر لهم ـ وكثيراً ما كان يحن إليهم ويسري في ليله ناحيتهم ـ ثم رجع إلى أهله, فلما أصبح بتدئ بوجعه في يومه ذلك... فعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:
ـ رجع رسو الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي, وأنا أقول: وارأساه... فقال بل أنا ـ والله يا عائشة ـ ورأساه, وما ضرك لو مت قبلي, فقُمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك, فقلت:
والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأسرعت فيه ببعض نسائك... فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتتام به وجعه, وهو يدور على نسائه حتى استُعِز(1)ّ به وهو في بيت ميمونة, فدعا نساءه, فاستأذنهن في أن يمرض في بيتي, فأذنّ له...
واشتد عليه وجعه فقال: هريقوا سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم... فصببنا... ـ والكلام لعائشة ـ عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم, حسبكم, ثم خرج إلى الناس حتى جلس على المنبر, ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد, فلم يكن ينسى عليه السلام أصحابه الذين فدوه بأرواحهم واستغفر لهم, فأكثر الصلاة عليهم, ثم قال:
الحبيب يتكلم مودعاً
ـ إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده, فاختار ما عند الله.
ففهمها أبو بكر, وعرف أنه يريد نفسه فبكى وقال:
ـ بلى نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا, فقال:
ـ على رسلك يا أبا بكر... ثم قال:
ـ انظروا هذه الأبواب اللافظة(1) في المسجد (وكانوا يفتحون هذه الأبواب في ظهور بيوتهم ليسهل عليهم دخول المسجد) فسدوها إلا بيت أبي بكر, فإني لا أعلم أحداً كان أفضل في الصحبة عندي يداً منه, فإني لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً, ولكن صحبة وإخاءُ إيمان, حتى يجمع الله بيننا عنده, ثم تابع قوله:
ـ يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيراً, فإن الناس يزيدون, وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد وإنهم كانوا عيبتي(2) التي أويت إليها, فأحسنوا إلى محسنهم, وتجاوزا عن مسيئهم.
المرض يشتد ويشتد
ولما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم ـ تقول عائشة ـ قال:
ـ مروا أبا بكر فليصل بالناس, قلت:
ـ يا نبي الله إن أبا بكر رجل رقيق, ضعيف الصوت, كثير الكباء إذا قرأ القرآن, قال:
ـ مروه فليصل بالناس!. فعدت بمثل قولي, فقال:
ـ إنكن صواحب يوسف!! مروه فليصل بالناس.
ويبدو واضحاً أن إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على إمامة أبي بكر رضي الله عنه هو الذي دفعه لما سمع صوت عمر رضي الله عنه ـ وقد قدمه بعضهم لصلاة قبل أن يبلغهم أمر النبي بتقديم أبي بكر ـ دفعه إلى القول عندها:
ـ أين أبو بكر... أين أبو بكر... يأبى الله ذلك والمسلمون, يأبى الله ذلك والمسلمون.
ولما كان يوم الأثنين الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم, خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح, فرفع الستر فخرج إليهم وقام على باب عائشة, فكاد الناس يفتتنون بصلاتهم لما رأوه فرحاً به... فأشار إليهم أن اثبتوا في صلاتكم... وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سروراً لما رأى من هيئتهم في صلاتهم, ثم رجع.
وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قر أفْرق من وجعه وبرئ.
ولما خرج من عنده علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ زوج ابنته فاطمة البتول رضي الله عنها ـ توافد الناس عليه, وتقاطروا يسألونه في لهفة:
ـ كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال لهم مطمئناً:
ـ أصبح بحمد الله بارئاً.
كلمات مؤثرة
ويبدو أن بعضهم دخل عليه وهو في حالته تلك, فالتفت إليهم قائلاً:
ـ يا أيها الناس: من ضربتُ ظهره فهذا ظهري فليضربه, ومن أخذت ماله فهذا مالي فليأخذه, ومن شتمت عرضه فهذا عرضي فليشتمه... إني أريد أن ألقى الله ولا يطلبني أحد منكم بمظلمة.
وليس هناك من خير زوجه الكريمة عائشة رضي الله عنها تتابع لنا وصف اللحظات الأخيرة الحاسمة, خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض في حجرها... فلنتابع قولها:
آخر المطاف
ـ رجع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومه ذلك حين دخل المسجد, فاضطجع في حجري, فدخل علي رحل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر, فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه في يده نظراً عرفت أنه يريده, فقلت:
يا رسول الله أتريد أن أعطيك هذا السواك؟ قال: نعم, فأخذته فمضغته له حتى لينته, ثم أعطيته إياه فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قط, ثم وضعه.
ووجدتُ رسول الله صلى الله يثقل في حجري ـ تقول عائشة ـ فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قج شخص وهو يقول:
ـ بل الرفيق الأعلى... بل الرفيق الأعلى...
ثم صمت, وكانت تلك آخر كلماته الشريفة... صلى الله عليه وسلم.
وكان ذلك وقت اشتداد الضحى من النهار.
الخبر... الصاعقة
وسرى الخبر إلى الناس فنزل عليهم كالصاعقة... هل حقاً ما سمعوا... هل مات رسول الله صلى الله عليه وسلم... وأنكروا ذلك أول الأمر استعظموه, ودارت الدنيا كلها من حولهم, وقامت وقعدت, وماجت واضطربت, وذهبت بهم الأحوال الشديدة كل مذهب... فمنهم من ذهل عن عقله!! ومنهم من انتضى سيفه يهدد المنافقين الذين يروجون هذه الشائعة الخبيثة!!. ومنهم من سقط على وجههّ!.. ومنهم من قعدت به رجلاه!..
أحقاً مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أبو بكر... رجل المواقف الصعبة
ولم يوقظهم من ذهولهم واضطرابهم إلا أبو بكر الصديق, الرجل الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقربهم إليه, وأعلاهم قدراً ومنزلة فيما بينهم, فأمسك بزمام الموقف بشجاعة ومسئولية, فلم يترك للفجيعة العظيمة ـ وأعظم بها من فجيعة ـ أن تمضي بالناس في كل واد وفج, بل كتم أساه, وعض على جراح الألم, وواجه الواقع المرير بما يناسبه من رجولة وحكمة, ويقين وثبات.
ومضى أبو بكر رضي الله عنه يشق الصفوف حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع الغطاء عن وجهه, فقبله قبلة الوداع ثم قال:
ـ طبتَ حياً وميتاً يا رسول الله.
وقام إلى الناس وهم في لغطهم واضطرابهم, فلم يَلْوِ على شيء, حتى أتى المنبر في المسجد, فوقف عليه, ثم التفت إليهم فأصاغوا له السمع إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه كان يهدر كالسيل.
ولم يطل بالناس الانتظار, بل باشر أبوبكر كلامه, وهو واثق كل الثقة ما يقول, ولم يكد يبدأ حتى أنصت عمر:
ـ يا أيها الناس: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
ثم ثلا قوله سبحانه: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)(1).
يقول عمر رضي الله عنه:
ـ فوالله ما إن سمعتها حتى أيقنت أنه الحق, وكأني لم أسمع الآية من قبل... فلما أيقنت سقط السيف من يدي.
ساد صمت مرير وسكون أليم, وبدأ الكل يتحرك استعداداً لوداع رسول الله.
حقا... انتقل رسول الله إلى ربه
وبعد أن غسل وكفن, وضع للصلاة عليه, فكان الناس يدخلون عليه يصلون أفراداً بلا إمام.
ثم حملته الأكف المحبة, التي طالما وقفت دونه في حياته مدافعة مؤيدة, ولكنها الآن تحمله مستسلمة لأمر الله فيه, حملته حتى أنزلته في لحده في بيت عائشة حيث قبضت روحه الطاهرة, فلقد أشار على أصحابه أنه ما من نبي تقبض روحه إلا دفن حيث قبض...
ووقف الشعراء تفيض قرائحهم, ويعبرون عن بعض ما تجيش به نفوسهم ونفوس المؤمنين من أسى ولوعة.
مراثية الصادقة
وكانت مراثي لم يسمع مثلها صدقاً ووفاء.
قال حسان بن ثابت رضي الله عنه ـ شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ـ وهو يبكيه بعد وفاته:
فبوركتَ يا قبر الرسول وبوركتْ بلاد ثوى فيها الرشيد المسدَّدُ
وبورك لَحْد منك ضمّن طيباً عليه بناء من صفيح منضدُ
لقد غيبوا حلماً وعلماً ورحمة عشية علّوه الثرى لا يوسدُ
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم وقد وهنت منهم ظهور وأَعْضُدُ
ويبكون من تبكي السموات يومه ومن قد بكته الأرض فالناس أكمَدُ
أما ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب فقد توجه إلى ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بالعزاء والرثاء:
أفاطم إن جزعت فذاك عذر وإن لم تجزعي ذاك السبيلُ
فقبر أبيك سيد كل قبر وفيه سيد الناس الرسولُ
اللهم صلى على سيدنا محمد حياً وميتاً, وأولاً وآخراً, وبدءاً وختاماً.
والحمد لله رب العالمين
الشيخ عبد الله نجيب سالم
(1) اشتد به المرض وأوهنه.
الصفحة السابقة