 |
|
جملة كبيرة من الرحلات الشهيرة: جغرافية، أو دعوية، أو علمية
|
رحلة عبد الله محارب إلى الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى (2)
هذه هي الحلقة الثانية للحديث عن الرحلة التي قام بها أربعة من رجالات الكويت ووجهائها إلى لجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثاً في آسيا الوسطي، وهي الجمهوريات التي تضم شعوباً مسلمة غلبت على أمرها في مطلع القرن وتم ضمها بالقوة والحديد والنار إلى امبراطورية الاتحاد السوفياتي المنهارة، وهي بلاد شاسعة واسعة مليئة بالملايين من المسلمين ذات تاريخ عريق ومجد غابر وحضارة تليدة.. لذلك فزيارتها كانت للتعرف على أحوالها وماآلت إليه بعد أكثر من سبعين سنة من الظلم والقمع ومطاردة الإسلام، ولمعرفة احتىاجاتها المستقبلية وهي تتوجه بقوة للعودة إلى الله وللقيام بما يستطيع هؤلاء النفر الأربعة الكرام القيام به من شد الأزر وبذل المال واقامة الروابط وتعليم الدين ونقل الأخبار وشرح الأحوال.
لذلك فلا عجب أن نعود للحديث ثانية عن ذلك الوفد ولكن في رحلته الثانية إلى تلك المنطقة بعد أكثر من سنة من الرحلة الأولى.. والفضل في نشر تفاصيل الرحلتين جميعا يعود إلى الاستاذ الفاضل الدكتور عبد الله حمد محارب الذي جمع تلك التفاصيل في كتابه : [ أوطان عطشى إلى الإسلام ].
وقد انطلقت الطائرة بالوفد نحو تركمانستان من الكويت مباشرة، وكان الوفد مكونا من الرفاق الأربعة: عبد الله محارب وعبد العزيز البابطين وخالد المذكور وعبد العزيز المطوع وانضم إليهم في الطائرة المستأجرة خصيصا لهم كل من طارق العيسى وخالد الغيص من جمعية احياء التراث الإسلامي وأنور اليحيى الملحق الثقافي الكويتي في موسكو.. واستمرت الطائرة محلقة بالجميع قرابة الساعتين قبل أن تحط عجلاتها فوق أرض مطار عشق أباد عاصمة تركمانستان وكانت الملاحظة الأولى التي لفتت أنظار عبد الله المحارب هي تبدل الأحوال كثيرا خلال سنة واحدة نحو التحسن، وكان أول من استقبلهم من الرسميين رجب دردي رئيس جامعة عشق أباد السابق وقد تم اختياره وزيرا للتعليم العالي مؤكداً لهم أهمية الأخوة الإسلامية على الرغم من اختلاف القوميات كما أكد على التزامه بالوعد الذي قطعه على نفسه في العام الماضي بتدريس اللغة العربية والدين الإسلامي في بعض مدارس تركمانستان، وقد رافقهم في زيارة لمعهد اللغاب حيث ألقى السيد عبدالعزيزالبابطين كلمة شكر على الحفاوة والتجاوب ، كما ألقى في المساء في نفس المعهد الدكتور خالد المذكور كلمة لطيفة في الطلاب الذين سيتم اختيارهم للالتحاق ببعثة البابطين التعليمية، ثم قاموا بزيارة مسجد يشارك في بنائه متبرعاً مهندس من أبنائه الثمانية الذين لايتجاوز أصغرهم العاشرة من عمره، كما زاروا قلعة (جو كتبه) وهي آخر موقع سقط في أيدي الروس عند احتلالهم لتركمانستان عام 1881م فوجدوها قاعاً صفصفا وبقايا سور متهدمة وماذلك إلا لإصرار الروس على تدميرها تدميراً كاملاً انتقاماً وحقداً.
وعاود الدكتور محارب وزملاؤه الطيران ثانية وكان عليهم للوصول إلى (المآتا) عاصمة كازاخستان التوقف في (جارجيف) على الحدود التركمانية الأوزبكستانية وهي مدينة تقع على ضفاف نهر صناعي كبير تم شقه في الخمسينات من هذا القرن ثم عجزت الشيوعية أو تراخت عن اكماله، وعند الوصول إلى(الماتا) وجدوا المطار مغلقا وكأنه دكان يفتحه صاحبه نهاراً ويغلقه ليلاً مما استدعى تحايل المضيفة على الدخول من باب فرعي ثم احضار مفاتيح الباب الرئيسي لمطار( المآتا) أي بلاد التفتح، وكانت الاستراحة التي أنزلوا فيها بيئسة مزعجة في منطقة يقال لها مدّيا شهيرة بملعبها المخصص للتزحلق على الجليد.. وقد لاحظ عبد الله محارب في الطريق عند ذهابهم لمقابلة وزير التعليم أن قصاصات من القماش مربوطة بأغصان أشجار كثيفة على طول الطريق فلما سأل علم أنها في اعتقاد بعض العامة تؤدي إلى تحقيق الأماني.. ولله في خلقه شئون.. وقد أوضح لهم وزير التعليم أن مناهج التدريس استبدلت بعد الاستقلال خصوصاً مما يتعلق بالتاريخ الكازاختاني، كما أن هناك لجنة متخصصة تبحث امكانية تغيير الحروف الروسية المستعملة إلى اللاتينية أو العربية، وأضاف أن الروس قد استنزفوا آبارالبترول في بلادهم دون أن ينشئوا فيها مصانع للتكرير، وأخبرهم عميد كلية الدراسات التكنولوجية عن حاجة بلاده إلى مساجد في العاصمة على وجه الخصوص حيث لاتضم العاصمة التي بلغ عدد سكانها مليونا ونصف المليون سوى مسجد واحد في حالة سيئة وأنه بجهوده الخاصة قام بترجمة معاني القرآن الكريم إلى الله الكازاخستانية.
وكان أكثر مايزعجهم في اقامتهم في الفندق السكارى من رواده رجالاً ونساء من هواة التزلج على الجليد نهاراً فإذا ماحل الليل تحولوا بقدرة قادر إلى هواة للازعاج واطلاق الأصوات النكرة.
وقد زار الوفد في المآتا عاصمة كازاختسان ملجأ الأيتام تشرف عليه جميعة احياء التراث الإسلامي ولهذا الملجأ وأمثاله أهمية كبرى في توجيه الناشئة نحو الإسلام في بيئة تتزاحم عليها المنظمات التبشيرية الغنية التي تبحث لها عن موطىء قدم لتلقي فيه بثقلها.. كما زار الوفد مسجد المدينة اليتيم.
وقبل مغادرة كازاختسان كانت ليلة الوداع ليلة مشقة وعنت بالنسبة لعبد الله محارب وزملائه.. إذ لم يعرف النوم إلى جفونهم سبيلاً بسبب ازعاج رواد الفندق وزاد الأمر سوءاً في الصباح أن عليهم حمل عفشهم بأنفسهم وجره جراً قطعة قطعة من الدور الرابع ـ دون مصعد ـ إلى السيارة.
وأقلعت طائرة الوفد مرة أخرى متجهة صوب جمهورية أوزبكستان وعاصمتها ( طشقند) وقد استقبلهم بترحاب وفد من وزارة التعليم، وقال لهم نائب الوزير الأول الحاج بختيار نازاروف أنه بعد الاستقلال تم اقتتاح كثير من المساجد في البلاد كما ترجمت معاني القرآن الكريم إلى لغتهم الوطنية وسمح للناس بأداء فريضة الحج وتم الاعتراف بعيدي الفطر والأضحى كعطلتين رسميتين في البلاد.
وقد صادفت زيارة الوفد لطشقند انعقاد المؤتمر العالمي الأول للإمام البخاري رحمه الله في مدينة سمرقند العاصة الثانية لأوزبكستان وجمهورية أوزبكستان من أكبر الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى يصل سكانها إلى قرابة عشرين مليوناً معظمهم الغالب من المسلمين وكانت لهم محاولات جدية للاستقلال عن الروس أهمها محاولة أنور باشا التي سحقها الروس بوحشية عام 1922 ودمروا عقبها آلاف المساجد ومئات المدارس الإسلامية رغبة منهم في طمس معالم الإسلام والقضاء عليه.
واجتمع الدكتور محارب وزملاؤه بوزير التعليم جور عبد الله ييف وبوفد تعليمي كبير وكان مما قاله لهم الوزير: أنهم انتظروا أكثر من مئة وثلاثين عاماً للحصول على الاستقلال من الاستعمار الروسي، بينما قال الدكتور رستم عميد كلية التاريخ للدراسات الشرقية: إن اللغة العربية في دمائنا لأننا نعرفها منذ الصغر ومازلنا إلى الآن نؤذن بها في أذن المولود عند ولادته وأبدى د.نعمة الله ابراهيم رئيس جامعة كشقند تحمسه لتطوير العلاقات مع الدول العربية الإسلامية... ورد أعضاء الوفد الكويتي بكلمات مناسبة وعد في ختامها عبد العزيز البابطين وزارة التعليم هناك بتزيدها بعشرة مدرسين لتعليم اللغة العربية من الأزهر الشريف، كما تم اختيار مجموعة من الطلاب لينضموا إلى البعثة المرسلة لدراسة اللغة العربية والدين الإسلامي في القاهرة.
ومن الطرائف أن طائرة الوفد تعطلت في طشقند التي هي مركز رئيسي لصناعة الطائرات السوفياته وصيانتها ولم يستطع الفنيون ساعتها اصلاحها مما دعاهم إلى طلب طائرة أخرى وصلت مع طلوع الفجر فامتطوا متنها باتجاه باكو عاصمة جمهورية أذربيجان التي سلختها روسيا القيصرية عن التبعية للدولة العثمانية ثم بدأت بالتهامها شيئاً فشيئاً حتى استكملت ذلك عام 1920، وعانت منذ ذلك الحين من الوحشية الروسية الشيء الكثير، ويكفي أن نعلم أن عدد المساجد الذي كان يزيد على 2000 مسجد انخفض إلى/16/ مسجدا.
وكان في استقبال الدكتور محارب وزملائه في باكو مساعد وزير التعليم العالي واسمه سورة حسين ولما سأل الوفد عن معنى اسمه قال إن من عاداتهم عند ولادة المولود أن يفتحو المصحف دون تعيين فعلى أي آية أو سورة وقعت أبصارهم لأول مرة سموا المولود بذلك.
ثم زار الوفد الكويتي وزيرة التعليم وبعض مساعديها وعلموا منها أن أذريخان مقبلة على تعلم وتعليم اللغة الانجليزية بصورة كبيرة، يقول عبد الله محارب: ولهذا فقد حاولنا أن نشجعهم على الالتفات والتركيز على تعليم اللغة العربية وقد تم الاتفاق على تزويدهم بمجموعة من المدرسين للغة العربية، وفي هذا المجال قالت الوزيرة: إن رئيس البرلمان الأذري السابق كان شاعراً وكان يترجم جلسة البرلمان من اللغة الاذرية إلى اللغة العربية.
كما التقى الوفد الكويتي بوزير الخارجية في أذربيجان حسين عبد العزيز وكان على غاية الفرح بزيارته وعبر عن هذا بقوله: نحو نحبكم ونعتبركم إخواننا الذين ضاعوا عنا أو ضعنا عنهم وكنا منعزلين عن الإسلام خلال مائتي سنة أغلق فيها المستعمرون المساجد ومنعت قراءة القرآن بل منع استعمال اللغة العربية وأبجديتها.. وأضاف: إنه عندما كان والياً على أذربيجان أيام السلطة السوفياتية قام بترميم /15/ مسجداً ثم بعد الاستقلال أدى فريضة الحج وزار المدينة المنورة وصلى داخل الكعبة ومنذ ذلك الحين وهو ملتزم بالصلاة.
وقد وصف عبد الله محارب مدينة باكو بأنها جميلة خاصة في الليل عندما تلمع أنور السفن التجارية الكبيرة من بعيد وهذه السفن تدخل إلى بحر قزوين المغلق عن طريق قناة بحرية تربطه بالبحر الأسود عبر نهر الفولجا.
ومن الطرائف اللطيفة أن عبد الله محارب وكان معه زميله عبد العزيز المطوع يمشي أمامه فلما دخلا محلاً لعرض الأزياء الشعبية المزدحم بالناس تابع الدكتور محارب زميله من بعيد دون أن يتحقق منه حتى إذا وصلا إلى قاعة فيها حفلة عرس رأى زميله الذي أمامه يتوجه نحو منتصف القاعة ثم يخرج منديلاً يلفه بطريقة خاصة في يده ثم ينطلق في رقصة شعبية على أنغام الآلات مما أثار عجبه فدقق في وجهه فإذا هو رجل شبيه لعبد العزيز المطوع في الشكل والطول والحجم إلا أنه من أهالي المنطقة بينما صاحبه ضاع منه من زمن بعيد.
وكان من المحزن أن القادة الروس المحتلين كانوا قد حولوا أحد المواقع الطبيعة في أذربيخان إلى عزب واستراحات ومزارع خاصة لهم دون سواهم بينما الفقر والقهر والتخلف يضرب أطنابه في طول البلاد وعرضها.
وزار الوفد الكويتي في باكو دار المخطوطات، وهي الأصل مدرسة إسلامية للبنات بها النقوش البديعة والصالات الواسعة تولى انشائها والنفقة عليها أحد الأثرياء المسلمين حسبة لوجه الله، فلما جاءت الشيوعية اغتصبوا ـ مع جملة أمواله ـ المبنى منه وحولوه إلى مركز للمجلس الشيوعي الأعلى في أذربيجان بينما مات صاحبه الثري وابنته فقيرين معدمين.. وكان للوفد يد بيضاء في دار المخطوطات عندما وافقوا على تزويدها بأجهزة تصوير ( ميكروفيلم) إضافة إلى ارسال خمسة من المساعدين العلميين إلى الأزهر.
كما اجتمع الوفد بمفتي أذربيجان ونائبه، والمفتي هو رئيس المجلس الأعلى لشعوب القوقاز (شاشان ، واغستان، أذربيجان) وقد أخبرهم: أنه والادارة الدينية أيدوا رئيس جمهوريتهم حيدر علييف لتعاطفه مع المسلمين في مواقف عدة منها أنه خطب خطبة رسمية في مناسبة المولد النبوي الشريف مما رفع الروح المعنوية للمسلمين، وزار الدكتور محارب وزملاؤه مسجد باكو الذي امتلأ بالنقوش وحول محاربه كتبت بعض الآيات مع أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته.. وقد أخبرهم نائب المفتي أن عدد المساجد أيام الشيوعية لم تزد في باكو عن اثنين وأن هناك نقصاً كبيراً في عدد المصاحف والكتب الدينية الأخرى.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة